هوية البحر في رواية "المنسيون بين ماءين"

هوية البحر في رواية “المنسيون بين ماءين”

هوية البحر في رواية الكاتبة البحرينية ليلى المطوع "المنسيون بين ماءين"، تسريد لإشكالية انحسار هوية البحر المعاصرة.

هوية البحر في رواية “المنسيون بين ماءين”

د. عبده منصور المحمودي

في روايتها “المنسيون بين ماءين”(1)، تتناول الكاتبة البحرينية ليلى المطوع، إشكالية جديدة في هوية الإنسان المعاصر. تلك الإشكالية، التي تنفصم فيها الهوية بين انتماءين: الانتماء إلى الأرض، والانتماء إلى البحر.

تتعلق هذه الإشكالية بالإنسان المعاصر، الذي ينتمي إلى الجغرافيات المتعايشة مع البحر بوجه عام. والإنسان المعاصر، المنتمي إلى مملكة “البحرين”، وتاريخها الثقافي على وجه خاص.

تتعاطى الكاتبة مع هذه الإشكالية، من زاوية الحاضر، ومعطيات التغيير فيه. لا سيما معطيات زحف اليابسة على البحر. في سياقاتٍ وظّفت فيها المرجعية الأسطورية، في تأسيس البُنية السردية. وهو ما تشير إليه، بالقول: “أحاول فهْم الأسطورة التي تتنبّأ بأن هذه الجزيرة التي ظهرت على حينِ غفلة، وانحسر عنها الماء واتّخذْناها سَكنًا، ستعودُ إلى البحْر. فُطِمْنا على هذا النذير … فما كنتُ أظنُّه يابسة، أرضًا صلْبة، كان بحرًا مدفونًا … هذه الصدمة التي فجَّرتْ لديَّ سؤالَ الهُويَّة: إلى أيّهما أنتمي حين يتصارع البحرُ المنحسرُ واليابسة الملْتَهمة لازرقاقه؟”(2).

الحيز السردي

يحيل الحيز السردي (المكان/ والزمان) ــ في هذا العمل ــ  على مملكة “البحرين”: بلدًا، وتاريخًا ثقافيًّا واجتماعيًّا، تشبّع بثقافة البحر، منذ ما يزيد على 4000 سنة قبل الميلاد، امتدادًا إلى العصر الحديث.

كما إن هذا الحيز السردي ــ في سياقه العام وسياق الرواية الخليجية ــ متصلٌ بالهوية الخليجية، وتراثها التاريخي والثقافي والاجتماعي. ذاك التراث، الذي أفرز ثقافة البحر والصحراء، في البُنية الثقافية والتاريخية لدى المجتمعات الخليجية. وهو ما يحيل ــ من جهةٍ أخرى ــ على الارتباط بخصوصية هذه البيئة، والتعايُش مع تفاصيلها، واستيعاب أحوالها، وتحوُّلاتها وطقوسها. بما في قطبي هذه الثقافة، من ثراء، وخصوبة تراثية متراكمة، ومعتقدات، وعادات، وألوانٍ تعبيرية مختلفة.

ومنذ استجدت الثورة النفطية، في المجتمعات الخليجية ــ في القرن العشرين ــ استجد في البُنية الثقافية نسقٌ ثقافي جديد، ذو فاعلية في تشكيل الهوية. ثم انعكس هذا النسق، في صيغٍ تعبيرية وفنية مختلفة. وقد كانت الرواية، في صدارة هذه الفنون؛ إذ عملت ــ في بعضٍ من مضامينها ــ على استيعاب هذا التحول، بمختلف تداعياته، التي منها الطفرة المعمارية المتسارعة، التي لم تسعها اليابسة، فامتدّت باليابسة نفسها إلى البحر؛ تلبيةً للحاجة المعمارية المتزايدة.

ومن تداعيات تلك الطفرة المعمارية، انطلقت السياقات السردية في هذا العمل، الذي اضطلع بتسريدها، في أنساق من التعاطي، مع أبعادها الفاعلة في تشكيل الهوية المعاصرة.

