نسق الثقافة السينمائية

نسق الثقافة السينمائية

نسق الثقافة السينمائية محور من محاور تشكيل البُنية الثقافية، وهو ما تجسّد بوضوح في ثقافة الأستاذ الدكتور عباس السوسوة.

نسق الثقافة السينمائية

د. عبده منصور المحمودي

الفن ــ بلا شكٍّ ــ يشكل بعدًا ثقافيًّا مهمًّا في البنية الثقافية المتكاملة، لدى الشخصية المثقفة. وقد كان هذا البُعد واحدًا من الأبعاد، التي تشكّلت بها ثقافة الأستاذ الدكتور عباس السوسوة؛ إذ تبلورت ثقافته الفنيَّة، في محورين اثنين: الأول الثقافة السينمائية، والآخر الثقافة الموسيقية والغنائية.

[1] ــ الطفولة والثقافة السينمائية

فن السينما أو (الخيالة)، من الفنون الحديثة الرائجة في العصر الحديث. وقد أقبل الناس عليه إقبالًا منقطع النظير. والسوسوة واحدٌ ممن استهواهم هذ الفن؛ إذ أقبل عليه منذ صغره. يقول عن ذلك: “عرفت السينما أولًا في تعز. وأول فلم شاهدته، كان فلمًا من أفلام “شارلي شابلن” الصامتة. ثم بعد ذلك، تعرفنا إلى السينما، من المصريين في ميدان الشهداء…”(1). ويقصد بقوله: “من المصريين”، “سينما المركز المصري”، في ميدان الشهداء. التي يتحدث عنها، في هامش صفحةٍ، من صفحات كتابه “شرح المشعططات السبع”، فيقول: إنها كانت “تقام في الميدان، وتكون الشاشة جدار حانوت إبراهيم الكبسي، وكان الرواد (يتشرطون الفلم). حتى إنهم رفضوا ذات ليلة فلم (حسن ونعيمة) وهللوا، وحثوا التراب على الشاشة، إلى أن استبدلوا به فلم (أبو حديد) لفريد شوقي ومحمود المليجي والوجه الجديد ليلى طاهر، وإخراج نيازي مصطفى”(2).

لقد كانت بدايته مع هذا الفن ــ في صغره ــ في مدينة تعز. وكان العرض آنذاك ليلًا وهو لا يزال في مرحلة دراسته الابتدائية. والصغار في هذه السن، لا يستطيعون الذهاب والإياب ــ من وإلى السينما ــ بمفردهم. ولابد من أن يكون معهم من يكبرهم سنًّا. يقول السوسوة عن ذلك:

“السينما تلك الأيام كانت في الليل، وصغار السن لابد أن يكون معهم أحد… وفي الغالب، كان دخولي السينما، في المرحلة الابتدائية، مع عمي وابن عمي عبد الرحمن السوسوة، ومع صهري محمد الجديري… وما بين الصفين: الرابع، والخامس، من هذه المرحلة الدراسية، صارت السينما بعد الظهر”(3).

وتختلف طفولة الدكتور عباس السوسوة ــ في الميل إلى هذا الفن ــ عن السائد في هذه المرحلة العمرية ــ التي يغلب عليها أن تكون فيها مثل هذه الميول مرتبطة بنزعة طفولية هادفة إلى قضاء الفراغ أو ما في سياقه ــ فإلى هذه النزعة، كان اهتمام السوسوة بهذا الفن اهتمامًا حصيفًا، قائمًا على حب الاطلاع، والاحتفاظ بتفاصيل وبيانات الفلم وصُنّاعِهِ، قدر المستطاع. يشير إلى ذلك، فيقول: “كنت إذا دخلت السينما، أكتب ما أستطيع كتابته من بيانات الفلم، في دفتر ظل معي حتى ذهبت إلى مصر، وبعد ذلك، لا أدري أين فقدته…”(4).

