الأسطورة في شعر عبد الله البردوني
يُعدّ الرمز الأسطوري في الشعر اليمني المعاصر واحدًا من أهم خصائص التجربة الشعرية اليمنية الحديثة. ومن تجلياته ما نجده في تجربة الشاعر عبد الله البردوني، من توظيفٍ لبعضٍ من الأساطير، العربية والعالمية.
[1] ــ الأسطورة العربية في شعر البردوني
تمثّل الأسطورة العربية نسقًا من أنساق الرمزية الأسطورية في شعر البردوني. ومن نماذجها استلهامه لأبعاد الأسطورتين العربيتين: أسطورة “الهديل”، وأسطورة “زرقاء اليمامة”.
[1ــ1] ــ أسطورة الهديل في شعر البردوني
ورد تضمين الشاعر لأسطورة “الهديل”، في قوله(1):
فاقداتُ (الهديل) يبكين فردًا ** أنتَ تبكي في كلِّ آنٍ هديلا
لي خليلٌ في كل مثوىً ومهوىً ** مُذْ تَخَيَّرْتُ كلَّ قلبٍ خليلا
[1ــ1ــ1] ــ الرمزية إلى حال الشاعر
ترتبط “أسطورة الهديل” ــ في بعضٍ من وجوهها ــ بدلالات الحزن وألم الفقد. وقد فسّر بعضُ الباحثين هذا الارتباط، بأنه أثرٌ من آثار الاعتقاد بـتلك القصة القديمة، التي تحكي أن فرخ حمام كان يُدعى “هديلًا”، “فُقد على عهد طوفان نوح عليه السلام، فظل الحمام يبكي ويناديه. وهذه القصة من قبيل الأساطير التفسيرية التي تعلل صوت الحمام وترجيعه الحزين”(2).
وقد استثمر الشاعر عبد الله البردوني ما في هذه الأسطورة من أبعاد حزن وفقد. فجعل منها رمزًا إلى حاله النفسية، ورغبته الدفينة في موت واقعه البائس. ذلك؛ لأن لجوء الشاعر اليمني إلى مثل هذه الأساطير ــ خاصةً أساطير الطير ــ فيه ما يحيل على رغبته اللاشعورية في التخلص من واقعه الوجودي والنفسي، إلى واقعٍ أفضل منه(3). وبخاصة إذا ما اخذنا بعين الاعتبار أن الشعر نوع من أنواع الحلم. وأن الطائر المجهول دالٌّ في تفسير الأحلام على ملك الموت(4).
لقد اتخذ الشاعر ــ هنا ــ من “الهديل” رمزًا إلى ما يعتمل في نفسه المتمزقة؛ حزنًا وحسرة، على الفقد المتجدد في كل لحظة من حياته. ومن هذه الرمزية امتد إيحاءٌ بديمومة الحسرة، واستمرارية الأسى، بفعل حيوية الفقدان واستمرار تجدده.
[1ــ1ــ2] ــ تخصيب إيحاءات الأسطورة
يتجلّى ــ في استدعاء الشاعر لهذه الأسطورة ــ تخصيبه لإيحاءاتها ومضامينها، ليس من خلال خاصية تجدد الفقدان فحسب، وإنما من خلال التمايز العددي بين مضامين الفقد في الرمز وما يشير إليه. ذلك، أن المفقود هديل واحد في الأسطورة، وفيما يشير إليه (المرموز إليه) اتسم المفقود بالكثرة، التي حالت خاصية تجدد الفقدان دون تحديد العدد فيها. وفي هذه الكثرة إيحاءٌ بلامحدودية الحزن ولانهائية بواعثه، والاستمرارية في انسيابه نَوْحًا وبكاء.
