الثقافة الموسيقية والغنائية

الثقافة الموسيقية والغنائية

تُعدّ الثقافة الموسيقية والغنائية واحدًا من مكونات البُنية الثقافية، التي تتجلّى في حياة الفرد، وسياقات إبداعاته وكتاباته، بشكل أو بآخر.

الثقافة الموسيقية والغنائية

د. عبده منصور المحمودي

يُعدُّ فنُّ الموسيقى عند (شبنهور)، أول الفنون، وهو الأرفع مرتبة والأسمى اعتبارًا(1)، و”بدون الموسيقى، الحياة ستكون محض غلطة”(2)، بحسب تعبير (فريدريك نيتشه1889م). والموسيقى، هي “اللغة العالمية للجنس البشري”(3)، كما يقول (كريستوفر نورث ــ 1822م).

وعند (أفلاطون) “الموسيقى قانون أخلاقي. إنها تمنح الكون روحًا، والعقل أجنحة، والمخيلة قدرة على التحليق، والحزن جمالًا.. تمنح كل شيء البهجة والحياة”(4).

وارتباطًا بالموسيقى، يأتي الغناء نسقًا حيويًّا لتجليّاته، التي تستوعب معاني الكلمات الموقّعة على الإيقاع الموسيقي بتناغمٍ دلاليٍّ وإيحائي.

وكلا النسقين (الموسيقا/ والغناء) يُمثِّلان بُعدًا ثقافيًّا معاصرًا، في الذهنية الإنسانية الحديثة، امتدادًا إلى فاعليته الثقافية المتقادمة في تاريخ الشعوب والحضارات الإنسانية المختلفة. وفاعلية الأغنية في إثراء الفنون الأدبية لا سيما الشعر منها. وبذلك، يتجلّى ــ في الثقافة المعاصرة ــ في صور متعددة، من أهمها ما يرتقي إلى أن يجسّد سمة من سمات صاحبه، سواء في حياته اليومية، أو في حياته الإبداعية والفكرية. من مثل ما يتجلى في حياة الدكتور عباس السوسوة وقراءة منجزه الكتابي والبحثي، وإسهاماته في النقد المنهجي؛ إذ تمثّل الثقافة الموسيقية والغنائية مُكوِّنًا مهمًّا في بُنيته الثقافية.

 [1] ــ روافد الثقافة الموسيقية والغنائية

يؤكد الدكتور عباس السوسوة أهمية هذا المكون الثقافي، وما يجب أن يحظى به من اهتمام. لا سيما في ما يتعلق من ذلك، بضرورة تنمية مهارة التذوق الموسيقي منذ الطفولة؛ لما لهذا الأمر من أثرٍ إيجابيٍّ بالغ، في حياة الإنسان، بمختلف جوانبها وأبعادها(5).

وتداعيًا مع هذه الأهمية، تعددت لدى السوسوة روافد الثقافة الغنائية والموسيقية، منها استماعه لما يُبَث من برامج فنية، لا سيما برامج المحطات الإذاعية، على جهاز المذياع ــ الراديو ــ يقول:

“في مرحلة المراهقة، كنت حليفًا للراديو، وفي الغالب كانت تذاع برامج غنائية في الفترة المسائية: من “البرنامج العام القاهرة”، أو “صوت العرب”، أو على الموجة المتوسطة، “إذاعة الشرق الأوسط” … ومن تلك البرامج، مثلًا: برنامج “من كل قطرٍ أغنية”، وبرنامج “أغاني وعجباني” ….”(6).

كما كان حضور الحفلات الموسيقية رافدًا آخر، من روافد ثقافته الموسيقية، وكذلك استماعه للموسيقى العالمية، بطرقٍ مختلفة؛ إذ يقول: سمعت الموسيقى العالمية، كلاسيكية وغير كلاسيكية. وحللت بعض القطع، وحضرت بعض الحفلات في القاهرة …”(7).

[2] ــ ملامح الثقافة الموسيقية والغنائية
[2ــ1] ــ استدراكات منهجية

لقد بدت ملامح من ثقافة السوسوة الموسيقية، والغنائية، في مواضع من كتاباته وأبحاثه. من مثل ما جاء في نقده واستدراكاته، على كتاب “موسوعة الموسيقا والغناء في مصر في القرن العشرين”. لمؤلفه، الدكتور زين نصار.

