المعرفة اللغوية القديمة والمحكية اليمنية في الدرس اللساني الحديث

المعرفة اللغوية القديمة والمحكية اليمنية في الدرس اللساني الحديث

تُعدّ المعرفة اللغوية بعدد من اللغات القديمة، ومثلها اللهجات المحكية واحدًا من مسار البُنية المعرفية للباحث اللساني الحديث.

المعرفة اللغوية القديمة والمحكية اليمنية في الدرس اللساني الحديث

د. عبده منصور المحمودي

من سياقات الدرس اللساني الحديث الاهتمام باللغات القديمة، لا سيما في مساره المقارن، وكذلك اهتمامه بالمحكيات. وهو الأمر المُلاحظ في الدرس اللساني الحديث في اليمن. تحديدًا ما يتجلى من هذا السياق في دراسات الأستاذ الدكتور عباس السوسوة.

[1] ــ اللغات القديمة

من أهم اللغات القديمة التي تشكّلت بها بعضٌ من مسارات حصيلة التنوع المعرفي اللغوي في البُنية المعرفية لدى السوسوة: اللغة اليمنية القديمة، واللغة السريانيّة، واللغة العبْرية.

[1ــ1] ــ اللغة اليمنية القديمة

بدأ الدكتور عباس السوسوة في تعلُّم اللغة اليمنية القديمة بدافعٍ ذاتي، و(بنظام التعلُّم الذاتي)، وفقاً للتصنيفات العلمية لنظريات التعلم(1)، حيث يعلم المرء فيه نفسه بنفسه. يقول عن ذلك:

“اللغة اليمنية القديمة، بدأت أُعَلِّم نفسي فيها متأخرًا، لم أعرفها من قبل. علَّمْتُ نفسي بنفسي، من خلال كتاب (ماريا هوفنر)، حتى إنني درّستُ بعض المعيدين مقرر النقوش اليمنية. وبعد ذلك الكتاب الذي ألفه فاروق إسماعيل…أما مستواي في هذه اللغة، فأقول: إنني لست في مستوى الدكتور إبراهيم الصلوي(2)، أو مستوى الدكتور يوسف محمد عبدالله(3)… لكن أعرف لغة يمنية قديمة”(4).

ومن ملامح معرفته بهذه اللغة، التي وردت في مواضع من أبحاثه، ما جاء في دراسته اللغوية لظواهر صرفية في المحكية اليمنية؛ إذ رجح أن يكون الأصل الذي جاء منه: وزنا (فِعَّال وتِفِعّال)(5)، وصيغة الجمع (فِعيل)(6)، ووزن (مِفعال/ مفعالة اسمًا للمكان ومصدرًا)(7)، هو اللغة اليمنية القديمة، أو العربية الجنوبية.

ومن ملامح هذه المعرفة، أيضًا، ما جاء في واحدةٍ من ملاحظاته النقدية، على مترجم كتاب “اللغة العربية”، لـ (كيس فرستيغ)؛ التي يقول فيها:

“ص ص 54 ـ 55 لاحقة الكاف في آخر المتكلم والمخاطب، فيقولون في الحميرية مثلًا ولدكُ بدلًا من ولدتُ. صوابه: لاحقة الكاف بدلًا من تاء المتكلم والمخاطب”(8).

فهذه الملاحظة، تستند إلى قاعدةٍ في اللغة اليمنية القديمة، متمثِّلة في مجيء الكاف بدلًا من تاء المتكلم والمخاطب.

[1ــ2] ــ اللغة العبرية

يقول الدكتور عباس السوسوة، عن بداية تعلُّمه للغة العبريّة: “في المستوى الثاني، كان أمامنا اختيارٌ ما بين مقرر (حضارات الأمم السامية)، و(المجتمع العربي)، حضرت مع المجتمع العربي مرة، فلم أقتنع به، وتوجهت مع قلة قليلة من الزملاء إلى حضارات الأمم السامية، وكان هذا مع القسم العبري… قررت اختيار هذا الموضوع، فقد كان يتحدث عن الأمم السامية: أكاديين، وبابليين، وعبريين، وفينيقيين…”(9).