[1ــ2] ــ أسطورة “زرقاء اليمامة” في شعر البردوني
في قصيدته “علاقمة”، استلهم الشاعر عبد الله البردوني الأسطورة العربية “زرقاء اليمامة”. ذلك، في قوله من هذه القصيدة(5):
يا عينَ (زرقاءِ اليمامةِ) هل خَبتْ ** مقلُ الشموسِ؟ أم المرايا قاتِمَةْ؟
أترينَ شيئًا في حقيقةِ وضعِهِ؟ ** وهل الجزيرةُ حيثُ كانت جاثِمَةْ؟
خلعتْ شواطئها البحارُ، وأقبلَت** فوق الرُّبى، وعلى العواصفِ عائِمَةْ
تنجرُّ تائهةً، كظهرِ هزيمةٍ ** تجتازُ قامتَها، كجبهةِ هازِمَةْ
إن التوظيف الرمزي الذي أراده البردوني، لأبعاد هذه الأسطورة، قد اتسم بفاعليته في تحوير الأسطورة من تأريخيتها المتضمنة صفات إيجابية تميزت بها “زرقاء اليمامة”، إلى رمزيةٍ واقعيةٍ، أفقد حاضرُها “الزرقاءَ” من هذه الصفات، التي حل محلها عجزٌ في بصيرتها الثاقبة.
ومن خلال هذا التحوير، استوعبت الأسطورة الوظيفة الرمزية، في إيحائها إلى عجز العرب، في الزمن المعاصر. وعدم إدراكهم ما يحيط بهم من شباك، تفضي إلى تحوّلات انكسارية متتالية.
كما يتجلّى في هذا الاستلهام الرمزي تحويرٌ آخر، في مصير “زرقاء اليمامة”. ذلك في أن “زرقاء اليمامة”، التي فقدت قدراتها الخارقة، وعجزت عن الرؤية، فوقع قومها في كارثة قضت عليها هي أيضًا. لكنها في هذا التوظيف الشعري، تستعيد تلك القدرات، في صيرورتها القولية إبداعًا شعريًّا، على ألسنة الشعراء، ولسان البردوني منهم بوجه خاص.
[2] ــ الأسطورة العالمية في شعر البردوني
تضمّنت تجربة الشاعر عبد الله البردوني استئناسًا بالأسطورة العالمية. من مثل توظيفه للأسطورتين العالميتين: أسطورة “سيزيف”، وأسطورة “أوديب”.
[2ــ1] ــ أسطورة “سيزيف” في شعر البردوني
من تجليّات توظيف أسطورة “سيزيف”، في شعر البردوني، ما ورد في قوله(6):
(سيزيفُ) ناءَ بصخرٍ واحدٍ وأَنا ** صخْرِي جدارٌ حديديٌّ وغاباتُ
استثمر الشاعر ــ هنا ــ أبعاد أسطورة “سيزيف”، بما فيها من مضامين عذاب وألم. ليجعل من “سيزيف” رمزًا للشاعر نفسه؛ تجسيدًا لمعاناته وآلام حزنه، التي استوعبت هذه الأسطورة بعضًا منها.
كما تجلى في استلهام هذه الأسطورة نوعٌ من التحوير الفني، الذي أدخله الشاعر على مضمونها. ذلك؛ من خلال مقارنته بين صخرته وصخرة “سيزيف”. فإذا كانت صخرة “سيزيف” واحدة، فإن صخرة الشاعر جدارٌ متكامل من نوعٍ أشد صلابة (الحديد).
[2ــ2] ــ أسطورة “أوديب” في شعر البردوني
في قصيدته “اجتماع طارئ للحشرات”، وظّف الشاعر عبد الله البردوني، أسطورة “أوديب”، في قوله(7):
قرَّروا أن يمنعوا الأمواتَ مِن ** أنْ يَشُبُّوا في حشا الأرضِ اندفاعا
فأدانوا أُمَّ “أوديب” كما ** حدَّدوا كَفَّارةَ “النَّمرودِ” صاعا
عبر الشاعر ــ من خلال هذه الأسطورة ــ تعبيرًا رمزيًّا عن واقع الوطن وبؤسه المعاصر. وبذلك؛ كانت “أم أوديب” رمزًا لليمن. وكان “أوديب” رمزًا للإنسان اليمني المذنب في حق وطنه.
