ثقافة الهزل السياسي
من تجليات الكتابة في الهزل السياسي، ما نجده في كتابات ومقالات الأستاذ الدكتور عباس السوسوة، في المستويات الهزلية الثلاثة: النكتة، والسخرية، والفكاهة.
[1]: النكتة السياسية
من النكات السياسية، التي رواها السوسوة، هذه النكتة التي تدور حول هواية الرئيس اليمني عبد الله السلال، في إبراق البرقيات لزعماء أيّة ثورةٍ في العالم.
تقول النكتة: إن عبد الله السلال “كانت هوايته الإبراق كلما سمع بثورةٍ في أي بقعة من بقاع الأرض، إلى القائمين بالثورة. وتتصدر البرقية العبارة المشهورة: “السلال وشعب اليمن يؤيدون ثورة كذا”. فزار القاهرة ذات مرة وكان في سينما مترو فلم “ثورة على السفينة بونتي”. فأبرق إلى إدارة السينما: السلال وشعب اليمن يؤيدون ثورة على السفينة بونتي”(1).
يتمثّل المكون الأول، والوحدات الأساسية لهذه النكتة، في هواية السلال الإبراق إلى الثوار.
ويتمثّل المكون الثاني، في العلاقات القائمة بين راوي النكتة والسامعين، الذي يتبلور من سماع سرد النكتة.
أمّا المكون الثالث، فهو الضحك، الذي جاء استجابةً للتناقض بين النتيجة والمعطيات الأولى للنكتة؛ إذ تمَثلَ هذا التناقضُ بين إدراك فكرة البرقيات المتسقة مع الواقع ــ التي يبرقها إلى الثوار في أية بقعة من بقاع الأرض، وهو الإدراك المتوقع ــ وإدراك فكرة البرقية المرسلة إلى إدارة السينما؛ بناءً على المتغير غير المتسق مع واقع الإبراق، وهو الفلم المسمى بـ”ثورة على السفينة بونتي”.
[2] السخرية السياسية
لا ينتمي الدكتور عباس السوسوة إلى أي تيارٍ سياسي؛ فهو القائل، في واحدٍ من مقالاته: “لست سياسيًّا، فقد أوصتني أمي أن أمشي في الشوارع بجوار الجدران وأن أحذر السيارات ولاسيما (الهيلوكس) وأنا ــ كأغلب أهل اليمن المعطاء ــ ساذج في شؤون السياسة، أحسب أن المواقف المعلنة هي المواقف الحقيقية”(2).
[2ــ1]: حكومة منتخب الكمرون
وعلى حيادية الدكتور السوسوة سياسيًّا، فقد أبدى وجهات نظره الناقدة، لمعطيات سياسية، بأساليب ساخرة؛ من مثل سخريته من تغيير الحكومات مع بقاء الوزراء ــ أعضاء الحكومة ــ أنفسهم، في كل حكومة من الحكومات اليمنية. وهنا يوازن بين هذه الظاهرة، و”منتخب الكمرون”، الذي يقل تجديد اللاعبين في صفوفه، فيقول: إنه حينما “جاء تشكيل الحكومة الائتلافية(3) فإذا الأسماء والوجوه التي تعرف وكأننا أمام منتخب الكمرون لكرة القدم”(4).
[2ــ1ــ1]: التشابه والاختلاف
تقوم السخرية السياسية ــ هنا ــ على الكشف عن وجوه التشابه بين تشكيلة الحكومة اليمنية وتشكيلة هذا المنتخب الرياضي. أما التشابه بينهما، فيتمثل في أن “تشكيلة منتخب الكمرون تشبه تشكيلة (حكوماتنا) اليمنية في شيءٍ واحد، هو أن اللاعبين ثابتون لا يتغيرون إلا نادرًا، فقد يتغير لاعب كل أربع سنوات وقد يتغير رقم لاعب من 5 إلى 17 مثلًا، بل قد يعتزل لاعب الكرة سنوات ثم يعود ويلعب في كأس العالم!!”(5).