واستمر تحصيله لهذه اللغة، بعد المستوى الثاني، فيقول عن ذلك: “في المستوى الثالث، لم يحصل انقطاع؛ لوجود بعض الدراسة المقارنة في هذا المستوى. وفي تمهيدي الماجستير، كان لدينا مقرر “اللغة العبرية”، فدرسناها أكثر، ونفعتني تلك القراءة الخارجية، في دراسة اللغة  العبرية. والعبرية التي أقصد، هي العبرية القديمة، وليست العبرية الحديثة. والعبرية القديمة، من حيث هي لغة ميتة، أعتقد أن مستواي فيها مرضٍ؛ أستطيع أن أقرأ بها؛ فهي محدودة، وهناك دراساتٌ كثيرة حولها، وقرأت كثيراً من الأبحاث التي أقيمت حولها، ولدي عدة معاجم حديثة وقديمة عنها…”(10).

وظهرت في مواضع من أبحاثه، ملامح من معرفته باللغة العبرية، من مثل ما ورد في دراسته اللغوية، لوزن (مِفعال/ مفعالة)، في المحكية اليمنية؛ إذ يتحدث عن طريقة استخدام اللغة العبرية لهذا الوزن، فيقول: “وإذا توغلنا في الزمن القديم قليلًا نجد اللغة العبرية القديمة تستخدم وزن مفعال بدون تاء للدلالة على اسم مكان”(11).

[1ــ3] ــ اللغة السريانية

تعلّم الدكتور عباس السوسوة اللغة السريانية، المنتمية كسابقتيها إلى اللغات السامية القديمة؛ لكي يتجاوز صعوبات الدراسة، فكان لها مكانها في تنوعه اللغوي؛ إذ يقول عن معرفته بها، ومستواه فيها:

“اللغة السريانية، كانت تأتي عرضًا في المقارنات، وما شابه ذلك. وكان يتعبني فيها الكتابة؛ لأني كنت أرى تشابهًا بين حروفٍ كثيرة … فاروق  إسماعيل، أعطاني كتابًا، قال عليَّ قراءته؛ لحل هذه المشكلة، وهو من تأليف أحمد رحيّم هبّو، وبعد قراءته، فعلًا، زالت الصعوبة … وكنت أقرأ بعض الأبحاث المنشورة في مجلة كلية الآداب، أو مجلة الدراسات الشرقية، لكن حصل انقطاعٌ، وعادت الآن الصعوبة كما كانت … فاللغة العبرية عندي الآن، سهلة جدًّا، أسهل من اللغة اليمنية القديمة، وأسهل من السريانية”(12).

والملاحظ عدم ورود نماذج من هذه اللغة، في أبحاثه اللغوية. وقد يكون سبب ذلك عائدًا إلى عدم وجود ما يستدعي أن ترد ملامح من معرفته بها، في مواضع من دراسته للظواهر اللغوية. وعلى ذلك، فهي من مكونات تنوعه اللغوي، بمعية اللغتين الساميتين القديمتين: العبرية، واليمنية القديمة.

[2] ــ اللهجات المحكيّة

للغة العربية ــ مثلها كمثل اللغات الإنسانية كلها ــ لهجاتها المحكية. وتتعدد هذه اللهجات بتعدد واختلاف الأقطار والأقاليم والبقاع الجغرافية في البلاد العربية. وتمثل لهجات المحكية العربية، مكونًا من مكونات التنوع اللغوي، عند السوسوة؛ بفعل المعايشة الاجتماعية، أو عن طريق الدراسة والتنظير لهذه اللهجات.

[2ــ1] ــ إحجام الباحثين عن دراسة اللهجات العربية

اللهجات العربية الحديثة، مجالٌ يحجم عنه الباحثون، ويتجهون إلى غيره من مجالات البحث اللغوي، ويعلل السوسوة هذا الإحجام، بسببين اثنين:

السبب الأول: سبب علمي، غير معلن عند الباحثين والدارسين، يتمثل فيما تتطلبه دراسة اللهجات من صبرٍ وأناةٍ، وما يكتنفها من صعوباتٍ، على المستويين النظري والتطبيقي(13).

