نسق المعرفة اللسانية

نسق المعرفة اللسانية

يحيل نسق المعرفة اللسانية على مرجعية هذا النسق، وصور تشكُّله وملامحه في البنية المعرفية، وسياقات تكوينها الثقافي والمعرفي.

نسق المعرفة اللسانية

د. عبده منصور المحمودي

ما المراد بنسق المعرفة اللّسانية؟ يحيل هذا التساؤل على مادة هذا النسق، وصور تشكيله والمرجعيات التي ينهل منها الشخص في رحلته العلمية والثقافية، التي يبني من خلالها هذا النسق في بُنيته المعرفية.

وللوقوف على بعضٍ من تفاصيل الإجابة على هذا التساؤل، يمكن الاستئناس بدائرة التخصص اللّساني، من خلال التطرّق إلى تجربة واحدٍ من أعلامها المعاصرين. ولعلّ تجربة أستاذ اللسانيات الحديثة في جامعة تعز، البروفيسور عباس السوسوة واحدة من أهم التجارب المعرفية في هذا السياق؛ لما تتميّز به بُنيته العلمية من معرفة لسانية قديمة، ومعرفة لسانية حديثة. وما يتعلّق من ذلك، بالتنّوع اللّغويّ الفاعل في تشكيل نسق معرفته اللسانيّة.

[1] ــ نسق المعرفة اللسانية القديمة
[1ــ1] ــ الفكر اللغوي العربي القديم

المراد بالمعرفة اللسانية القديمة ــ لدى الأستاذ الدكتور عباس السوسوة ــ تلك المعرفة الخاصة بجهود القدماء في الدراسات اللغوية، التي تُجسِّد الأساس المتين لمعرفته اللسانية؛ فهو بدايةً متخصصٌ في دراسة اللغة العربية. وبذلك، لا بد من معرفةٍ متكاملةٍ، تشمل كل ما يتعلق بنشأة هذه اللغة، وتفاصيلها، ودقائقها، وقواعدها، ومعاييرها. ولا يتأتى ذلك، إلا بدراسة ما صنّفه علماء اللغة القدماء، من مؤلفاتٍ بهذا الشأن.

وقد سلك السوسوة هذا المسلك؛ فكانت جهود القدماء، ومؤلفاتهم، رافدًا رئيسًا في تكوين معرفته اللسانية القديمة. كما تمثّل له هذه المؤلفات سندًا بحثيًّا؛ إذ يقتبس منها براهينه، ودلائله، على ما يتناوله من ظواهرَ لسانية، في أبحاثه ودراساته اللغوية.

[1ــ2] ــ كتاب “العربية الفصحى المعاصرة وأصولها التراثية”

من تجليّات المعرفة اللغوية القديمة لدى السوسوة ما تضمّنه كتابه “العربية الفصحى المعاصرة وأصولها التراثية”، من اقتباساتٍ ونصوص، اقتبسها من مؤلفاتِ علماء اللغة القدماء، مبيّنًا من خلالها أصل ظاهرةٍ من الظواهر، أو مفندًا رؤية من الرؤى.

ويتضح ذلك، بالنظر إلى الهوامش، التي يحيل بها على مؤلفات علماء اللغة القدماء، ومصنفاتهم. من مثل الإحالة الواردة في حديثه عن أداة العطف المركبة “بل و”، في العربية الفصحى المعاصرة؛ إذ بيّن أن أداة العطـف المركبة “بل و”، لم ترد في عربية عصر الاحتجاج، وأن الوارد مقصور على حديث النحاة واللغويين عن “بل” وحدها(1)، إذ تتمثل وظائفها عند النحاة في:

“(أ) الاستدراك (ب) الإضراب عما قبلها وإثبات الحكم لما بعدها (ج) الاستئناف (د) وتأتي للتدريج والزيادة إذا تكرر ورودها في التركيب”(2).