أما وجوه الاختلاف، بين التشكيلتين (تشكيلة الحكومة/ وتشكيلة منتخب الكمرون)، فتتمثّل في امتلاك المنتخب حيوية، تؤهله للوصول إلى نهائيات كأس العالم، وغياب ذلك في “تشكيلة الحكومة”. يقول عن ذلك: “هذا المنتخب قد يتعثر لكنه يعود إلى قوته، فهو فريق لا يعرف المظهرية في اللعب من كعوب ومثلثات وأمشاط ورموش، بل أسلوبه رجولة وقوة في الأداء وتناسق تام بين خطوطه، ولياقة بدنية تجعل اللاعب (يبرطع(6)) في المباراة ما يقرب من ثمانية أميال. وهذه أمور يفتقدها تشكيل الحكومة الائتلافية”(7).
ودلالة القوة والتناسق بين الخطوط واللياقة البدنية، دلالة حسية عند المنتخب، ودلالة غير حسية عند تشكيلة (الحكومة). وتتضمن هذه الدلالة المعاني الدائرة حول نموذج القيادة الإدارية، القادرة على تنسيق الجهود، وبلورة الخطط، التي تعمل على تحقيق الأهداف والغايات المنشودة.
[2ــ1ــ2]: سخرية المفارقة من ظاهرة مطّردة
تقوم سخرية السوسوة ــ هنا ــ على المفارقة(8)؛ إذ تتجلى سخريته، من خلال إبراز هذه المفارقة بين تشكيلة الحكومة وتشكيلة ذاك المنتخب الرياضي. وهو يتناول هذه الظاهرة، أيضًا، بأساليب ساخرة، في مواطن أخرى من كتاباته.
وفي الحقيقة، أن إعادة تعيين الوجوه نفسها في أكثر من حكومة، قد يكون له مبرره الذي ينطلق من أهمية الاستفادة من تراكم خبرات هؤلاء. وهذا ليس فيه شيء، ولكن سخرية السوسوة عامة، تدور حول وجوهٍ محددة، هي تلك الوجوه التي لا خبرات لديها يمكن الاستفادة منها، ولا ضير أن تتناولهم السخرية السياسية عند السوسوة أو عند غيره؛ لتُحَقِّقَ بذلك الاستراتيجية التنموية، وفق برنامج إصلاحٍ شاملٍ، تتبلور من خلاله هذه الاستراتيجية، في الواقع السياسي والاجتماعي.
[3]: الفكاهة السياسية
[3ــ1ــ1]: بين العبد والعسكري
من مُلح الدكتور عباس السوسوة الفكاهية ذات الطابع السياسي، هذه الفكاهة التي يرويها من عنوانٍ كتابٍ مستعار، فيقول إن المؤلف ذكر “أن المقدم إبراهيم الحمدي حضر مقيلًا ذات يوم، وكان العلفي من جملة الحاضرين، ولونه يميل إلى السواد. فقال الحمدي: ما رأيك أن المتنبي أفضل شاعر؟ فرد عليه العلفي: أبدًا سيدي، الزبيري أفضل منه”(9).
تثير الحكاية الضحك؛ بما فيها من تورية، وإلماح خفي، إلى شعر الشاعرين؛ فقد أراد الحمدي بذلك قوله:
لا تشترِ (العبد) إلا والعصا معه ** إن العبيد لأنجاسٌ مناكيدُ
وانتقم العلفي لنفسه بقول الزبيري:
و(العسكري) بليد للأذى فطنٌ ** كأن إبليس للطغيان رباهُ”(10).
[3ــ1ــ2]: هجاء الشعر وتورية الفكاهة
لقد جاء بيت المتنبي ــ ذاك ــ ضمن قصيدة هجائية لكافور(11). والبيت يهجو كافورًا بلون بشرته السوداء. وبيت الزبيري، جاء ضمن قصيدةٍ بعنوان “قيدٌ جماعي”(12).
وجاءت تورية الحمدي هجاءً خفيًّا للعلفي، يلمح إلماحًا إلى سواد الرجل، مكتفيًا بتفضيل المتنبي، من دون أن يقول البيت الشعري، ولكن البيت مشهورٌ، وسواد الرجل واضح؛ لذلك كان إدراك المغزى، فكان التفكه بهذه الملحة.
ومن هذه الفكاهة تولدت الفكاهة الثانية، التي تمثلت في اعتراض العلفي على تفضيل المتنبي، مفضلًا عليه الزبيري. لا لأنه دون الزبيري، ولكن لأن الزبيري قال البيت السالف.