والسبب الثاني: هو السمعة السيئة، التي علقت بدراسة اللهجات الحديثة، بحجة أن الاستعمار والمستشرقين، يهدفون من وراء دراستها، إلى محاربة الفصحى، وإحلال اللهجات محلها، وهو ما يكتفي بإعلانه والتعلل به، الباحثون والدارسون(14).

لذلك، يحجم الباحثون عن هذا المجال؛ خوفًا من أن تعلق بهم هذه التهمة، فعبر السوسوة عن هذا الخوف بالمصطلح النفسي “الرهاب”؛ إذ كان “رهاب دراسة اللهجات الحديثة”، المحور الثالث، من محاور رهاب العربية الفصحى، الذي تناوله في بحثه الموسوم بـ “رهاب العربية الفصحى”.

في هذا المحور من هذا البحث أورد السوسوة عددًا من الدراسات في هذا الشأن، موضحًا أن أصحابها قد برؤوا أنفسهم في مقدمات دراساتهم تلك، من هذه التهمة. وأنه لم يسلم، هو، أيضًا، من ذلك، في دراسته “لهجة ذمار دراسة صوتية وصفية”، فيقول:

“وكاتب البحث لا يبرئ نفسه من هذا الرهاب؛ في عمله (لهجة ذمار دراسة صوتية وصفية) قال: ((ولا يظن أحد أننا بدعوتنا لدراسة اللهجات دراسة وصفية نعزف ضمن الجوقة الداعية إلى ترك الفصحى… فما هدفنا أولًا وأخيرًا إلا خدمة الفصحى، والله سبحانه وتعالى أعلم بالسرائر))”(15).

[2ــ2] ــ أهمية دراسة اللهجات المحكية

وعلى ذلك، فإن للدكتور السوسوة رؤيته الموضوعية في هذا النوع من الدرس اللغوي؛ إذ يوضح رؤيته تلك، بقوله: “بغض النظر عن أن دراسة اللهجات الحديثة في حد ذاتها مطلب علمي، فإن دراستها دراسة جادة لا تهاون فيها مفيد في دراسة الفصحى، إذ قد تكشف عن جوانب لم يهتم علماؤنا القدماء الأجلاء بدرسها، وتكشف عن مصادر كثيرة من القراءات القرآنية التي لم تنسب إلى قوم أو قبيل، وتوضح ــ أو تكمل ــ جوانب من الدرس اللغوي القديم، كما تفيد في تعليم الفصحى على أسس سليمة”(16).

وبهذه الرؤية، يتضح أن دراسة اللهجات الحديثة، لا تشكل خطرًا على الفصحى؛ لأن “هدف مثل هذه الدراسات هو خدمة الفصحى، ببيان مدى بُعد أو قرب هذه اللهجات من دائرة الفصحى، فجميع اللهجات في حقيقة الأمر تتفرع من لغة واحدة، ترد إليها”(17).

وبذلك، تبلورت لدى السوسوة معرفة لغوية بلهجات العربية المحكية، معايشةً وتنظيرًا. وقد بدت ملامح ذلك، في مواضع عدة من كتاباته وأبحاثه. كما تأثر به عددٌ من طلابه، الذين كانوا ينظرون إلى دراسة اللهجات تلك النظرة، من مثل الدكتور أحمد قاسم أسحم، الذي يوضح ذلك، بقوله:

“أنا كان لي رأيٌ حول المحكية، فقد كنت أكره المحكية، ومن يحاول دراستها؛ لأنه كان في ذهني، أن أيّة دراسة للمحكية فيها قضاءٌ على الفصحى. وبعد معرفتي بأستاذي الدكتور عباس السوسوة، تأثرت به؛ فتغير رأيي هذا دون قصدٍ منه…”(18).

واستنادًا إلى رؤية السوسوة في دراسة اللهجات الحديثة، أسهم في هذا المجال من الدرس اللغوي، فدرس ظواهر لغوية، في المحكية اليمنية، وفي المحكيات العربية.