ويحيل في الهامش، على عددٍ كبير من كتب اللغة، قائلًا: “وإن كنتَ مُحبًّا للمقارنة فها هي مراجعنا في هذا الحكم”(3).

ومن الكتب والمؤلفات التي أحال عليها في هذا الهامش: “الكتاب”، لسيبويه. و”المقتضب”، للمبرد. و”معاني الحروف”، للرماني. و”شرح المفصل”، لابن يعيش. و”شرح كافية ابن الحاجب”، للاستراباذي. و”الجنى الداني في حروف المعاني”، للمرادي. وكتابا: “مغني اللبيب” و”أوضح المسالك”، لابن هشام الأنصاري(4).

[2] ــ نسق المعرفة اللسانية الحديثة

تُمثل المعرفة اللسانية الحديثة التخصصَ العلمي الدقيق للدكتور عباس السوسوة؛ إذ كانت ميدان رسالته في مرحلة “الماجستير”، التي درس فيها “لهجة ذمار ــ دراسة صوتية وصفية”. كما كانت ميدان أطروحته لـ”الدكتوراه”، التي درس فيها “مستويات اللغة العربية في الصحافة اليمنية المعاصرة”.

وفيما بعد صار علم اللغة الحديث  ــ اللسانيات ــ مجالَ أبحاثه اللغوية. كما صار منهج الدراسة اللغوية التاريخي توجهَهُ اللساني، في دراسته للظواهر اللغوية، بمعية استفادته ــ بدرجات متفاوتة ــ من إجراءات مناهج البحث اللساني الأخرى: الوصفي، والمقارن، والتقابلي.

وكما كانت مؤلفات القدماء اللغوية رافدًا لمعرفته اللغوية، كانت مؤلفات علم اللغة الحديث، واللسانيات الحديثة ــ عربيةً وأجنبية ــ رافدًا لمعرفته اللسانية أيضًا؛ إذ استند إلى ما فيها من رؤى وأفكارٍ لسانية في دراساته اللغوية، وفي ملاحظاته المتسمة بطابع النقد المنهجي.

[2ــ1] ــ ملاحظات على “محاضرات في الألسنية العامة”

من ملاحظاته النقدية ــ المتسمة بطابع النقد المنهجي، المجسدة ملمحًا من ملامح معرفته اللسانية الحديثة ــ ما سجّله من ملاحظات على إنتاج مؤسس علم اللغة الحديث، العالم اللغوي الشهير، (فرديناند دي سوسير). وبوجه خاص كتابه الأكثر شهرة في علم اللغة الحديث، والترجمات المتعددة، التي قدمتْه بعناوين مختلفة؛ إذ جاء ضمن ملاحظاته المنهجية، على صاحب كتاب “توثيق الترجمة والتعريب” الآتي:

  • “محاضرات في الألسنية العامة، ترجمة يوسف غازي [و] مجيد النصر… والترجمة عن النص الفرنسي. ولم يذكر ذلك”(5).
  • “”نقله عن الإنجليزية أحمد نعيم الكراعين بعنوان (فصول في علم اللغة العام) ونشرته دار المعرفة الجامعية في الإسكندرية عام 1985م”. وعندي نسخة اشتريتها في معرض القاهرة الدولي للكتاب، في بداية فبراير 1983م، لكن هذه الأسبقية لا خير فيها، فالترجمة غير دقيقة ولا أمينة، فلا تكاد تفهم منها كثيرًا للأسف”(6).
  • “وصدر بعنوان (علم اللغة العام) ترجمة يوئيل يوسف عزيز، ونشره بيت الموصل في العراق عام 1988م”. أقول: الطبعة الأولى صدرت عن (جامعة الموصل) عام 1984م. ورغم أن الطبعة الثانية جاء على غلافها (راجع النص العربي مالك المطلبي) فإنها ظلت أعجمية، في المرتبة الثانية بعد عمل الكراعين”(7).
  • “فاته الترجمة التي نشرتها الجامعة التونسية 1985م، وعنوانها (محاضرات في الألسنية العامة) وأنجزها المرحوم د. صالح القرمادي (ت 1982م) بمعونة تلميذيه محمد الشاوش ومحمد عجينة. وهذه أدق الترجمات في رأيي”(8).