ومن استدراكاته تلك، تصحيحه لمعلوماتٍ وردت في الكتاب خطأً، كتصحيحه هذه المعلومة، استنادًا إلى ذاكرته السمعية من جهاز المذياع؛ إذ يقول:

“رقم “57” تقول لا ورد أنها لمأمون الشناوي وقد سمعت من صوت العرب أنها لمصطفى عبد الرحمن”(8).

ومن ذلك ــ أيضًا ــ تصويبه لما ورد من أخطاءٍ، في نسبة الأغاني، كما في هذا التصويب:

“ص140 نسب للموجي تلحين أغنية لسميرة توفيق ونحن نعلم أن يا بو رِدَيّن “وليس يابور دين” من الفولكلور الشامي”(9).

ومن استدراكاته، أيضًا، استدراكه ما سقط من أسماء الملحنين، كما في هذا الاستدراك:

“نقول ترك المؤلف الملحن جمال سلامة، وله مقدار كبير من الموسيقى التصويرية للأفلام والمسلسلات، وقد غنى له: شادية وياسمين الخيام وصفاء أبو السعود وماجدة الرومي وعلي الحجار …”(10).

وغير ذلك، من الاستدراكات والتصويبات، على هذا الكتاب، التي تجسد مدى إلمامه بتفاصيل الموسيقى والغناء، في بلد الحضارة والفنون، جمهورية مصر العربية.

[2ــ2] ــ في كتاب “شرح المشعططات السبع”

في كتاب السوسوة “شرح المشعططات السبع”، ظهرت ملامح هذا المحور، من ثقافته الفنية؛ إذ وردت مطالع، ومقاطع، وأبياتٌ، من أغانٍ عربية، ويمنية. مع ذكر اسم الفنان، والملحن، ومؤلف كلمات الأغنية، في كثيرٍ مما ورد من تلك المطالع، والمقاطع، والأبيات.

[2ــ2ــ1] ــ الغناء العربي

من الأغاني العربية، التي ورد منها ما يجسد ملامح من ثقافة السوسوة الفنية الغنائية، هذا البيت، من أغنيةٍ للفنانة صباح، الوارد في ثنايا شرح المشعططة الثالثة، من مشعططات الكتاب:

“قالت صباح من شعر كمال عطية ولحن الموجي(11):

حسُّونة، ما تِحِنّ عَلَيَّه ** حسونه، أنا زيّك غاوية

ومن أغاني الفنانة صباح ــ أيضًا ــ وردت نماذج كثيرة في هذا الكتاب(12). كما وردت نماذج من أغانٍ لفنانين عرب، غيرها. من مثل أغاني: شادية(13)، وعبد الحليم حافظ(14)، وفريد الأطرش(15)، وليلى مراد(16)، وفايزة أحمد(17)، وغيرهم.

[2ــ2ــ2] ــ الغناء اليمني

من الملامح المجسدة لثقافة السوسوة الفنية المتعلقة بالغناء اليمني، ما ورد من مقاطع، ومطالع، وأبيات، من أغانٍ يمنية، في هذا الكتاب ــ “شرح المشعططات السبع” ــ ومن ذلك، ما ورد من أغاني الفنان أيوب طارش عبسي(18)، كما في هذا المثال، الذي جاء في ثنايا شرح المشعططة الثانية، إذ يقول:

“وقد وردت القاع بمعنى الأرض مطلقًا في قول عبد الله عبد الوهاب نعمان(19) (يغنيها العبسي)”(20):

دُقَّ القاع دُقُّهْ ** لا تِمْشِي دَلا

دُقَّ القاع دُقّهْ ** ما دامكْ حَلا

واعطِ القلبْ حقُّهْ ** من دُنيا السَّلا

ولغير الفنان “أيوب طارش عبسي” ــ أيضًا ــ وردت في هذا الكتاب معلوماتٌ، وأجزاء من أغانٍ لفنانين يمنيين، وفنانات يمنيات، من مثل: الثلاثي الكوكباني(21)، وفتحية الحرازي(22)، التي يقول عنها: “سرعان ما أعجب بها مستشرق أمريكي كان يزور اليمن فتزوجها فحظيت عنده وبظيت”(23). وعلي بن علي الآنسي(24)، والمرشدي(25)، وغيرهم.