[2] ــ مصر وتكوين نسق الثقافة السينمائية

كانت فترة إقامة الدكتور عباس السوسوة في مصر رافدًا مهمًّا، أثرى ثقافته السينمائية. وقد تحدث عن خصوبة فترة الإقامة تلك، فقال: “كانت السينما في مصر متطورة، فهناك سينما الدرجة الأولى، من مثل: “سينما ميامي”، و”سينما مترو”. وهناك سينما الدرجة الثانية، من مثل: “سينما أوبرا”. وسينما الدرجة الثالثة، مثل “سينما مرمر”… وقد عرفت هذه الأنواع كلها. كذلك، كانت القنوات التلفزيونية تبث برامج بهذا الشأن. من مثل، برنامج “أوسكار”، الذي يتحدث عن الفلم، وصناعه، ثم يعرض الفلم، ثم حديث بعد الفلم مع بعض السينمائيين. وبرنامج “نادي السينما”ـ لدربة شرف الدين”(5).

وكما كان ارتياد السينما وسيلة الدكتور عباس السوسوة؛ لتكوين ثقافته السينمائية، كانت القراءة وسيلةً من وسائل هذا التكوين. ومما تحدث عنه في هذا الشأن، قوله: “كان الاطلاع على المجلات من روافد هذه الثقافة، كمجلة “السينما”. وكان لديّ كتاب، اسمه “السينما في مصر”، كان معي وأنا لا أزال في الصف السادس من المرحلة الابتدائية، كما كان عندي، أيضًا، كتاب في الحيل السينمائية، إضافة إلى كتب أخرى في السينما…”(6).

وبذلك، فإن الثقافة السينمائية، قد تبلورت عند السوسوة؛ إشباعًا لميله إلى هذا الفنّ، الذي ظل ملازمًا له، حتى صار جزءًا من برنامجه اليومي، ففي الساعات الأولى من كل مساءٍ ــ إن لم يشاهد مباراة رياضية ــ فإنه يشاهد فلمًا سينمائيًّا(7).

[3] ــ تجليات نسق الثقافة السينمائية

لقد مثّلت الثقافة السينمائية ــ هذه ــ محورًا رئيسًا في ثقافة السوسوة الفنية، فظهرت ملامح منها، في مواطن من كتاباته وأبحاثه، سواءٌ تلك الملامح المتعلقة بالسينما العربية، أو تلك الملامح المتعلقة بالسينما الأجنبية.

[3ــ1] ــ السينما العربية في مصر

ثقافة السوسوة السينمائية المتعلقة بالسينما العربية ــ والسينما المصرية تحديدًا ــ، ثقافة واسعة، بدت ملامحها في مواضع متعددة، من كتاباته وأبحاثه.

ولعل أوضح تجلٍّ لذلك؛ ما جاء في نقده واستدراكاته، على كتاب “دليل الأفلام في القرن العشرين في مصر والعالم العربي”، لمؤلفه محمود قاسم. من مثل استدراكه ما سقط من أسماء الممثلين، كما في هذا النموذج:

“ص 156 ظلموني الناس لحسن الإمام، سقط إبراهيم حشمت واسترشطاح وعبد الحميد لطفي ومنير الفنجري وعبد المنعم إسمعيل وإسكندر منسي”(8).

كذلك، يستدرك ما سقط من أسماء مؤلفي أغاني الأفلام من مثل هذا الاستدراك، الذي يقول فيه: “ص192 حبيب قلبي إخراج حلمي رفلة وبطولة هدى سلطان ورياض السنباطي، سقط مؤلفا الأغاني: حسين السيد وصالح جودت”(9).

ويستدرك، أيضًا، ما سقط من أسماء المخرجين، بل والمساعدين في الإخراج، والمشاركين في سيناريو الفلم. ويصحح ما وقع فيه المؤلف من أخطاء في ذلك، من مثل ما جاء في هذا الاستدراك:

“ص 291 شباب اليوم لمحمود ذو الفقار، سقط من المشاركة في القصة والسيناريو عبد العزيز سلام.

