جدلية الحب والزواج في رواية ة النسوة

جدلية الحب والزواج في رواية ة النسوة

من أهم صور المرأة في رواية ة النسوة، تلك المتعلقة بجدلية الحب والزواج، وتداعيات التجربة الوجدانية في الذات الأنثوية.

جدلية الحب والزواج في رواية ة النسوة

د. عبده منصور المحمودي

تحيل طبائع النساء في رواية “ة النسوة”(1) ــ للكاتبة فاطمة عبد المجيد ــ على خصائص الذات النسوية، وعلى تجربتها في الحياة، لا سيما ما يتعلق منها بسياقها العاطفي، وما يتصل بها من إشكالية جدلية في ثنائية الحب والزواج. تلك الإشكالية، التي تجلّت في هذا العمل السرديّ، من خلال شخصياته المركزية، ورؤاها، ومواقفها. كما تجلّت من خلال تسريد الحظوظ المتناقضة، بتناقض سياقات كل تجربة وجدانية، وما تفضي إليه من فشل المصير أو نجاحه.

[1] ــ فتاة الحظ العاثر

انعكست في حياة الشخصية الروائية أزهار صورة (المرأة/ الفتاة) ذات الحظ العاثر، والجمال المتواضع، المسكونة بشعورها أنها غير مغرية بالانجذاب إليها. تلك الفتاة التي لم تحظ بتجربة حبّ ناجحة، ولا فاشلة؛ فيفوتها قطار الزواج، فلا تجد إلّا التصالح مع واقعها، الذي ينمو في رؤيتها مصيرًا حتميًّا لا يمكنها تجاوزه.

وعلى ما في صفات أزهار الخارجية ــ وشكلها غير المأهول بجمال متكامل ــ من موضوعية التسبب في مصيرها العاطفي البائس، إلّا أن ذلك لا يبدو العامل الرئيس في صياغة حياتها على هذا النحو من السوداوية؛ إذ تحيل السياقات السردية، على أن المحورية في ذلك عائدة إلى تنامي تلك التفاصيل في ذات أزهار شعورًا استحوذ عليها، بما يكتنزه من حيوية اتِّصاله بمرجعية فاعلة في تعزيزه. تلك المرجعية الكامنة في طبيعة العلاقة بين والديها، وما يعصف بهما من جفافٍ عاطفي، انعكس صورًا من الاضطراب في علاقتهما الزوجية، التي أقل ما يمكن أن توصف به أنها تجربة زوجية فاشلة.

لقد استقر في وعي أزهار فشل العلاقة الحميمة بين والديها، فأثّر في صياغة رؤيتها في هذه التجربة الإنسانية. لذلك؛ حسبت أن ذاك الفشل بتفاصيله هو ما تتسم به كل تجربة زوجية. وانطلاقًا من هذه الرؤية المتشائمة، جاء استفسارها الذي وجّهتْه إلى إحدى زميلاتها في المدرسة عن والديها: أينامان في غرفتين منفصلتين كحال والديها هي؟!(2)، فردّت عليها: “لا طبعًا! كل الأمهات والآباء ينامون في سرير واحد، وغرفة واحدة يا أزهار!”(3).

وعلى ما في هذا الرد من إمكانية العمل على تعديل رؤية أزهار، إلّا أن ما نالها من عقابٍ وتعنيف ــ من زميلاتها ومدرساتها ــ قد حال دون ذلك، فاستفردت برؤيتها تلك الحالُ العاطفية الذابلة القائمة بين والديها.

وبذلك؛ فإن عوامل متعددة، قد أسهمت في تشكيل رؤية أزهار في تجربة الزواج، فانعكست في تجربة الحب، التي حُرمت منها، وما ترتب على ذلك كله من انقطاع الأمل في أن يتقدم أحدٌ طالبًا يدها.

تعايشت أزهار مع حالها اليائسة، التي تسببت في تردد أختها أحلام ــ التي تصغرها بسنوات ــ في قبول الزواج من عمر، حبيبها الذي تنامت علاقتها معه إلى مستوى، لا ينقصها فيه سوى موافقتها على أن يتقدم لخطبتها. ظلت مترددة، محتارة، حاولت إخفاء الأمر عن أختها، غير مطلعة إيّاها على شيء. لكنها لم تستطع مواربة حالها الغريبة، التي لفتت انتباه أزهار، فوجدت فيها ما يستدعي القلق. لذلك تشجّعت، فسألت أحلام عن سر حالها المضطربة، فعرفت منها كل شيء. ذلك هو ما تشير إليه بالقول: “هي من ترفض الارتباط قبلي، لأنني الأكبر، ولأن هذا الزواج قد يجرحني، أنا العانس الموبخة من الحياة في نظرها”(4).