والعلفي ــ أيضًا ــ يهجو صاحبه، بأنه عسكريٌّ من دون أن يذكر بيت الزبيري، وإنما ألمح إليه إلماحًا، كصاحبه. فقصيدة الزبيري مشهورةٌ، ومشهورٌ هذا البيت فيها، والحمدي منتمٍ إلى الجيش، فهو واحدٌ من أفراد هذا الجيش (عسكري)؛ وبذلك كان إدراك المغزى، فكان التفكه والضحك.
[3ــ2]: فكاهة التلاعب اللغوي
من طرائق صياغة الدكتور عباس السوسوة للفكاهة السياسية استئناسه بتقنية التلاعب اللغوي. من ذلك، ما تقوم عليه صياغة هذه الفكاهة، التي تدور حول اللفظ “لعب”؛ إذ يقول فيها:
“كثر في لغة عصرنا هذا قولهم (لعب دورًا هامّاً في كذا)، وهذا شيء جديد على الفصحى التي لا تعرف اللعب أمرًا من أمور الجد؛ فاللعب مرادف للنشاط الذي لا يهدف لشيء مفيد، ولكن ماذا تقول وقد صار للعب في أيامنا هذه قوانين ومنظمات وموظفون وصحفيون وحكام ومراقبون…”(13).
وكذلك هو الأمر، مع هذه الفكاهة، التي يتفكه فيها من الدلالة السياسية العربية للفظ “أخوية”، فيقول:
“وقد ذاعت كلمة محادثات أخوية على اللقاءات السياسية العربية التي يتبادل فيها الجانبان ما لذ وطاب من ألفاظ السباب، وقد تطلق على اللقاءات التي لا يقال فيها شيء وهذا نادر”(14).
فهذان اللفظان (لعب/ وأخوية) لهما دلالتهما الأصلية في اللغة، التي تُستخدم ــ أيضًا ــ بصورة ظاهرية في كثير من البرتوكولات السياسية. لكن المفارقة كامنة في تفريغ اللفظين من دلالتهما الأصلية، في السلوك الفعلي للبرتوكولات السياسية. وبذلك؛ قامت هاتان الفكاهتان على المفارقة الدلالية لهذين اللفظين، سياسيًّا، ومعجميًّا، فكان بهذه المفارقة، الضحكُ والتفكهُ جوهر هاتين الفكاهتين.
- ضياء الدين بن جمال الذماري، “شرح المشعططات السبع”. تحقيق وتعليق: عباس علي السوسوة. ط1، مركز عبادي للدراسات والنشر، صنعاء، 1428هـ ـ 2007م، ص: (49). ↩︎
- عباس علي السوسوة، “حكوماتنا .. ومنتخب الكمرون”. صحيفة الجديد، أبين، العدد (91)، السنة (21)، 2 نوفمبر 1993م، ص: (8). ↩︎
- الحكومة الائتلافية، جاءت بعد الحكومة الانتقالية، بعد الانتخابات النيابية 1993م، التي انتهت بها المرحلة الانتقالية، التي جاءت بعد الوحدة اليمنية، في 22مايو1990م. ↩︎
- عباس علي السوسوة، “حكوماتنا.. ومنتخب الكمرون”. صحيفة الجديد، مرجع سابق، ص: (8). ↩︎
- نفسه. ↩︎
- يبرطع: يجري. ↩︎
- عباس علي السوسوة، “حكوماتنا .. ومنتخب الكمرون”. صحيفة الجديد، مرجع سابق، ص: (8). ↩︎
- نعمان محمد أمين طه، “السخرية في الأدب العربي حتى القرن الرابع الهجري”. ط1، دار التوفيقية للطباعة، القاهرة، 1398هـ ـ 1978م، ص: (45). ↩︎
- ضياء الدين بن جمال الذماري، “شرح المشعططات السبع”. مرجع سابق، ص: (36). ↩︎
- نفسه. ↩︎
- يُنظر: أبو الطيب أحمد بن الحسين (ت354هـ)، “ديوان المتنبي”. دار الجيل، بيروت، د.ت، ص: (507). ↩︎
- يُنظر: محمد محمود الزبيري، “الأعمال الشعرية الكاملة”. إصدارات وزارة الثقافة والسياحة، صنعاء، 1425هـ ـ 2004م، ص: (269). ↩︎
- ضياء الدين بن جمال الذماري، “شرح المشعططات السبع”. مرجع سابق، ص: (41). ↩︎
- نفسه، ص: (26). ↩︎