وجاء أن مساعد المخرج: عبد العزيز جاد وهذا خطأ فللمخرج مساعدان: نجدي حافظ وحسن إبراهيم …”(10).

كذلك يصحح السوسوة أخطاء تتعلق بالمدة الزمنية للفلم، من مثل تصويبه هذا الخطأ:

“ص381 النشال لمحمود فريد … وجاء أنه 85 ق وصحته 95”(11). أي ليس زمن الفلم خمسًا وثمانين دقيقة، بل خمسٌ وتسعون دقيقة.

ومن استدراكاته، استدراك ما سقط من تفاصيل ومشاهد سينمائية في حديث المؤلف عن بعض الأفلام، كما في هذا الاستدراك:

“470 أبي فوق الشجرة لحسين كمال وبطولة عبد الحليم، سقط استعراض محكمة البلاج، وجانا الهوى جانا…”(12).

ولأنه على درايةٍ واسعةٍ بتفاصيل الأفلام السينمائية، وبياناتها، استدرك تفاصيلَ وبياناتٍ دقيقة، كاستدراكه ما سقط من أسماء فنِّيين ومهندسي أصوات، من مثل هذا الاستدراك:

“ص480 سكرتير ماما للصيفي سقط مهندس الصوت: أحمد جابر …”(13).

وكذلك هو الأمر، في تصويباته لتواريخ أول عرضٍ للأفلام السينمائية. تلك التصويبات المستندة إلى متابعة مستمرة، لكل جديد في عالم السينما، ومن ذلك هذا التصويب:

“ص497 الأشرار لحسام الدين مصطفى، جاء أن أول عرض في 28/9/1970م وهذا لا يصح فالعادة في مصر أن تعرض الأفلام الجديدة يوم الاثنين وهذا التاريخ صادف يوم الأربعاء يوم وفاة جمال عبد الناصر”(14).

وتعكس استدراكاته ــ وتصويباته لما ورد في هذا الكتاب ــ ملامح من تفاصيل ثقافته السينمائية، المتشكِّلة من معلومات غزيرة، وتفاصيل وبيانات دقيقة، عن: أسماء الممثلين، والمخرجين، والفنيين. والأغاني، ومؤلفيها، وملحنيها، ومن يتغنون بها. ومشاهد سينمائية. وغير ذلك، من تفاصيلَ وبياناتٍ، تمثل ملمحًا بارزًا، من ملامح ثقافته السينمائية الواسعة بالمُنْتَج السينمائي العربي، بكل دقائقه وتفاصيله.

[3ــ2] ــ السينما الأجنبية

ثقافة السوسوة السينمائية، غير مقصورةٍ على المنتج السينمائي العربي، بل احتوت إلى ذلك بعضًا من المنتج السينمائي الأجنبي. ومن ملامح ذلك، ما ورد في مواضع من كتاباته وأبحاثه، من معلوماتٍ عن أفلامٍ هندية، وأمريكية، وإيطالية.

ومن الملامح المجسدة لثقافته السينمائية، وثقافته المستمدة من الأفلام الهندية، ما جاء في حديثه عن وجود ألفاظٍ عربية في اللغة الهندية المعاصرة؛ إذ يستشهد بما ظهر في الأفلام الهندية، من هذه الألفاظ، فيقول:

“وإليكم بعض الألفاظ التي نصادفها في الأفلام الهندية:

إنسان (للإنسان كامل الصفات)، بعدما، بَعز (= بعض)، ثبوتي (دليل، إثبات)…”(15).

ومما يجسد ثقافته السينمائية التي استمدها من السينما الأمريكية، ما جاء في مواضع من كتاب “شرح المشعططات السبع”، في حديثه عن الأعمال التي اتخذت من أسماء أيام الأسبوع عنوانًا لها؛ من مثل: “فلم أمريكي عنوانه (حمى ليلة السبت)”(16).

