أنثروبولوجيا الثقافة والأمكنة في رواية رحلة مليون شلن خمسين دولارًا

أنثروبولوجيا الثقافة والأمكنة في رواية رحلة مليون شلن خمسين دولارًا

تكتنز رواية "رحلة مليون شلن خمسين دولارًا" ثراءً أنثربولوجيًّا في ثقافة الحيز السردي المكاني، المتمثل في أمكنة يمنية وصومالية.

أنثروبولوجيا الثقافة والأمكنة في رواية رحلة مليون شلن خمسين دولارًا

د. عبده منصور المحمودي

حظيتْ سياقات الثقافة الشعبية وتقاطعات الأمكنة بقدر ملحوظٍ من المعالجة السردية، في رواية الكاتبة اليمنية ليلى السياغي: “رحلة مليون شلن خمسين دولارًا”(1). إذ تعاطى الاشتغال السردي ــ في هذا العمل ــ مع التداعيات المأساوية التي أسفرت عنها الصراعات الصومالية، لا سيما ما يتعلق منها بنسق اللجوء إلى اليمن، حيث مثّل هذا البلد حيّزًا سرديًّا مكانيًّا، تداخل مع بعض من الأمكنة الصومالية. أمّا الحيز الزمني السردي، فقد امتد من تاريخ اندلاع تلك الصراعات، في الربع الأخير من القرن الماضي، حتى مطالع القرن الواحد والعشرين 2011م.

وقد مثّلت الفتاة الصومالية “رحمة” شخصية رئيسة في هذا العمل؛ إذ نجت من كارثة القضاء على عائلتها في صراع اندلع أمام منزلهم، وتكفّلت إحدى جاراتهم بإيوائها. ثم هاجرت مع المهاجرين من أبناء الصومال إلى اليمن؛ بحثًا عن الحياة الآمنة. وقد عاشت “رحمة” في محطات رحلتها جحيمًا من معاناة الجوع والقهر والألم. أمّا الشخصيات الثانوية، فقد تعددت بتعدد السياقات السردية. منها شخصية الشاب الصومالي “آر”، الذي رافقها في رحلة النجاة، وافترقا في مدينة “عدن”، ثم اجتمعا ثانيةً وسافرا إلى مدينة “صنعاء”.

تضمنت السياقات السردية ــ في هذا العمل ــ صورًا من ثقافات الأمكنة وتجانسها الأنثروبولوجي. منها ما ينتمي إلى الصومال، بلد الشخصية “رحمة”. ومنها ما ينتمي إلى اليمن، بلد الهجرة الذي نفذت بجلدها إليه.

[1] ــ ثقافة شعبية صومالية

من التجليّات الأنثروبولوجية للثقافة الشعبية الصومالية، في هذا العمل ــ بمعية خرافة التشاؤم من عيون المواليد الزرقاء ــ إشارة “رحمة” إلى ما كانت تسمعه من أمها من حكايات شعبية صومالية. من مثل حكاية تلك الملكة، التي ناضلت حتى انتصرت للنساء، وأجبرت الرجال على مساعدتهن. وما ترتب على ذلك، من سخط الرجال، حتى تمكن أحدهم من القضاء عليها. فصار قبرها مزارًا ترميه النساء بالورود، ويقذفه الرجال بالحجارة(2).

ومثل ذلك، هي الإشارة السردية إلى حكاية السحرة الأفريقيين، وطقوس السحر “اليِبِر” الصومالي(3). كذلك هو الأمر، في ما وردَ من مسمياتٍ صومالية بحتة، كأسماء الأماكن، من مثل “أحراش بورتلاند”(4). والثوب الصومالي “الباتي”(5). وقبيلة “الهوية” الصومالية، وفرعها “أبقال”(6). واللفظة “هيو! هيو”(7)، التي تعني “أمي” في اللغة الصومالية. والطبق الغذائي الشعبي الصومالي “عمبولا”(8).

وفي السياق نفسه، تتجلّى ثقافة الرقص والموسيقا الصومالية(9). ومثلها ثقافة الغناء الصومالي. ذلك؛ من خلال تسريد موقفٍ، مرّتْ به “رحمة” في طفولتها، أيام بقائها في ذاك المخيم الصحراوي؛ إذ سمعت أغنية للمغنية الصومالية الشهيرة “ماجول”(10). واستحضرت هذا الموقف، بعد سنوات من عمرها، في إحدى لياليها، في مدينة “عدن”، كانت فيها تصغي إلى كلمات هذه الأغنية، المترعة بالشجن:

“أيها الطير! هل تطير؟! هل تحلق مع الريح؟

هل تخدم الناس باجتهاد؟!!