[2ــ3] ــ دراسة ظواهر في المحكية اليمنية

تمثل المحكية اليمنية، المحور الأهم من بين محاور المعرفة اللغوية لدى السوسوة، في مجال اللهجات المحكية: معايشة اجتماعية، ودراسة نظرية.

وظهر هذا النوع من المعرفة اللغوية، في عددٍ من كتاباته وأبحاثه؛ إذ كانت رسالته المقدمة لنيل درجة الماجستير، دراسة صوتية وصفية للهجة ذمار(19). كذلك، أصّل تاريخيا، لاسم الموصول (الذي) في المحكية اليمنية(20).

[2ــ3ــ1] ــ في كتاب “دراسات في المحكية اليمنية”

صنّف الدكتور عباس السوسوة كتابه “دراسات في المحكية اليمنية”، لدراسة ظواهر لغوية مختلفة، في المحكية اليمنية؛ إذ درس في القسم الأول منه، المستويات اللغوية في اليمن، مصنفًا إيّاها إلى خمسة مستويات. ثلاثة منها متعلقة بالمحكية: مستوى عامية المثقفين(21)، ومستوى عامية المتنورين(22)، ومستوى عامية الأميين(23).

وفي القسم الثاني من الكتاب، تناول ظواهر صرفية في المحكية اليمنية؛ إذ درس تاريخيًّا (وزني: فِعَّال وتِفِعّال)(24)، و(صيغة الجمع فِعيل)(25), كما درس (وزن مِفعال/ مِفعالة) اسمًا للمكان ومصدرًا في المحكية اليمنية(26).

ودرس في القسم الثالث منه، الألفاظ الهندية المقترضة في المحكية اليمنية، مقابلًا بين المحكية واللغة الهندية في هذه الألفاظ(27).

وفي دراسته لمستويات المحكية الثلاثة، في القسم الأول من هذا الكتاب، كان مصدره المباشر لهذه الدراسة هو المعايشة والاحتكاك المباشر بالمجتمع اللغوي؛ فيقول ــ مثلًا ــ في تقديم براهينه على وجود الخطأ والصواب في المحكية:

“هذه أمثلة واقعية، نعرضها من خلال خبرتنا ومشاركتنا في الحياة اللغوية في اليمن… للتدليل على رأينا في وجود الخطأ والصواب لدى المتكلمين بهذه المستويات جميعًا”(28).

ومن أمثلته تلك، هذا المثال، الذي يدلل به على هروب مستعمل “مستوى عامية المتنورين”، من الظواهر المغرقة في المحكية، يقول:

“ذكرنا أن مستعمل مستوى عامية المتنورين يفر من الظواهر المغرقة في المحلية إلى استخدام ظواهر لغوية أشيع منها، ومثّلنا لذلك ببعض الأمثلة الصرفية النحوية. ومن الأمثلة التي تعكس الآية وقد خبرناها شخصيًّا أن أحمد علي الحجي من ذمار ـ وهو عامي أمي ــ ذهب إلى أحمد عنقاد، يسأله أن يرافقه…، فاعتذر عنقاد بقوله “مقدِرش، أنا مُرهَق”، فاستغرب الحجي أن يسمع من عنقاد كلمة “مُرهَق” فرفع صوته ساخرًا… ووجه استغراب الحجي أن “مرهق” مستخدمة في عامية المتنورين، وليس لها مكان في عامية الأميين عنده. إذ تحل محلها كلمات مثل تاعِب، مُدقدَق…”(29).

[2ــ3ــ2] ــ في كتاب “شرح المشعططات السبع”

أورد الدكتور عباس السوسوة، في كتابه “شرح المشعططات السبع” نماذج من المحكية اليمنية. سواءٌ في ظواهر لغوية أبدى ملاحظاته عليها، من مثل ارتباط (الجار والمجرور (لك) بالفعل) في المحكية اليمنية(30). أو تراكيب وألفاظ، وعبارات متداولة في المحكية اليمنية، من مثل: “(هَهْ لو غَفَرْ له)”(31)، في حديثه عن حملة الأقلام المتاجرين بكتاباتهم. أو غير ذلك من التراكيب، والعبارات، والأمثال، والأقوال، المتداولة في المحكية اليمنية، الواردة في عددٍ من المواضع في “شرح المشعططات السبع”.

