مفهوم الأسلوب
كثيرًا ما نسمع أو نقرأ توصيفًا لطريقة كاتبٍ ما بأن أسلوبه متميِّزٌ بسمات خاصة به، يتفرد بها عن غيره من الكُتّاب والباحثين. والأمر نفسه، فيما يُقال في توصيفِ طريقةِ خطيبٍ ما، أو مذيعٍ أو محاضر. وغير ذلك من السياقات، التي تُضفي تميّزًا ملحوظًا على شخصية رئيسة فيها. فما مفهوم الأسلوب من الناحيتين اللغوية والاصطلاحية؟ هذا هو مدار حديثنا في هذه المادة النقدية.
[1] ــ مفهوم الأسلوب في اللُّغة
ورد الأسلوب في معجم “لسان العرب”، بمعنى السطر من النخيل؛ “يقال للسَّطْر من النخيل أُسْلوبٌ، وكلُّ طريقٍ ممتدٍّ فهو أُسلوبٌ، قال والأُسْلوبُ الطريق والوجهُ والمَذْهَبُ، يقال أَنتم في أُسْلُوبِ سُوءٍ، ويُجمَعُ أَسالِيبَ، والأُسْلُوبُ الطريقُ تأْخذ فيه، والأُسْلوبُ بالضم الفَنُّ، يقال أَخَذ فلانٌ في أَسالِيبَ من القول، أَي أَفانِينَ منه، وإِنَّ أَنْفَه لفي أُسْلُوبٍ إِذا كان مُتكبِّرًا…”(1). وفي القاموس المحيط “الأُسْلُوبُ: الطَّريقُ، وعُنُقُ الأَسَدِ، والشُّمُوخُ في الأَنْفِ…”(2).
وجاءت هذه المعاني للأسلوب في تاج العروس، أيضًا؛ إذ ورد فيه: “الأُسْلُوبُ: عُنُقُ الأَسَد؛ لأَنَّها لا تثنى. ومن المجاز: الأُسْلُوبُ: الشُّمُوخُ في الأَنْفِ. وإِنَّ أَنْفَه لَفِي أُسلُوبٍ إِذَا كَانَ مُتَكَبِّرًا لا يَلْتَفِت يَمْنَةً ولا يَسْرَةً”(3).
هذه هي معاني الأسلوب اللغوية في المعاجم العربية. أما اللغات الأوروبية، فقد ورد فيها الأسلوب Style بمعنى “العود أو الريشة”(4). وبمعنى قلم، ومسبار، ومنقاش، وإبرة فونوغراف…(5).
[2] ــ مفهوم الأسلوب في الاصطلاح
[2ــ1] ــ مفهوم الأسلوب في النقد العربي القديم
دلّ مصطلح “الأسلوب” في النقد العربي القديم على أكثر من معنى؛ إذ تعددت تعريفاته، واختلفت باختلاف رؤية كل كاتب وفلسفته. كما تعددت تلك التعريفات، بتعدد الآراء ووجهات النظر من كاتبٍ إلى آخر.
لقد ورد الأسلوب عند عبد القاهر الجرجاني، بمعنى “الضرب من النظم، والطريقة فيه”(6). ورأى حازم القرطاجني (ت684هـ) “أن الأسلوب يحصل عن كيفية الاستمرار في أوصاف جهةٍ جهة من جهات غرض القول، وكيفية الاطراد من أوصاف جهة إلى جهة، فكان بمنزلة النظم في الألفاظ”(7). بمعنى أن الأسلوب عنده “طريقةُ ضمّ وتأليف الأفكار الصغيرة داخل الغرض الشعري، وهو بهذا المعنى شبيه بطريقة ضم وتأليف الألفاظ؛ أي بالنظم الذي شاع وانتشر بعد تعميق بحثه على يد عبد القاهر الجرجاني”(8).
أمّا ابن خلدون فيرى أن الأسلوب هو المنوال؛ إذ يقول: “ولنذكر هنا سلوك الأسلوب عند أهل هذه الصياغة وما يريدون بها في إطلاقهم؛ فاعلم أنها عبارة عندهم عن المنوال الذي تنسج فيه التراكيب، أو القالب الذي يفرغ فيه”(9).
[2ــ2] ــ مفهوم الأسلوب في النقد الحديث
كما تعدّدت تعريفات الأسلوب في النقد العربي القديم، تعددت في النقد الحديث الغربي والعربي على حدٍّ سواء؛ وفقًا لتعدد رؤى النقاد، واختلاف وجهات نظرهم فيه.
[2ــ2ــ1] ــ مفهوم الأسلوب في النقد الغربي الحديث
لعل أشهر التعريفات للأسلوب في النقد الغربي الحديث، ما تحيل عليه تلك الجملة الشهيرة ــ المنسوبة إلى الكاتب وعالم اللغة الفرنسي (بوفون)(10) ــ التي عرف فيها الأسلوب بقوله: “الأسلوب هو الرجل: Le style est I.omme même”(11).