هوّنت أزهار من الأمر، وحلّت مشكلة أحلام، مؤكِّدةً لها أن لا شيء في أن تتقدم عليها في الزواج، مخلصةً في إقناعها، حتى ظهر عليها اطمئنانها: “يبدو أنها حسمت أمرها بعد إقناعي لها بأن زواجي أو زواجها، لا علاقة له بمن وصلت للدنيا قبل الأخرى”(5).

ولم يقف دور أزهار المتصالح مع واقعها عند هذه الخطوة، بل امتد إلى أن تتولى بنفسها التواصل مع عمر حبيب أحلام. تقول عن ذلك: “اتفقنا أنا وعمر على تحديد موعد للخطبة الرسمية، بعد مفاتحتي لأمي وإخوتي، والذين لا أظن أن أحدًا منهم سيسأل عن العريس، بعد أن يعرفوا أنه مهندس، وأن أباه كذلك مهندس، فبعض الوظائف يصعب أن تُردّ، فما بالك لو كانت هذه الوظيفة متوارثة في العائلة الواحدة”(6).

وهنا يظهر التفاوت بين عائلتي الحبيبين (أحلام/ وعمر). من خلال ما تحيل عليه وظيفة عمر من مكانة اجتماعية، لا يمكن أن يرد لصاحبها أي طلب. ذلك هو ما سارت عليه الأمور، فتزوجت أحلام من عمر، وتصالحت مع مزاجه السادي أثناء ممارستهما لعلاقتهما الحميمة، كما شجّعتها أمها على الصبر وتقبُّل الأمر. ولم يكن ذاك التشجيع من الأم ولا التصالح من البنت إلّا رضوخًا لواقعية التفاوت بين العائلتين، وتشبُّث العائلة الأدنى في مكانتها الاجتماعية والاقتصادية (عائلة أحلام)، بالعائلة الأغنى والأعلى مكانة (عائلة عمر).

تجاوزت أحلام أختها، فتزوجت قبلها. بينما ظلت أزهار في حالها المتشائمة، غير مستعدة لاستقبال تجربة حب قادم، ولا مستعدة لأن تنجذب إلى أحد. باستثناء شعورها بميل إلى شخصٍ، دخل خطأً إلى المحل الذي تعمل فيه، لكنها لم تتمكن من إحكام القبضة على قلبه. كما أنها لم تشر إلى تجربة أخرى غير هذه؛ إذ تحيل السياقات السردية، على ما توَلّد فيها من طبيعة تشاؤمية، جعلت كل الأبواب مغلقة في وجهها.

[2] ــ فتاة الحظ الباسم

على النقيض من حال أزهار تأتي حال رنيم، التي ظهرت في الرواية “طفلةً في جسد امرأة مغرية”(7)، بوصفها نموذجًا للمرأة الجميلة، المتصالحة مع الحياة، المنفتحة على الواقع، وعلى التجارب المختلفة. الفتاة المرحة، المغرمة بالغناء، إلى الحد الذي جعل من الأغنية سياقًا فاعلًا في بناء بعضٍ من سياقات هذا العمل السردي.

كان جمال رنيم ذا دور محوريٍّ في خوضها تجربة زواج تقليدي، من الشاب ماجد؛ إذ “تزوجت وهي في السابعة عشرة زواجًا تقليديًّا. جيران يقيمون بشكل مؤقت في جدة، دلُّوا آخرين عابرين لجدة أيضًا، على بيت العم “نجيب”. رأوا في بياض بشرة رنيم ونعومة شعرها وخضرة عينيها، فرصةً مناسبة لعائلة ناجحة وثرية ينقصها الجمال فقط لتكتمل”(8).

قبِلتْ رنيم وعائلتها بهذا الزواج، الذي لم يقم على تجربة حبّ ولا علاقة سابقة؛ إذ كان مستوى أهل الزوج ــ “العائلة الأغنى والأعرق نسبًا”(9) ــ كافيًا للقبول به. كما كان جمال رنيم كافيًا لقبول هذه العائلة بها زوجةً لأحد أفرادها، والتغاضي عن الفارق بين مستوى العائلتين.