[2ــ4] ــ دراسة ظواهر في المحكيات العربية
[2ــ4ــ1] ــ المحكيات العربية والأعداد المركبة

وردت ملامح من معرفة السوسوة بلهجات المحكية العربية، في مواضع من أعماله. من مثل ما ورد في بحثه (نطق الأعداد المركبة حاليًا)، من مقابلةٍ بين العربية الفصحى وبين لهجاتها المحكية، في نطق الأعداد(32).

ومن نتائج هذا الدرس اللغوي التقابلي: عدم تمييز اللهجة السودانية في العدد بين المذكر والمؤنث، مع إثباتها الهاء في الأعداد المفردة إذا ذكر المعدود(33). وعدم التمييز، أيضًا، بين المذكر والمؤنث في المحكيات: المصرية، والفلسطينية، والسورية، والعراقية المشتركة، مع حذف الهاء، إذا ذُكِرَ المعدود في الأعداد المفردة(34)، والتزام المحكية العراقية الهاء إذا عطفت مع العقود(35). وتمييز المحكية اليمنية المشتركة، والمحكية السعودية المشتركة في العدد بين المذكر والمؤنث ــ كما في الفصحى ــ  واقتصار ذلك على الأعداد (3 ـ 10)(36).

تجسّد هذه النتائج، ملامح من معرفته بخصائص لغوية، لعددٍ من المحكيات العربية، في إطار دراسةٍ لغوية منهجية، تبين مدى الفرق بين هذه المحكيات من جهة، وبينها والعربية الفصحى من جهةٍ أخرى، في التعامل مع هذه الظاهرة اللغوية.

[2ــ4ــ2] ــ محكيات في كتاب “دراسات في المحكية اليمنية”

في كتاب السوسوة “دراسات في المحكية اليمنية”، وردت ألفاظٌ من محكياتٍ عربيةٍ، من مثل: “أبغا”، و”بِزورِةِ” من المحكية السعودية(37). و “جبنة” من المحكية السودانية، مقابل “جَمَنة” في المحكية اليمنية(38). و”شيشة” في المحكية المصرية، و”أركيلة” في المحكية الشامية، مقابل “مداعة” في المحكية اليمنية(39).

[2ــ4ــ3] ــ معرفة المحكيات في ملاحظات نقد منهجي

في ملاحظات السوسوة على صاحب كتاب (معجم المؤلفين المعاصرين)، وردت ملامح من معرفته بمحكياتٍ عربية. من ذلك ملاحظته على عدم ضبط المؤلف للأعلام الواردة بالشكل، ومما ورد في هذه الملاحظة:

“… الهِضيبي (بحسب النطق المصري)، وسِمِيسم (بحسب النطق العراقي) … مالك بن نبِّي (حسب النطق الجزائري) …”(40).

ففي هذه الملاحظة، ملامح من معرفة السوسوة، بخصائص صوتية لمحكياتٍ عربية ثلاث: المصرية، والعراقية، والجزائرية.

وفي ملاحظاته النقدية، على محققة ديوان ابن سودون البشبغاوي، ملامح من هذه المعرفة. من مثل ملاحظته على قول المحققة: “أكرتو: لم أعثر عليها، …”(41)؛ إذ يُعلق على ذلك، بقوله:

“قلتُ: سبحان الله! فهي كثيرة الورود عند المؤلف، وأصلها أُكرة (= أكرتو)، غير أن زيادة الألف بعد الواو أربك المحققة فيما يبدو، مع أنها ظاهرة عامة في النسخ المخطوطة!!”(42).

