الأدب الشعبي في سياق الدرس اللساني الحديث

الأدب الشعبي في سياق الدرس اللساني الحديث

يستأنس الدرس اللساني الحديث بشواهد من الأدب الشعبي، في إضاءة بعض خصائص المحكيات، التي يتناولها بالدرس والتحليل.

الأدب الشعبي في سياق الدرس اللساني الحديث

د. عبده منصور المحمودي

امتدادًا إلى  علاقة الدرس اللساني الحديث مع اللهجات المحكية والمعرفة اللغوية، يأتي ارتباطه بالأدب الشعبي؛ لما يمثّله من صورة حيّة، مستوعبة كثيرًا من خصائص اللهجات المحكية.

ولا شك في أنّ المختصين في الدرس اللساني الحديث، يحرصون على الاطلاع على الأدب الشعبي. كما يحرصون على امتلاك ما يمكنهم امتلاكه من معرفة به. ذلك هو ما يمكن التماسه بوضوح، في الفضاء المعرفي الخاص بالدكتور عباس علي السوسوة؛ إذ وردت في مواضع متعددة من أبحاثه وكتاباته إشاراتٌ، تحيل على هذا النسق من فضائه المعرفي.

[1] ــ شغفُ اطلاعٍ ومساراتُ تعليم

لقد كان الأدب الشعبي واحدًا من مجالات اطّلاع السوسوة وقراءاته المتعددة منذ الصغر. ثم كان ــ في ما بعد ــ واحدًا من المساقات، التي دَرَّسها في (جامعة تعز) لسنوات عديدة(1)؛ إذ كان لطريقة تدريسه هذا الأدب أثرٌ في نفوس طلابه، خاصة الذين حبَّبه إليهم بعد نفورهم منه. من مثل الدكتور أحمد أسحم، الذي يقول عن ذلك:

“كنت أرى هذا النوع من الأدب، أدبًا تافهًا، لا يستحق أن يُدرس، وأن تُخصص له ساعاتٌ للمذاكرة، وأن تُشترى له الكتب. وبعد معرفتي بالسوسوة، تتلمذت على يديه؛ فتغيرت نظرتي حول هذا الأدب، ثم درَّسْتهُ بتكليفٍ من أستاذي حينما كنت معيدًا، فاعتمدت على ملزمته، وحاولت أن أعمل شرحًا وتوسيعًا لها، واطلعت على عددٍ من الكتب في الأدب الشعبي”(2).

[2] ــ الفرق بين الأدب الشعبي والأدب العامي

لقد ظهرت ملامح من معرفة السوسوة، بالأدب الشعبي، تنظيرًا، وإبداعًا، في مواضع من أبحاثه وكتاباته. من ذلك، ما جاء في واحدةٍ من ملاحظاته على بحث محمد رجب النجار “الأدب الملحمي في التراث العربي ــ البنية والدلالة”؛ إذ يُلاحِظ على الباحث، عدم تفريقه بين الأدب الشعبي، والأدب العامي، موضحًا ذلك، في أن الأدب الشعبي مجهول المؤلف، وله قدرٌ كبير من الشيوع، ولا يشترط في لغته أن تكون عامية، أو فصيحة. بينما الأدب العامي، معروف المؤلف، ولغته العامية(3).

وجاءت هذه الملاحظة، بصيغةٍ أخرى، في موضعٍ آخر؛ إذ يقول في واحدةٍ من ملاحظاته، على صاحب كتاب “معجم المؤلفين المعاصرين”:

“كثيرًا ما ذكر المؤلف أن فلانًا شاعر شعبي  أو أن له ديوانًا من الشعر الشعبي. وهذا وإن كان شائعًا فإنه في اصطلاح علماء الدراسات الشعبية (= الفولكلورية) غير صحيح. والأصوب أن ينسب إلى لغته فيقال: شعر عامي وشاعر عامي”(4).

[3] ــ الأدب الشعبي اليمني
[3ــ1] ــ الشعر الشعبي في اليمن

كما تجسدت معرفة الدكتور عباس السوسوة، بالأدب الشعبي، فيما ورد في أبحاثه وكتاباته، من شعر اليمن الشعبي والعامي، أو ما كان يطلق عليه قبل هاتين التسميتين بـ“الشعر الحميني”(5). سواءٌ في ما استشهد به من الشعرٍ العامي، في كتابه “دراسات في المحكية اليمنية”. أو ما ورد في كتابه “شرح المشعططات السبع”، الذي يقول إنه “مملوءٌ بنصوصٍ من شعر العامية اليمنية مما يعود إلى أربعة قرون مضت”(6). كذلك هو الأمر في ما ورد من هذا الشعر، في مواضع مختلفة من أبحاثه وكتاباته.