إشراقة الذهب الأسود

استهلّت الرواية تسريد هذه الطفرة ــ وزحف اليابسة على البحر ــ بتسريد ماهية التحول، الذي أفضى إليه اكتشاف الذهب الأسود المتمثّل في الثروة النفطية: “من أجل تسهيل عمليات النقل، وخاصّة بعد الثروات التي اكتشفت في باطن الأرض، بُنيت جسورٌ حقيقيّةٌ في جنوبيّ الجزيرة لتصل بين عدّة جزر اختفت تدريجيًّا، ولصقت الجزيرة الأم” (3).

لقد تمخّضت المتغيرات والمعطيات الجديدة، عن نوعٍ من التعاطي المتسق مع هذه الثروة، من خلال اتخاذ إجراءات فاعلة في تيسير سُبل استثمارها. لا سيما وأنها بشارة ثراء قام. ولا مجال لمقارنتها بالمعتاد من أرزاق البحار: “الحال تغير في البلد، وهناك ذهب أسود في باطنها، أتوا لأجله من دول بعيدة، يقال إنّنا سنصير أثرياء. لِمَ لا تعود إلى الأرض، وتترك البحر؟! فلم يعد فيه رزقنا! ما لك في البحر وأهواله، ورزق الله على اليابسة؟!” (4).

لقد كان اكتشاف هذه الثروة فاعلًا في استحداث مسارات جديدة، تتشكل بها هوية جديدة، على حساب هوية الماء، المتماهية في بُنية الثقافة الاجتماعية المتوارثة: “بدأت عمليات الردم والتوسع العمراني … بعد اكتشاف الذهب الأسود” (5).

التهامٌ لهوية الماء

حرصت مسارات الاشتغال السردي، على استيعاب محطات هذا التحول؛ فكانت البداية في تسريدها لعملية الردم، التي بدأت “في مناطق المياه الضحلة القريبة من السواحل” (6). مرورًا بتسريد عمليات ردم المياه المالحة. وانتهاءً بتسريد عمليات الردم ــ هذه ــ في مناطق المياه العذبة، مياه الينابيع. وبذلك؛ “دفنوا الماءين؛ العذب والمالح”(7)، على حدٍّ سواء.

ومن خلال هذا الاستيعاب السردي ــ لمحطات التحوّل في تشكيل الهوية ــ تجسّد تسريدٌ استيعابي آخر. استهدف الاشتغال على تسريد آثار هذا التحوّل، وتداعياته على هوية الماء وكائناته، أكان هذا الماء مالحًا أو كان عذبًا.

من ذلك، تسريدُ تداعياتِ هذه التحوُّلات المعمارية المعاصرة على مياه الينابيع؛ لأن “هذا الأمر تسبّب في جفاف عيون عذبة تروي مساحات من الحقول، فمات الشجر وهاجر الطير. والبشر تركوا الأراضي الزراعيّة بعد جفاف الماء، وانتقلوا إلى البحث عن مصادر دخل مختلفة، وجُرفت الأشجار التي ماتت من العطش، وتحوّلت الأراضي إلى مناطق سكنيّة، فلم يعد هناك أمن غذائي”(8).

كذلك، هو تسريد هذه التداعيات على حياة أبناء البحر. أولئك، الذين تجذّرتْ في هويتهم مهنةُ الصيد، بوصفها سبيلَ معيشةٍ متقادمٍ لديهم: “ها هي المدينة تلتهم البحر، والصيّادون بوفاء يتبعون الماء، يبنون أكواخهم على سواحله. لا جار لهم سواه. كلّما دفن البحر، فكّكوا أكواخهم وارتحلوا يتبعونه”(9).

حدود الأرض والبحر

بعدما استوفت السياقات السردية العملَ على تسريد محطات التحول، في بُنية الهوية المعاصرة. انتقلت إلى تسريد الحال الراهنة، التي تشكّلت من اجتياح اليابسة لهوية الماء، وقيام حياة جديدة بهويةٍ غير مائية، على أنقاض الهوية القديمة: “أخاف السير عليه، على ما كان بحرًا ودفن”(10).