[2ــ4ــ4] ــ معايشة المحكية المصرية

كما عايش الدكتور عباس السوسوة المحكية اليمنية؛ باعتباره واحدًا من أبناء مجتمع هذه المحكية، فإنه في فترة دراسته التي قضاها في مصر، كان قد عايش المجتمع المصري، وعرف لهجته المحكية. ناهيك عن متابعته للسينما المصرية، التي استطاعت أن توصل المحكية المصرية، إلى كل بيت عربي. وبذلك تبلورت لديه معرفة بهذه المحكية، فظهرت ملامح منها، في مواضع من دراساته وأبحاثه. كما ظهرت ملامح من هذه المعرفة ممتزجة بالمحكية اليمنية والفصحى وغيرها في كتاب “شرح المشعططات السبع”؛ إذ وردت فيه ألفاظٌ، وتعبيرات، وأمثال، وتراكيب، من المحكية المصرية.

ومن أبرز المواضع التي تجسدت فيها ملامح من معرفته بالمحكية المصرية، المتأتية بفعل المعايشة والاحتكاك بمجتمع هذه اللغة، ما جاء في هذه الملاحظة النقدية، الواردة ضمن ملاحظاته، على بحث (السيد إبراهيم): “اتجاهات غير تقليدية في قراءة القدماء للنصوص”، يقول فيها:

“ولاحظنا أنه ضبط كلمة الجُندي ـ بضم الجيم ـ فإذا لم يكن النص في المصدر مضبوطًا فإني أرجح كسر الجيم، لأني سمعتها في الريف المصري مكسورة”(43).

فهذه الملاحظة النقدية، مبنية على معايشةٍ واحتكاكٍ بالمجتمع المصري، واحتكاك ومعايشة للمجتمع المصري الريفي منه خاصة.