[3ــ1ــ1] ــ شواهد شعرية

من الشواهد الشعرية، التي وردت في كتابه “دراسات في المحكية اليمنية”، ما استشهد به من ديوان الشاعر عبد الرحمن بن يحيى الآنسي “ترجيع الأطيار بمرقص الأشعار”، ضمن شواهده في دراسته اللغوية التاريخية، لوزن (فِعّال تِفِعّال) في المحكية اليمنية؛ إذ ورد هذان الوزنان في شعر هذا الشاعر، من مثل ورود الوزن (تفعال)، في البيت الشعري، الذي يقول فيه(7):

ليت شعري مَن أكثر تِرِقّاب الفُرض ** فيك يا طير واحتال واحتاش

وكذلك، استشهد بشعر الشاعر علي عبد الرحمن جحاف، في دراسته لوزن (مِفعال/ مِفعالة) اسمًا ومصدرًا في المحكية اليمنية، فقد ورد هذا الوزن عند هذا الشاعر في استخدامه لكلماتٍ، مثل (مِفجارة)(8)، في أبياتٍ من شعره.

ومن ذلك، أيضًا، استشهاده بشعرٍ من الديوان المخطوط “سلافة العدس ولب العلس في المضحكات والدلس”، للشاعر الخفنجي. في دراسته التاريخية، لصيغة الجمع (فِعيل)، في المحكية اليمنية، فيقول حينما يتحدث عن اللفظ (جِمين)(9):

“أما بصيغة الجمع فهي كثيرة الورود في شعر العامية اليمني، فقد وردت في شعر الخفنجي (ت: 1181هـ)(10):

أظنْ قدْ لهْ سنةْ وازْيَدْ ** في موقدِه للجمين حايز

[3ــ1ــ2] ــ بين حضور اسم الشاعر وغيابه

لقد كان شعر اليمن العامي، أبرز مكونات معرفة السوسوة بالأدب الشعبي؛ إذ وردت في مواضع من أعماله أبياتٌ، وقصائد، من هـذا الشعر، الـذي يورده تارةً مع اسم الشاعر. من مثل ما يرد من شعر الشعراء: (الخفنجي، وأحمد شرف الدين القارة، ومحمد بن عبدالله شرف الدين، ومحمد بن إسماعيل الكبسي، وعبدالله هادي سبيت، ومحمد بن محمد الذهباني). وغيرهم من أعلام شعر العامية في اليمن. كما يورد تارة أخرى شعرًا من غير ذكر لاسم الشاعر. وقد يكون سبب ذلك أن الشاعر مغمورٌ، أو لعدم العلم به. كما قد يكون مرد ذلك بشكلٍ رئيسٍ، إلى ما يعتري هذا الشعر من الضياع؛ بسبب اعتماد الرواية الشفوية وسيلة أولى لحفظه ــ وإن دوِّنَ فيما بعد ــ  لذلك، تضيع أبيات منه. أو تسقط منه كلماتٌ وألفاظ، ويُستبدل غيرها. أو يسقط اسم قائل القصيدة، فيبقى قائلها مجهولًا.

[3ــ2] ــ أمثال شعبية يمنية

ومن التجليات التي تتجسّد فيها معرفة السوسوة بالأدب الشعبي، ما يرتبط بورود أمثال شعبية يمينة في مواضع من أبحاثه وكتاباته. من مثل هذا المثل الشعبي، الوارد في شرح البيت: “والشعير والبر”(11)، من المشعططة السادسة، في كتابه “شرح المشعططات السبع”، يقول:

“وقد ورد في المثل “من قلة عقلي وتدبيري، بُرّي أكل شعيري””(12).

ويوضح هذا المثل، بقوله: “حكايته أن رجلًا كان له مخزن مملوء برًّا وشعيرًا، فباع البر واشترى بثمنه حصانًا أكل الشعير فتمثل بهذا القول”(13).

ومثل هذا النموذج، أمثالٌ، وأقوالٌ شعبية، متداولة في المجتمع اليمني، وردت في مواضع من أبحاث السوسوة، وكتاباته، مُجَسِّدة، بذلك، بُعْدًا من أبعاد معرفته بالأدب الشعبي.