بُنيتْ تجربة زواج رنيم وماجد،ـ على أسس آنية، ذات غاية جمالية في الفتاة التي يقع عليها الاختيار. كما أنها تجربة غير مستندة إلى توافقٍ بين طرفيها، ولا إلى تفكير عائلتيهما بالفارق المادي والاجتماعي بينهما. كل ذلك آل بهذه التجربة إلى الفشل؛ إذ “لم يدم زواج رنيم أكثر من خمسة أشهر، أخذوا ما يشاؤون منها، لون عينيها وبحة صوتها وشامة بنية على كتفها أورثتها لإياد، ثم أسدلوا على وجهها التراب، بحجة أن الزواج كشف لهم ما لم يعرفوه من قبل عن رنيم”(10).

حتّمت هذه الحال الجديدة على رنيم الدخول في تجربة جديدة. تجربة امرأة مطلقة، تنفتح لها الحياة في تجارب ممكنة، وتنغلق عليها في اشتراطات واحترازات، قد تصل بها إلى خسارةٍ لا مجال لتعويضها. وعلى ذلك، انتصرت للانفتاح على الحياة، فاتخذت من علاقتها الوجدانية مع العامل البسيط حامد طريقًا للعودة إلى طليقها، الذي لم تعُد عودته إليها ممكنة، إلّا بعد المرور بمن يكسر استنفاده مرات الطلاق الثلاث. لكن المفاجأة أن رنيم لم تجد في حامد نقطة مرور إلى ماجد، الذي لم تجد فيه ما وجدته في حامد. وهنا انتصرتْ ثانيةً لذاتها؛ إذ قررت الاستمرار مع حامد، متخلّية عما كانت تضمره، من موقفٍ سوف تطلب فيه الطلاق منه، بعد فترة قصيرة من زواجهما، لتعود إلى زوجها السابق.

فوجئت أزهار بتحوّل موقف رنيم وهي تحدّثها عن ذلك. ومثلها فوجئت غالية، التي زارتْها بعد زواجها من حامد، واندهشت مما لاحظتْه عليهما من توافقٍ وتماهٍ عاطفي، أفصحت عنه قُبْلَةٌ استثنائية بينهما، تمازجا فيها على مرأى من غالية، التي أخبرت بها أزهار: “قد يكون العناق مجاملًا يا أزهار، لكن القبلة!! آآه من القبلة، وتلك التي ترتجف بين الشفاه مضمومة بالذات، صادقة جدًّا يا صديقتي! يومها قبّلَتْه أمام الباب كاستجابةٍ طبيعيةٍ لشيءٍ هي متعودةٌ عليه، وكأنّ فمها ينتمي لفمه منذ سينين. أرخى عنقه للأسفل قليلًا ومال برأسه وكأنه يعرف ماذا سيلتقط، ثم اندفعتْ هي لفمه بدون تفكير، مغمضة العينين، غارقةً في رجل هو بدون شك متعتها الأهم في الحياة، ناسية تمامًا وجودي”(11).

[3] ــ تجانُسًا مع قبلة رنيم

من خلال مشهد تلك القبلة الصادقة بين رنيم وحامد، أحالت سياقات العمل على نجاح تجربة زواجٍ استندت إلى تجربة حبٍّ وتفاهم وتوافق بين طرفيها. كما أحالت السياقات السردية ــ من خلال مشهد قبلة مماثلةٍ ــ على نجاح تجربة حبٍّ، تمضي بطرفيها إلى تجربة زواج، لا شك ستكون ناجحة، كنجاح تجربة رنيم وحامد، التي تشابهت معها في تفاصيلها، وجاء تسريدها تاليًا لتسريد مشهد هذه القبلة، التي يستشرف فيها الحبيبان سعادة قادمة.

حظي مشهد القبلة المتجانسة مع قبلة رنيم الصادقة، بتأثيث سرديّ، تشكّل من اجتماع شخصيات الرواية الثلاث (أزهار ورنيم وغالية)، على طاولة مطعم في ساحل البحر. وهناك، تساءلت أزهار عن تجارب الحب، التي شهدت عليها طاولات ذاك المكان: “بظنكم كم عدد قصص الحب المكومة على هذه المفارش!؟”(12). ردّت عليها رنيم بعدد من التفاصيل الاحتمالية: “والله مهما كثرت وتنوعت فلن تتعدى الخراب! رجل ترك امرأة لأنها لم تعد مغرية. امرأة تركت رجلًا لأن ممارسة الجنس معه صارت مملة. خائنان يمثلان الحب على الطاولة، وطبعًا لكل منهما عالمه الخاص”(13).

ربطت رنيم كل تلك الاحتمالات بالرغبة والغريزة، فنبّهتها غالية إلى احتمالٍ آخر: “يوجد احتمال سقط من احتمالات قصص الحب يا رنيم، هناك احتمال أن يكونا شخصين متحابين فعلًا!!”(14). ثم عزّزت هذا الاحتمال بما يرتقي به إلى الحقيقة؛ إذ “أشارت غالية بعينيها وإبهامها يسارًا، [من] دون أن تلتفتْ للطاولة الوحيدة، التي [كان] يجلس عليها اثنان”(15)، في تلك اللحظة.