ويُلاحظ التوظيف الفني لرمزية الأسطورة، في إثرائها بمضامين معاصرة، مثّلت تحويرًا جماليًّا، أسبغه عليها الحزن والتألم مما يقوله ويفعله المسؤولون. أولئك الذين أشار إليهم السياق الشعري بالرمز (الحشرات). فهم مَن أدانوا (الوطن/ الأم)، ولم يدينوا (الولد/ أوديب). وهم في ذلك، لا يتخذون هذا المنحى إلّا تماديًا منهم في أنانيتهم، وجناياتهم المتوالية على الوطن المنكوب بشرور بعض أبنائه.
إضاءة
“أوديب”: تروي أسطورة “أوديب”، أن الآلهة أوحت إلى “لايوس”، ملك Thebes بأن ولده “أوديب” سيقضي عليه. لذلك؛ أخذه إلى جبلٍ، وتركه هناك بعد أن أوثقه. ويقال إنه ربطه إلى شجرة، وأنقذه أحد الرعاة. ثم تبنّاه ملك CORINTH، وعاش حتى حقق تلك النبوءة. فبينما كان “أوديب” مسافرًا ذات يوم، صادف أن التقى برجلٍ تحداه للمبارزة، فخاضها معه “أوديب”، وانتصر فيها؛ إذ قضى عليه. ثم واصل “أوديب” سفره إلى مدينة Thebes.
وهناك، وجد أن أهل تلك المدينة ــ حينها ــ كانوا يواجهون خطر وحشٍ ضخم، له جسد أسد ورأس امرأة. كان ذاك الوحش يأتي إلى المدينة، ويطرح على أهلها لغزًا (أحجية)، فإن لم يعطوه الجواب هجم عليهم ليفترسهم. وتعهد (كريون) حاكم المدينة أن يزوج أخته المطلقة (جوكاسا) ممّن يحل اللغز المطروح هذه المرة، وأن ينصبه ملكًا عليهم.
تمكّن “أوديب” من حل اللغز، فنجوا من ذاك الوحش. وبذلك؛ صار “أوديب” ملكًا عليهم، وتزوّج من (جوكاسا)، ورزق منها ولدين وابنتين. بعد ذلك، اكتشف “أوديب” أن المرأة التي تزوجها ــ (جوكاسا) ــ هي أمه، وأن الرجل الذي قضى عليه في الطريق لم يكن سوى أبيه (لايوس). وحينما أدركت الأم الحقيقة، أنهت حياتها بنفسها. أمّا (أوديب)، فقد فقأ عينيه، وهام على وجه البسيطة(8).
- عبد الله البردوني، “الأعمال الشعرية”. إصدارات الهيئة العامة للكتاب، ط1، صنعاء، 1423هـ ــ 2002م، جـ2/ ص: (1376). ↩︎
- ينظر: علي البطل، “الصورة الفنية في الشعر العربي حتى آخر القرن الثاني الهجري: دراسة في أصولها وتطورها”. دار الأندلس، ط3، بيروت، 1983م، ص: (81). ↩︎
- ينظر: أحمد قاسم أسحم “الرمز في الشعر اليمني المعاصر”. مكتبة أبي حامد، تعز، د.ت، ص: (166). ↩︎
- ينظر: محمد بن سيرين، “تفسير الأحلام الكبير”. دار المنار، ط1، القاهرة، 1998م، ص: (205). ↩︎
- عبد الله البردوني، “الأعمال الشعرية”. مصدر سابق، جـ2/ ص: (958،957). ↩︎
- نفسه، جـ2/ ص: (1289). ↩︎
- .نفسه، جـ2/ ص: (1151). ↩︎
- يُنظر: الأزرق بن علّو، “الرحلة، أساطير، تاريخ، أدب، حكايات”، دار قباء، القاهرة، 2001م، ص: (18). ↩︎