  1. جورج إم غازدا، وريموند جي كورسيني، “نظريات التعلم، دراسة مقارنة”. ترجمة: علي حسين الحجاج. مراجعة: عطية محمود هنا. سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، العدد (70)، أكتوبر 1983م، جـ1/ ص: (142). ↩︎
  2. إبراهيم الصلوي: أستاذ اللغة اليمنية القديمة، في كلية الآداب ـ جامعة تعز، وله أبحاثٌ ودراسات في هذا المجال من الدرس اللغوي، نشر عددًا منها في دوريات علمية محكمة. ↩︎
  3. يوسف محمد عبدالله: أستاذ النقوش اليمنية القديمة جامعة صنعاء، وله أيضًا، دراسات وأبحاث في هذا المجال من الدرس اللغوي، نشر عددًا منها في دوريات علمية محكمة. ↩︎
  4. من المقابلة التي أجراها معه الكاتب، تعز، في يوم الأربعاء: 16 جمادى الأولى 1429هـ ـ 21 مايو 2008م. ↩︎
  5. عباس علي السوسوة، “دراسات في المحكية اليمنية”. ط2، مركز عبادي للدراسات والنشر، صنعاء، 1428هـ ـ 2007م، ص: (96 ـ 98). ↩︎
  6. نفسه، ص: (99 ـ 113). ↩︎
  7. نفسه، ص: (144 ـ 147). ↩︎
  8. عباس علي السوسوة، “اللغة العربية: تأليف: كيس فرستيغ، ترجمة: محمد الشرقاوي”. عرض ونقد. مجلة الدراسات اللغوية، مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، الرياض، العدد (3)، المجلد (9)، رجب ـ رمضان 1428هـ  ــ يولية ـ سبتمبر 2007م، ص: (223). ↩︎
  9. من المقابلة التي أجراها معه الكاتب، تعز، يوم الأربعاء: 16 جمادى الأولى 1429هـ ـ 21 مايو 2008م. ↩︎
  10. نفسه. ↩︎
  11. عباس السوسوة، “دراسات في المحكية اليمنية”. مرجع سابق، ص: (147). ↩︎
  12. من المقابلة التي أجراها معه الكاتب، تعز، يوم الأربعاء: 16 جمادى الأولى 1429هـ ـ 21 مايو 2008م. ↩︎
  13. عباس علي السوسوة، “رهاب العربية الفصحى: كتاب مؤتمر: (العربية والدراسات البينية)”. كلية دار العلوم، جامعة القاهرة، مارس 2007م، ص: (827). ↩︎
  14. نفسه. ↩︎
  15. نفسه، ص: (828)، وينظر: عباس السوسوة، “لهجة ذمار دراسة صوتية وصفية”. رسالة ماجستير (غير منشورة)، كلية الآداب، جامعة القاهرة، 1404هـ ـ 1984م، ص: (2). ↩︎
  16. نفسه، ص: (827). ↩︎
  17. عائشة الدرمكية، “التطور الدلالي للألفاظ في لهجة أهل قريات”. مجلة نزوى، مؤسسة عُمان للصحافة والأنباء والنشر والإعلان، مسقط، العدد (46)، ربيع الأول 1426هـ ـ  إبريل 2006م،  ص: (289). ↩︎
  18. من المقابلة التي أجراها معه الكاتب، تعز، يوم الأحد: 2 ربيع الآخر 1430هـ ـ 29 مارس 2009م. ↩︎
  19. عباس السوسوة، “لهجة ذمار، دراسة صوتية وصفية”. مصدر سابق. ↩︎
  20. عباس علي السوسوة، “الذي في المحكية اليمنية، تأصيل تاريخي”. مجلة المعرفة، اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين، تعز، العدد (36ـ 37) أكتوبر ــ ديسمبر 2002م، ص: (9 ـ 17). ↩︎
  21. نفسه، ص: (49 ـ 60). ↩︎
  22. نفسه، ص: (60 ـ 71). ↩︎
  23. نفسه، ص: (60 ــ 71). ↩︎
  24. نفسه، ص: (82 ـ 98). ↩︎
  25. نفسه، ص: (99 ـ 113). ↩︎
  26. نفسه، ص: (114 ـ 147). ↩︎
  27. نفسه، ص: (150 ـ 183). ↩︎
  28. نفسه، ص: (72). ↩︎
  29. نفسه، ص: (73). ↩︎
  30. ضياء الدين بن جمال الذماري، “شرح المشعططات السبع”. تحقيق وتعليق: عباس علي السوسوة. ط1، مركز عبادي للدراسات والنشر، صنعاء، 1428هـ ـ 2007م، ص: (38). ↩︎
  31. نفسه، ص: (66). ↩︎
  32. عباس علي السوسوة، “نطق الأعداد المركبة حالياً وإهمال مغايرة العدد للمعدود في النوع محاولة للتفسير”. مجلة بحوث جامعة تعز، العدد (3)، 2003م، ص: (11). ↩︎
  33. نفسه، ص: (14). ↩︎
  34. نفسه، ص: (16،15). ↩︎
  35. نفسه، ص: (16). ↩︎
  36. نفسه. ↩︎
  37. عباس السوسوة، “دراسات في المحكية اليمنية”. مرجع سابق، ص: (61). ↩︎
  38. نفسه، ص: (102). ↩︎
  39. نفسه، ص: (108). ↩︎
  40. عباس علي السوسوة، “معجم المؤلفين المعاصرين في آثارهم المخطوطة والمفقودة وما طُبع منها أو حقق بعد وفاتهم”. عرض ونقد: مجلة مكتبة الملك فهد الوطنية، العدد (1)، مجلد (12)، المحرم ـ جمادى الآخرة 1428هـ / يناير ـ يوليو 2007م، ص: (377). ↩︎
  41. عباس علي السوسوة، “كمال التشويه الذي لحق بديوان ابن سودون البشبغاوي”. مجلة العرب، الرياض، جـ (12،11)، السنة (42)، الجماديان 1428هـ ــ (أيار ـ حزيران/ مايو ـ يونيو 2007م)، ص: (816). ↩︎
  42. نفسه. ↩︎
  43. عباس علي السوسوة، “لساني فضولي يتطفل على قراءة النص”. مجلة علامات، النادي الأدبي الثقافي بجدة، العدد (49)، مجلد (13)، رجب 1424هـ ـ سبتمبر 2003م، ص: (340،339). ↩︎

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top