وقد حملت هذه العبارة فكرة جديدة، تمثلت في أن الأسلوب يعكس شخصية صاحبه(12)؛ إذ يقوم هذا التعريف على الارتباط القائم بين الأسلوب من جهة، وشخصية صاحبه بسماته وخصائصه من جهة أخرى، فيكون الأسلوب ــ بذلك ــ انعكاسًا لسمات هذه الشخصية وخصائصها.
ويرى الناقد الفرنسي (بيير جيرو) أن “الأسلوب هو مظهر القول الذي ينجم عن اختيار وسائل التعبير. هذه الوسائل التي تحددها طبيعة ومقاصد الشخص المتكلم أو الكاتب”(13).
أما الناقد (رولان بارت)، فيرى أن الأسلوب “معطىً فيزيقيٌّ ملتصقٌ بذاتية الكاتب وبصميميته. إنه لغة الأحشاء، الدفقة الغريزية المنبثقة من ميثولوجيا “الأنا” ومن أحلامها وعقدها وذكرياتها…”(14).
[2ــ2ــ2] ــ مفهوم الأسلوب في النقد العربي الحديث
من تعريفات الأسلوب في النقد العربي الحديث، تعريف الناقد أحمد الشايب، الذي يرى بأنه “طريقة التفكير والتصوير والتعبير”(15). وبذلك؛ فإن تعريف الأسلوب عنده “ينصب بداهة على هذا العنصر اللفظي فهو الصورة اللفظية التي يعبر بها عن المعاني أو نظم الكلام وتأليفه لأداء الأفكار وعرض الخيال، أو هو العبارات اللفظية المنسقة لأداء المعاني”(16).
وجاء تعريف الأسلوب، عند عبد السلام المسدي “بأنه قِوامُ الكشف لنمط التفكير عند صاحبه، وتتطابق في هذا المنظور ماهية الأسلوب مع نوعية الرسالة اللسانية المبلغة مادةً وشكلًا”(17).
والأسلوب عند سعد مصلوح، عملية اختيار أو انتقاء لسمات لغوية معينة، يقوم بها المنشئ، بغرض التعبير عن موقفٍ معين. ويدل هذا الاختيار ــ أو الانتقاء ــ على إيثار المنشئ لهذه السمات، وتفضيله لها على سمات أخرى بديلة(18)؛ إذ يُعدّ الأسلوب “استعمالًا خاصًّا للُّغة يقوم على استخدام عدد من الإمكانات والاحتمالات المتاحة، والتأكيد عليها في مقابل إمكانات واحتمالات أخرى”(19).
[3] ــ الأسلوب طريقة الكاتب في التعبير
على تعدد هذه التعريفات، إلّا أنّ هناك إجماعًا يكاد ينعقد بين عددٍ من النقاد والكتاب في تعريفهم للأسلوب، بأنه طريقة الكاتب في التعبير عن مواقفه، والإبانة عن شخصيَّته الأدبية المتميزة، باختيار ألفاظه، وصياغة جمله، وعباراته والتأليف بينها، للتعبير عن معان، القصد منها الإيضاح والتأثير؛ لأن الأسلوب، هو “استخدام الكاتب لأدوات تعبيرية من أجل غايات أدبية، فالتعبير عن الفكرة لا يتم إلا بواسطة اللغة”(20).
وبذلك، فإن “الأسلوب منذ القدم كان يلحظ في معناه ناحية شكلية خاصة هي طريقة الأداء أو طريقة التعبير التي يسلكها الأديب لتصوير ما في نفسه أو لنقله إلى سواه بهذه العبارات اللغوية. ولا يزال هذا هو تعريف الأسلوب إلى اليوم …”(21).
والدلالتان: اللغوية، والاصطلاحية للأسلوب، مترابطتان في دلالتهما على معنىً واحد، هو عملية الكتابة بمضمونها الفكري المجرد، وأداتها الحسية؛ ذلك لأن “الأسلوب بوجهٍ عام: طريقة الإنسان في التعبير عن نفسه كتابةً، وهذا هو المعنى المشتق من الأصل اللاتيني للكلمة الأجنبية الذي يعني القلم”(22)؛ إذ إن “الكلمة الإنجليزية Style “أسلوب” تعزى إلى كلمةٍ لاتينية قديمة، معناها آلة تستعمل للكتابة”(23) على ألواح الشمع(24).
وتأسيسًا على ذلك؛ فالقلم هو الأداة الحسية لعملية الكتابة، وطريقة التعبير. ومضمون هذا التعبير هو جوهر الكتابة. وبذلك؛ فكلتا الدلالتين: اللغوية، والاصطلاحية، مرتبطتان بهذه العملية الذهنية الفكرية، والمهارية الحسية.