لقد ازدوجت الهويّتان: (هوية الأرض/ وهوية البحر). لذلك؛ لم يعد بالإمكان معرفة الحدود الفاصلة بينهما. ذلك، هو ما تضمّنه تسريدُ حالٍ، كانت تهذي فيها الشخصية الرئيسة في الرواية “ناديا”. فبعد أن الْتَبَسَت الهويتان في شخصيتها، أخبرها طيفُ جدّتها “نجوى” بحقيقة أصالة هوية البحر، فيما استجد عليه من يابسةٍ مستحدثة. بمبانيها وناسها غير المنفصلين، عن ماهية الماء المتجذّرة في ثقافتهم: “لن تعرفي حدود الأرض وحدود البحر هنا. ستُخدعين. ما تظنّين أنّه يابسة هو بحر. وداخل تلك البيوت الإسمنتيّة ستجدين أهل البحر. مَنْ ركب أجدادهم الماء. يغنّون الأغاني نفسها في المساء”(11).

وبذلك؛ استوعبت “ناديا” إشكالية الهوية المعاصرة. بعد أن تمكنت من التمييز بين الهويتين. وبعد أن أدركت ماهية الأرض المستحدثة، بوصفها بحرًا التهمتْه اليابسة. وبعد أن تشاركت هذا الإدراك مع طائر “النورس” المتشبّث بهويته؛ شاهدًا على ما تعرضت له من تحولّات معاصرة: “هذه حدود البحر، فلا تقربوها. هناك نورس يقف أمامي، يحدّق إليّ، ولكأنه قرأ ما أفكّر فيه. كيف بُنيت هذه البيوت عليه؟! نحن زاحفون على الماء، وهذه الأحجار باقية، أمّا الساحل الحقيقيّ فاختفى”(12).

هويّة الماء، لا هويّة التراب

لقد أفلح هذا التحول المعاصر، فيما عمل عليه من إعادةِ تشكيلٍ ــ ولو نسبيةّ ــ لأبعاد الهوية، والإضفاء عليها طابعًا مُتَّسِقًا مع ماهيته. وبذلك، نشأت إشكاليةُ الهوية في مدارج الذات؛ التي انتابتها الحيرة في هويّتها، أهي تلك الهوية الحضارية المنتمية إلى البحر؟ أم هي هذه الهوية الجديدة، المنتمية إلى الأرض؟

لم تطُل هذه الحيرة؛ إذ بدَّدَتْها الرؤيةُ السردية؛ استنادًا إلى الحتمية التاريخية والثقافية. التي ترسّخ هوّيةَ الماء؛ انتماءً إلى البحر: “ماذا يعني أن نكون جزيرة بلا بحر؟! هويّتنا هي الماء”(13).

وفي سياق ذلك، عملت الرؤية السردية على تعزيز هذا الانتماء المائي. من خلال ورود عددٍ من الجمل السردية، في مساحات مختلفة من الرواية. تضمّنت تجسيدًا متناميًا لهوية الماء. من مثل: “إنّا من الماء، وإنّا له لعائدون”(14). و”إنّا منه وله عائدون”(15). و”من الماء إلى الماء”(16).

كما يتجلى هذا التجسيد الانتمائي المطرد، في تسريد مشهدٍ، اقترفَ فيه “يعقوب” جريرة في حق البحر. لذلك، لم يكن لدى أهل الجزيرة مناص من التسامح معه، فعاقبوه بالدفن إلى منتصفه، في حفرةٍ أعدّوها لذلك. وفيها كان “يسمع خرير الماء، فيختلط التراب بالتراب، لا يعلم أهو جسده المنتفض ذعرًا، أم الأرض التي أدركت من القادم، يهمس: “إننا من التراب وإلى التراب، من الماء وإلى الماء عائدون” قبل أن يغمض عينيه على آخر مشهد للجزيرة، حين رأى البحر يعود لا من ورائه بل من الأعلى، من أعلى التلة”(17).

لقد وصلت مسارات الاشتغال على هذا النسق السردي، إلى حقيقة الانتماء إلى الماء هويةً معاصرة. ثم أعطت الشخصية الرئيسة “ناديا” الفرصة؛ لتعمل على تخليد هذه الهوية. وهو ما لامَسَ شغفًا لديها، ورغبةً في العمل على تدوين ذاكرة الماء.