وبمثل هذه النماذج، تجسدت ملامحُ من ثقافة عباس السوسوة الفنية، والموسيقية؛ إذ وردت مثل هذه النماذج، في مواضع، من كتاباته وأبحاثه. كما جاءت ثقافته الموسيقية والغنائية متضمنة معرفة بالإبداعات الموسيقية والغنائية.


  1. شفيق البقاعي، “الأنواع الأدبية، مذاهب ومدارس”. ط1، مؤسسة عزالدين للطباعة والنشر، بيروت، 1405هـ ـ 1985م، ص: (151). ↩︎
  2. المعجم الموسيقي، عندما تكون في شكٍّ، غنِ عالياً، ترجمة: أمين صالح، مجلة نزوى، مؤسسة عًمان للصحافة والنشر والإعلان، العدد (55)، رجب 1429هـ ـ يوليو 2008م، ص: (175). ↩︎
  3. نفسه، ص: (177). ↩︎
  4. نفسه. ↩︎
  5. عباس علي السوسوة، “زيادة إنتاج الأخلاق الموسيقية الحميدة”. استراحة الخميس، صحيفة 26 سبتمبر، صنعاء، العدد (387)، 4 شعبان 1410هـ ـ 1مارس 1990م، ص: (20). ↩︎
  6. من المقابلة التي أجراها معه الباحث، تعز، يوم الأربعاء: 11 ربيع الأول 1429هـ ـ 19 مارس 2008م. ↩︎
  7. نفسه. ↩︎
  8. عباس علي السوسوة، “موسوعة الموسيقا والغناء في مصر في القرن العشرين”. عرض ونقد: صحيفة الثقافية، تعز، العدد (216)، 30 أكتوبر 2003م، ص: (31). ↩︎
  9. نفسه. ↩︎
  10. نفسه. ↩︎
  11. ضياء الدين بن جمال الذماري، “شرح المشعططات السبع”. تحقيق وتعليق: عباس علي السوسوة. ط1، مركز عبادي للدراسات والنشر، صنعاء، 1428هـ ـ 2007م، ص: (47). ↩︎
  12. نفسه، ص: (47،46،38،15،14). ↩︎
  13. نفسه، ص: (27). ↩︎
  14. نفسه، ص: (34). ↩︎
  15. نفسه، ص: (59،34). ↩︎
  16. نفسه، ص: (35). ↩︎
  17. نفسه، ص: (38،37). ↩︎
  18. أيوب طارش عبسي، من مواليد الأعبوس، قضاء الحجرية، محافظة تعز. ويعد واحدًا من مشاهير الفنانين اليمنيين. ↩︎
  19. هو الشاعر اليمني، عبد الله عبد الوهاب نعمان، من مواليد عام 1920م، في قضاء الحجرية، محافظة تعز. شاعر غنائي، شكل مع الفنان أيوب طارش عبسي مدرسة فنية متميزة. توفي بالسكتة القلبية، في تعز، في 2 يوليو 1982م. ↩︎
  20. .ضياء الدين الذماري، “شرح المشعططات السبع”. مرجع سابق، ص: (42). وانظر:
     ــ عبد الله عبد الوهاب نعمان، “أشعار الفضول”. ط1، الهيئة العامة للكتاب، صنعاء، 1429هـ ـ 2008م، ص: (382).
    ــ محيي الدين علي سعيد، “الظمأ العاطفي، في شعر الفضول وألحان أيوب”. ط1، مركز عبادي للدراسات والنشر، صنعاء، 1423هـ ـ 2002م، ص: (85). ↩︎
  21. ضياء الدين الذماري، “شرح المشعططات السبع”. مرجع سابق، ص: (35). ↩︎
  22. نفسه، ص: (41). ↩︎
  23. نفسه، هامش: (1). ↩︎
  24. نفسه، ص: (77). ↩︎
  25. نفسه، ص: (105،34). ↩︎

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top