ولأن الأسلوب هو الرجل ــ كما يقول (بوفون) ــ فإنه الصورة التي تتبلور فيها شخصية صاحبه؛ إذ يعكس هذه الشخصية، بسماتها، وخصائصها، وأبعاد تكويناتها الثقافية، والفكرية. لذلك؛ كان لكل كاتبٍ شخصيته المتميزة عن غيره، وتتجسّد هذه الشخصية من خلال أسلوبه الخاص المختلف عن أساليب غيره من الكُتَّاب.
- ابن منظور (محمد بن مكرم) “لسان العرب”. ط1، دار صادر، بيروت، 1997م، جـ3/ ص: (314) ↩︎
- الفيروز أبادي (مجد الدين محمد بن يعقوب 729ـ 817)، “القاموس المحيط”. إعداد وتقديم: محمد المرعشلي. ط2، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1420هـ ــ 2000م، جـ1/ ص: (179). ↩︎
- الزبيدي (السيد محمد مرتضى)، “تاج العروس وشرح جواهر القاموس”. دار صادر، بيروت، د.ت، جـ1/ ص: (302). ↩︎
- أحمد قاسم الزمر، “ظواهر أسلوبية في الشعر الحديث في اليمن”. إصدارات وزارة الثقافة والسياحة، صنعاء، 2004م، ص: (17). ↩︎
- منير البعلبكي، “قاموس المورد”. ط40، دار العلم للملايين، بيروت، 2006م، ص: (921). ↩︎
- عبد القاهر الجرجاني، “دلائل الإعجاز” تحقيق: محمد رضوان مهنا. شرح وتعليق: محمد عبد المنعم خفاجي. مكتبة الإيمان، المنصورة، د.ت، ص: (347). ↩︎
- حازم القرطاجني، “منهاج البلغاء وسراج الأدباء”. تحقيق: محمد الحبيب بن الخوجة. دار الغرب الإسلامي، ط3، بيروت، 1986م، ص: (363). ↩︎
- يحيى صالح المذحجي، “الأسلوبية ومنهج الصناعة الشعرية عند حازم القرطاجني، في كتابه منهاج البلغاء وسراج الأدباء”. أطروحة دكتوراه (غير منشورة)، جامعة الملك محمد الخامس، بالرباط، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، (أكدال)، 2004ـ 2005م، ص: (228). ↩︎
- ابن خلدون (عبد الرحمن بن محمد)، “مقدمة ابن خلدون”. منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، د.ت، ص: (570). ↩︎
- بوفون (جورج لويس ليكلير) Buffon (1707 ـ 1788): أديب فرنسي وعالم في الطبيعيات. له “التاريخ الطبيعي” ومؤلفات أتقن فيها فن الإنشاء. ↩︎
- إبراهيم عوض، “الأسلوب هو الرجل، شخصية زكي مبارك من خلال أسلوبه”. دار المنار، القاهرة، 1421هـ ـ 2001م، ص: (7). ↩︎
- شفيع السيد، “الاتجاه الأسلوبي في النقد الأدبي”. دار الفكر العربي، القاهرة، 1407هـ ـ 1986م، ص: (11). ↩︎
- صلاح فضل، “علم الأسلوب، مبادئه وإجراءاته”. ط2، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1985م، ص: (96). ↩︎
- رولان بارت، “درجة الصفر للكتابة”. ترجمة: محمد برادة. ط1، دار الطليعة، بيروت، الرباط، 1981م، ص: (13). ↩︎
- .أحمد الشايب، “الأسلوب، دراسة بلاغية تحليلية لأصول الأساليب الأدبية”. ط11، مكتبة النهضة المصرية، ط11، القاهرة، 2000م، ص: (45). ↩︎
- نفسه، ص: (46). ↩︎
- عبد السلام المسدي، “الأسلوبية والأسلوب”. ط2، الدار العربية للكتاب، القاهرة، 1982م، ص: (64). ↩︎
- سعد مصلوح، “في النص الأدبي، دراسة أسلوبية إحصائية”. ط3، عالم الكتب، القاهرة، 2002م، ص: (25). ↩︎
- سعد مصلوح، “الأسلوب، دراسة لغوية إحصائية”. ط2، دار الفكر العربي، القاهرة، 1404هـ ـ 1984م، ص: (33). ↩︎
- بيير جيرو، “الأسلوب والأسلوبية”. ترجمة: منذر العياشي، مركز الإنماء القومي، بيروت، د.ت، ص: (6،5). ↩︎
- أحمد الشايب، “الأسلوب، دراسة بلاغية تحليلية لأصول الأساليب الأدبية”. مرجع سابق، ص: (44). ↩︎
- مجدي وهبة، وكامل المهندس، “معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب”. ط2، مكتبة لبنان، بيروت، 1984م، ص: (35،34). ↩︎
- ستيفن أولمان، “دور الكلمة في اللغة”. ترجمة: كمال بشر. ط12، دار غريب للطباعة والنشر، القاهرة، 1997م، ص: (191). ↩︎
- منير البعلبكي، “قاموس المورد”. مرجع سابق، ص: (921). ↩︎