[4] ــ أدب شعبي عربي

كذلك، تتجسّد ملامح من معرفة السوسوة بالأدب الشعبي، في ما ورد من أدبٍ شعبيٍّ عربيٍّ، في مواضع من كتابه “شرح المشعططات السبع”؛ إذ وردت نماذج من شعر العامية المصري، كما في هذا البيت، الوارد ضمن شرح المشعططة الثانية، من مشعططات الكتاب، يقول:

“جاء في ديوان (علي السمسمية) لحسين طنطاوي قوله(14):

ابني توتو ابني ميمي ** رِجّاله والاسم حريمي

كذلك، وردت أمثالٌ شعبية عربية، كالمثل المصري القائل:

“على راسه ريشة”(15).

إذ ورد هذا المثل، في ثنايا شرح المشعططة السادسة، من مشعططات الكتاب. كذلك وردت أمثالٌ عربية شعبية أخرى، في مواضع متعددة، من شرح مشعططات الكتاب السبع.

ومن خلال هذه النماذج ــ من المعرفة الأدبية عند السوسوة ــ يتضح أن هذا المجال من مجالات تنوعه المعرفي، ذو مكانةٍ خاصة بين محاور تنوعه المعرفي؛ إذ كان ميله نحو الدراسات والإبداعات الأدبية عاملًا مهمًّا في تكوين وتشكيل هذه المعرفة، فأشبع هذا الميل منذ الصغر، بقراءة كل ما تقع عليه يده، في هذا المجال. واستمر هذا الميل؛ حتى صار توجهه العلمي الأول، وإن تحول في منتصف دراسته الجامعية الأولى توجهًا لسانيًّا.


  1. عباس علي السوسوة، “ملاحظات مفتش نظافة سويسري”. مجلة جذور، النادي الأدبي الثقافي بجدة، العدد (6)، مجلد(3)، رجب 1422هـ ـ سبتمبر 2001م، ص: (521). ↩︎
  2. من المقابلة التي أجراها معه الكاتب، تعز، يوم الأحد: 2ربيع الآخر1430هـ ـ 29 مارس 2009م. ↩︎
  3. عباس السوسوة، “ملاحظات مفتش نظافة سويسري”. مجلة جذور، مرجع سابق، ص: (518). ↩︎
  4. عباس علي السوسوة، “معجم المؤلفين المعاصرين في آثارهم المخطوطة والمفقودة وما طُبع منها أو حقق بعد وفاتهم”. عرض ونقد: مجلة مكتبة الملك فهد الوطنية، العدد (1)، مجلد (12)، المحرم ـ جمادى الآخرة 1428هـ / يناير ـ يوليو 2007م، ص: (383). ↩︎
  5. عبد العزيز المقالح، “شعر العامية في اليمن”. دار العودة، بيروت، 1986م، ص: (112). ↩︎
  6. ضياء الدين بن جمال الذماري، “شرح المشعططات السبع”. تحقيق وتعليق: عباس علي السوسوة. ط1، مركز عبادي للدراسات والنشر، صنعاء، 1428هـ ـ 2007م، ص: (7). ↩︎
  7. عباس علي السوسوة، “دراسات في المحكية اليمنية”. ط2، مركز عبادي للدراسات والنشر، صنعاء، 1428هـ ـ 2007م، ص: (92). ويُنظر: عبد الرحمن بن يحيى الآنسي، “ترجيع الأطيار بمرقص الأشعار”. تحقيق: عبد الرحمن بن يحيى الإرياني، وعبد الله عبدالإله الأغبري. دار الكلمة، ط2، صنعاء، 1985م، ص: (159). ↩︎
  8. نفسه. ↩︎
  9. جِمين: جمع جَمَنَة: إناء فخاري يشبه قُلة الماء، تصنع فيه قهوة قشر البن. ↩︎
  10. عباس علي السوسوة، “دراسات في المحكية اليمنية”. مرجع سابق، ص: (102). ↩︎
  11. ضياء الدين بن جمال الذماري، “شرح المشعططات السبع”. مرجع سابق، ص: (97). ↩︎
  12. نفسه. ↩︎
  13. نفسه. ↩︎
  14. نفسه، ص: (37). ↩︎
  15. نفسه، ص: (106). ↩︎

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top