أنا مستنزف ومنهك.

أيّها الطير! حرك شفتيكَ، وحدثني

هل سافرت وتجوّلت في البلدان

وتلكَ القرى البعيدة

وأينما أرسلتكَ؟!”(11).

[2] ــ اليمن: ثقافة شعبية وأمكنة

استوعب هذا العمل نسقًا من الخصوصية اليمنية، لا سيما فيما يتعلق منها بأنثروبولوجيا الثقافة الشعبية والأمكنة. من مثل ثقافة “الجنابي”، و”الزنان الصنعانية”(12)، وما في سياقها.

وقد تجلّت هذه الخصوصية الثقافية بكثافةٍ ملحوظة، في ما ورد من خصوصيةٍ “عدنيّةٍ”. منها ما تضمّنهُ تسريدُ تفاصيل الحياة، في سوق “الشيخ عثمان” الشعبية في مدينة “عدن”. ففي هذه السوق، “ستجد كل شيء جديدًا ومستعملًا، المحلات على جانبي الطريق مكدسة بالبضائع المختلفة، والمطاعم والكافتيريات القديمة ومحلات الحلوى والبهارات… وغيرها، وفي الشارع تتكدس العربات بشتى البضائع الرخيصة وسيئة الجودة، أغلبها صيني، متزاحمة مع البضائع المفروشة على الأرض باختلاف أنواعها: ملابس داخلية، أدوات كهربائية، خضار وفواكه، أسماك، أجهزة مستعملة، أكلات شعبية، مواقد جمر يغلي عليها الشاي العدني الملبن”(13).

كما تتجلى خصوصية مدينة “عدن”، ومحيطها، في عددٍ من الصور التي تتجسّد من خلالها الهوية الثقافية للمدينة، وللمناطق القريبة منها. من ذلك الإشارة السردية إلى “البخور العدني”(14). والإشارة إلى المعالم الصوفية، التي لفتت انتباه “رحمة”، في طريقها إلى مدينة “عدن”، كضريح الولي الصوفي، الذي أُعجبت به. كما أعجبت بشخصية “عطا المجنون”، الذي كان يتردد عليه، فصادفته، وتحدثت معه(15). وبعد أن وصلت إلى مدينة “عدن”، ذكّرتها بعضٌ من تفاصيل المدينة بشخصية “عطا المجنون”، من مثل “مسجد الهاشمي”(16). كما كانت بعضُ المواقف التي مرّت بها تُذكّرها بملامحَ من تجربتِه الصوفية(17). بل رافقتْها ذكراه؛ فاستمرت في ترديد الأدعية والتمتمات التي حفظتْها منه، بعد وصولها إلى مدينة “صنعاء”(18).

[3] ــ تداخل الأمكنة والثقافات
[3ــ1] ــ “حي البساتين”

من السياقات السردية في هذا العمل، ما استوعبَ نسق التداخل بين بعضٍ من معطيات الحيّز السرديّ المكاني (الصومال/ اليمن)، في سياقاته الأنثروبولوجية والثقافية. لذلك؛ نجد ثقافة المكان الصومالي قائمة في “حي البساتين”، من مدينة “عدن”. الذي يُطلق عليه اسم “مقديشو” الصغرى. وهي التسمية التي سمعتْها “رحمة”، من السائق لحظة المرور من هذا المكان(19).

يتجلّى هذا التداخل بين أبعاد الحيز السردي المكاني، في تسريد تفاصيل هذا الحي: “منطقة “البساتين” جزآن، شتان بينهما: شرقي منظم، يظم بلوكات الأغنياء المولدين الذين هاجروا في بدايات الحرب أو قبلها، واستوطنوا أرضًا جرداء في الطرف الشمالي لمدينة عدن، بنوا لهم فيها بيوتًا منظمة، تشبه بيوتهم التي كانت في الصومال، وغربي عشوائي يضم بيوتًا طوبية وخشبية وقماشية وكرتونية وبقايا من كل شيء أحيانًا”(20).

كما يتجلّى هذا التداخل والتماهي بين المكانين، في تسريد ماهية “حي البساتين”، من خلال توصيف تفاصيل الحياة البائسة، التي يعيشها مَنْ في جزئه الغربي: “هنا تبدو الحياة أسوأ من حيث جاؤوا، فصدى الخيبات يرتسم على الملامح وتلوكه الأفواه. لا شيء يُسمع هنا سوى تأوهات المرهقين، ونعيق الغربان المنتشرة بكثافة على خيوط الكهرباء، أسطح المنازل، حبال الغسيل، أغصان شجرة الكربة … الغربان جريئة، لا تخشى الناس، وتسعى جاهدة لمشاركتهم كثيرًا مما يحصلون عليه: أطباق الطعام، فتات الخبز المتناثر، الملابس المعلقة التي قد تخطفها وتطير بها لتحط بها على سطح مبنى آخر أو شجرة ما!”(21).