هيأت “ناديا” نفسها للبحث عن تفاصيل المكان: “عليّ البحث عن ذاكرة المكان قبل زوالها”(18). ثم انطلقت بإخلاصٍ تجوبُ كثيرًا من الجزر والمعالم الأثرية؛ بحثًا عن ذاكرة الأمكنة، “أبحث عن ذاكرة المكان”(19). من أجل تدوين تفاصيل هذه الذاكرة. مؤكدة ذلك، بالقول: “الجميع هنا يكتب سيرة الأرض، وأنا سأكتب سيرة الماء” (20). وهو ما تحدَّثَتْ به مع كهلٍ، صادفته في أحدى الجزر: “هناك رأيت رجلًا مسنًّا يتكئ على عصاه، انطلقتُ نحوه … حدّثته عن مشروعي، أنّي أدوّن ذاكرة الماء”(21).

تكثيفٌ وتسريدٌ متنامٍ       

لقد كانت من أهم خصائص البُنية السردية في هذه الرواية، خاصية الاشتغال الاستيعابي لمختلف التفاصيل، التي تشكلت بها الأنساق السردية. ومنها هذا النسق، الذي استهدفت فيه الرواية تسريدَ إشكاليةِ هويتيّ الأرض والبحر.

وبذلك، اتسمت المعالجة السردية للموضوع الروائيّ ــ في هذا العمل ــ بنوعٍ من التكثيف، الهادف إلى إشباع السياقات السردية، بأبعاد الفكرة الروائية.

كما اتسم الاشتغال السردي ــ في سياق ذاك الاستيعاب التفصيلي ــ بمستوىً عالٍ من التصعيد المتنامي، في مسارات التحولّات، التي طرأت على بُنية الهوية. ذلك، فيما تجلّى من تدرُّجٍ، في تسريد هذه التحوّلات: بدءًا من تأصيل هوية البحر والماء، سواء فيما ورد من تأصيلٍ تاريخيٍّ، أو ما تكاثفَ من تأصيلٍ أسطوريّ. مرورًا بتسريد اكتشاف الثروة النفطية، وتداعياتها المتصاعدة: ردمًا للمياه الضحلة، ثم المياه المالحة، ثم المياه العذبة. وانتقالًا إلى تسريد واقعية الازدواج بين الهويتين (هوية الأرض/ وهوية البحر). وانتهاءً بالذروة، التي انتصر فيها ــ هذا النسق السردي ــ للهوية التاريخية (هوية الماء/ البحر).

  1. ليلى المطوّع، “المنسيين بين ماءين”. ط2، دار رشم للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية، 2024م. ↩︎
  2. ليلى المطوع، “المنسيون بين ماءين””. أخبار الأدب، 3 يوينو 2024. متاحٌ على الرابط:
    https://akhbarelyom.com/news/newdetails/4376717/1/%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%86%D8%B3%D9%8A%D9%88%D9%86-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D9%85%D8%A7%D8%A1%D9%8A%D9%86 ↩︎
  3. ليلى المطوع، “المنسيون بين ماءين”. المرجع السابق، ص67. ↩︎
  4. نفسه، ص385. ↩︎
  5. نفسه، ص396. ↩︎
  6. نفسه. ↩︎
  7. نفسه، ص205. ↩︎
  8. نفسه، ص68. ↩︎
  9. نفسه، ص224. ↩︎
  10. نفسه، ص173. ↩︎
  11. نفسه، ص325. ↩︎
  12. نفسه، ص199. ↩︎
  13. نفسه، ص224. ↩︎
  14. نفسه، ص182. ↩︎
  15. نفسه، ص323. ↩︎
  16. نفسه، ص155. ↩︎
  17. نفسه، ص260. ↩︎
  18. نفسه، ص199. ↩︎
  19. نفسه، ص261. ↩︎
  20. نفسه، ص199. ↩︎
  21. نفسه، ص262. ↩︎

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top