وفي تشريح السوسوة “أسطورة نخوة المعتصم”، يفند هذه القصة، القائمة على اختصار الزمن، بسرعةٍ غير واقعية، فالقصة تقول إن المعتصم، بعد معرفته خبر المرأة المسلمة، ترك الكأس في يده، من دون أن يتم شربها، وذهب إلى عمورية بجيشٍ ضخم، وافتتحها، ثم عاد لإكمال شرب الكأس. ويعلق السوسوة على ذلك، مضمنًا تعليقه أسماء ممثلين، ونجومًا سينمائيين، ومعلوماتٍ سينمائية، خاصة بالسينما الإيطالية، فيقول:

سيلاحظ القارئ الكريم أن المشهد الذي يبدأ فيه (البطل عملًا ما: شرب كأس، إتمام طبخة… ثم يفجؤه طارئ يعجله عن إكمال ما بدأ ثم يعود بعد إنجازه، لهو متوفر في الأفلام الإيطالية التي سميت (ويسترن اسباجيتي) ومن أبطالها: جوليا نو جيما، أنتوني ستيفن، تيرنس هل… كما هو موجود في أفلام العميل (700) جيمس بوند بأبطالها: شين كوني، جورج مور، تيموثي دالتون. ولا تخلو منه أفلام الحركة التي يمثلها: مِل جبسون، بروس ويليس، جان كلود فان دام …”(17).


  1. من المقابلة التي أجراها معه الباحث، في منزله بتعز، يوم الأربعاء: 11 ربيع الأول 1429هـ ـ 19 مارس 2008م. ↩︎
  2. ضياء الدين بن جمال الذماري، “شرح المشعططات السبع”. تحقيق وتعليق: عباس علي السوسوة. ط1، مركز عبادي للدراسات والنشر، صنعاء، 1428هـ ـ 2007م، ص: (16)، هامش: (3). ↩︎
  3. من المقابلة التي أجراها معه الباحث، في منزله بتعز، يوم الأربعاء: 11 ربيع الأول 1429هـ ـ 19 مارس 2008م. ↩︎
  4. نفسه. ↩︎
  5. نفسه. ↩︎
  6. نفسه. ↩︎
  7. نفسه. ↩︎
  8. عباس السوسوة، “دليل الأفلام في القرن العشرين في مصر والعالم العربي، عرض ونقد”. صحيفة الثقافية، تعز، العدد (360)، 3 نوفمبر 2006م، الحلقة الأولى، ص: (13). ↩︎
  9. نفسه،  العدد (361)، 9 نوفمبر 2006م، الحلقة الثانية، ص: (23). ↩︎
  10. نفسه، العدد (362)، 16 نوفمبر 2006م، الحلقة الثالثة، ص: (22). ↩︎
  11. نفسه، العدد (263)، 23 نوفمبر 2006م، الحلقة الرابعة، ص: (22). ↩︎
  12. نفسه، العدد (364)، 30 نوفمبر 2006م، الحلقة الخامسة، ص: (15). ↩︎
  13. نفسه، العدد (365)، 7 ديسمبر 2006م، الحلقة السادسة، ص: (15). ↩︎
  14. نفسه. ↩︎
  15. عباس علي السوسوة، “دراسات في المحكية اليمنية”. ط2، مركز عبادي للدراسات والنشر، صنعاء، 1428هـ ـ 2007م، ص: (154). ↩︎
  16. ضياء الدين بن جمال الذماري. “شرح المشعططات السبع”. مرجع سابق، ص: (87). ↩︎
  17. عباس علي السوسوة، “تشريح أسطورة نخوة المعتصم”. مجلة جذور، إصدارات النادي الثقافي الأدبي بجدة، العدد (23)، المجلد (10)، صفر 1427هـ ـ مارس 2006م، ص: (158). ↩︎

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top