[3ــ2] ــ “الغُميضة” والملكة الصومالية

ومثل ذلك، هو ما نجده ــ في سياق هذا التداخل بين ثقافة المكانين ــ من إشاراتٍ سردية. كلعبة “الغميضة” الصومالية(22)، التي تُعد من أهم ألعاب الأطفال في اليمن. والملكة الصومالية التي تشير الثقافة الشعبية هناك إلى انتصارها للنساء، وتمكُّنها من الحكم(23). بما هي عليه من تداخل مع شخصية الملكة اليمنية “أروى بنت أحمد الصليحي”، في نسق الظفر بالحكم والاعتماد على النساء. مع التمايز بين الشخصيتين، في أن الملكة “أروى”، تولّت الحكم بعد وفاة زوجها، ولم تصل إليه من طريق الصراع مع الرجال.

وفي السياق نفسه، يظهر هذا التداخل بين ثقافة المكانين، من خلال ما تجيش به تلك الأغنية الصومالية، التي ترنمت بها المغنية “ماجول”(24)؛ إذ تتداخل مضامينها مع نسق من أغاني الهجرة اليمنية القائمة على معاناة الغربة، ومخاطبة الطير، والملل من الأسفار والتجوال.

[3ــ3] ــ الرؤية الاستشرافية

الملفت ــ في هذه السياقات السردية، التي استوعبت صيغًا من التداخل بين ثقافة المكانين ــ الرؤية الاستشرافية لاجتماع المكانين في المصير نفسه. إذ تحدّث “آر” مع “رحمة”، عن هذا المصير، الذي تنبأ بوصول اليمن إليه، بسبب ضعف التشريعات وحِدّة الانتماءات، والتكتلات القبلية. يقول: “أتعلمين؟! لا أظن أن مصير هذا البلد سيختلف كثيرًا عن مصير بلدنا؛ ولكن الوقت لم يحن لانفجار الوضع. القانون ضعيف والانتماءات قبلية … سترينهم متعايشين مع بعضهم، ولكنه تعايش ظاهري فقط. أتعامل معهم بحذر، حتى وإن بدت الأمور سهلة ومنفرجة، فهناك دومًا خيط رفيع لا مرئي لا يستطيع أحد تجاوزه، ليس باعتبارنا صوماليين بل دخلاء”(25).

وقد صدقت هذه النبوءة، بعد أن وصل اليمن إلى ما كان عليه الصومال، من احتدام الصراع، والتمزق، والدمار المأساوي في شتى مجالات الحياة. إذ بدأ هذا المصير المظلم، من انتهاء الحيز الزمني لهذا العمل 2011م. ولا يزال قائمًا؛ إذ لم تلُحْ ــ بَعْدُ ــ علامات انقشاعه. وبذلك؛ فقد وصل التداخل بين ثقافة المكانين ــ من خلال هذا الاستشراف ــ إلى أعلى مستوىً من ذروة التجانُس والتماهي المصيري.


  1. ليلى السياغي، “رحلة مليون شلن خمسين دولارًا”. ط1، دار عناوين بوكس، القاهرة، 2022. ↩︎
  2. نفسه، ص23،22،21. ↩︎
  3. نفسه، ص35،34،33. ↩︎
  4. نفسه، ص199. ↩︎
  5. نفسه، ص37. ↩︎
  6. نفسه، ص62. ↩︎
  7. نفسه، ص19،12. ↩︎
  8. نفسه، ص83. ↩︎
  9. نفسه، ص151،150. ↩︎
  10. نفسه، ص8. ↩︎
  11. نفسه، ص165،164. ↩︎
  12. نفسه، ص135. ↩︎
  13. نفسه، ص163. ↩︎
  14. نفسه، ص168. ↩︎
  15. نفسه، ص85 ــ 90. ↩︎
  16. نفسه، ص159. ↩︎
  17. نفسه، ص135،111،109. ↩︎
  18. نفسه، ص207. ↩︎
  19. نفسه، ص94. ↩︎
  20. نفسه، ص127. ↩︎
  21. نفسه. ↩︎
  22. نفسه، ص11. ↩︎
  23. نفسه، ص23،22،21. ↩︎
  24. نفسه، ص164. ↩︎
  25. نفسه، ص205،204. ↩︎

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top