لقد قدّمت غالية دليلًا حيًّا مباشرًا، على واقعية الاحتمال، الذي لم يرد بين احتمالات رنيم؛ إذ أدركت بطبيعتها الأنثوية ماهية ذاك اللقاء، بين العاشقين القريبين من طاولتهن. وعلى إدراك أزهار الأمر نفسه، إلّا أنها نظرت إليه من زاويةٍ مثالية، فتساءلت: “ما الفائدة من هذه المغامرة الآن! لو كان حبًّا خالصًا بدون رغبات … ألا يكفي أن يتحدثا على سكايب مثلًا أو الفيس تايم؟ يتعارفان بقدر ما يشاءان، إلى أن يصبح الأمر رسميًّا، ثم يخرجان مع بعضهما بثقة تامة”(16).

لم تتفق معها غالية في ذلك، وأكدتْ انتصارها لتجربة اللقاء. ولم يترك لهما المشهد فرصةً لمزيدٍ من الجدل؛ إذ بدأت تفاصيله في البرهنة على واقعية رؤية غالية، من خلال تسريده على لسان أزهار: “هذان العاشقان يعرفان الطريق نحو شفاه بعضهما جيدًا. داعبها بِقُبَلٍ متتالية خفيفة كنقر، جسر من الحوار بلغة خاصة وبرأسين مائلين نحو بعضهما، لغة عن نفسي وعن غالية بشهقتها الصادقة، لم نتكلمها بعد. غادرا بعد أن نقلا حوار الشفتين لأصابع كفيهما، وخلفا وراءهما ما تبقى من الأرض”(17).

تتجلى في حديث أزهار ــ هنا ــ إحالةٌ على تفرّد رنيم، بخوضها مثل هذه التجارب المنفتحة على مثل هذه الأحوال. كما تتجلى في تسريد تفاصيل هذا الموقف إحالةٌ على سعادة رنيم به، واتخاذها منه ردًّا موجزًا في صيغة سؤال تقريريٍّ وجّهته إلى أزهار، بعد ملاحظتهن معًا مشهد تلك القبلة: “لا زلتِ متأكدة أن الاتصال المرئي يفي بالحب يا أزهار؟”(18).

كما تأتي ــ في السياق نفسه ــ إحالة هذا الموقف، على نوعٍ من التحوّل في رؤية أزهار، متمثّل في الانتقال من التحفظ إلى مباركة مثل هذا الأمر. تجلّى ذلك، من خلال روايتها تفاصيل هذا المشهد، كما تجلّى في ردّها المتوقع بالإيجاب، على تساؤل رنيم. بل كان أكثر ظهورًا في ثنايا حديثهن عن تجاربهن المشابهة، وخوض أزهار فيه، مدعيةً أنها حظيت بمثل هذا الأمر، مع ذاك الذي شعرت بانجذابها إليه. تحدثت معهن، بطريقة لم يجدن فيها إلّا ما يدفعهن إلى تصديق حكايتها. تلك الحكاية، التي استمرت في صياغة تفاصيلها، كلما التقت بغالية التي أُعجبت بها، واستمرت في تجربتها مع الحبيب، وصولًا إلى نجاح تجربة زوجية أوشكت على الاكتمال، غير مدركة حقيقة أزهار المسكونة باليأس، والحرمان، الذي تحاول تعويضه بما تنسجه من تفاصيل حكاية تقبيل خياليّة.


  1. فاطمة عبد المجيد، “ة النسوة”. ط1، دار أثر للنشر والتوزيع، الدمام، 2014م. ↩︎
  2. نفسه، ص94. ↩︎
  3. نفسه. ↩︎
  4. نفسه، ص164. ↩︎
  5. نفسه، ص165. ↩︎
  6. نفسه، ص165،164. ↩︎
  7. نفسه، ص20. ↩︎
  8. نفسه، ص43،42. ↩︎
  9. نفسه، ص43. ↩︎
  10. نفسه، ص44. ↩︎
  11. نفسه، ص247،246. ↩︎
  12. نفسه، ص148. ↩︎
  13. نفسه. ↩︎
  14. نفسه، ص149. ↩︎
  15. نفسه. ↩︎
  16. نفسه، ص150. ↩︎
  17. نفسه، ص152،151. ↩︎
  18. نفسه، ص152. ↩︎

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top