في هذه الملاحظات، يتضح مدى إلمامه بتفاصيل نشر هذا الكتاب، وتفاصيل البيانات الخاصة بترجمته، ومترجميه، ودور نشره. مع معرفة مستوى كل ترجمة من ترجماته، وأدق تلك الترجمات. مما يدل على اطلاعٍ كامل على هذا الكتاب، ومتابعة مستمرة لكل جديدٍ يطرأ عليه، لاسيما ترجماته، وطبعاته.

[2ــ2] ــ فضاءات علم اللغة الحديث

ظهرت معرفة السوسوة اللسانية الحديثة، في مواطن شتى من أبحاثه ودراساته، سواءٌ في ملاحظات النقد المنهجي لديه، أو في نصوصٍ واقتباساتٍ، من مؤلفاتٍ في علم اللغة الحديث. من مثل مؤلفاتٍ في علم اللغة الاجتماعي(9). أو علم اللغة النفسي(10). أو غير ذلك، من المؤلفات والكتب العربية والأجنبية، ذات العلاقة بعلم اللغة الحديث.

[3] ــ نسق التنوع اللغوي

اتسمت معرفة السوسوة اللغوية بسمة التنوع، التي تمثّلت في إجادته ــ بمعية لغته الأم، العربية الفصحى ــ أكثر من لغة. مع إلمامٍ بمبادئ وأساسياتٍ لغويةٍ، لأكثر من لغةٍ، أيضًا.

والحفاظ على اللغة الأصلية، مع الحرص على تعلم واكتساب لغاتٍ أخرى، يمثل هدفًا من أهداف إعلان اليونسكو العالمي بشأن التنوع الثقافي؛ إذ ينص الهدف السادس من أهداف هذا الإعلان، على: “تشجيع التنوع اللغوي ــ مع احترام اللغة الأصلية ــ على جميع مستويات التعليم حيثما أمكن ذلك والحث على تعلم عدة لغات منذ الطفولة المبكرة”(11).

وقد جسدت أبحاث الدكتور عباس السوسوة وكتاباته هذا التنوع اللغوي، الذي قام عنده على معرفةٍ لغويةٍ متنوعة، عربية: فصحى، ومحكية. وأجنبية: إنجليزية، وفرنسية، وفارسية… إلى جانب ملامح من معرفةٍ لغوية، بمبادئ وأساسيات لغاتٍ أخرى.

[3ــ1] ــ اللغة العربية الفصحى

من بداهة القول، إن العربية الفصحى، أهم اللغات، بين لغات التنوع اللغوي، عند السوسوة؛ فهو يعيش في بيئةٍ عربية، ولغة تحصيله العلمي، في مراحل دراسته الأولى هي العربية الفصحى. كذلك دراسته الجامعية ذات تخصصٍ في دراسة هذه اللغة. وعزّزت دراساته العليا هذا الاتجاه، لا سيما أطروحته العلمية التي تقدم بها؛ لنيل درجة الدكتوراه، التي درس فيها مستويات اللغة العربية في الصحافة اليمنية المعاصرة(12).

وكان عمله بعد الدراسة، في جامعة تعز، ميدانًا تطبيقيًّا لهذا التخصص: تدريسًا، وأبحاثًا، ودراساتٍ. وكذلك الإشراف، ومناقشة الرسائل والأطاريح العلمية، المقدمة لنيل درجة الماجستير أو الدكتوراه.

وقد تضمن كتابه “العربية الفصحى المعاصرة وأصولها التراثية”، تفاصيل معرفته بهذه اللغة، واطلاعه على دقائقها، ومراحل تطورها التاريخي؛ لذلك فهي لغته الأولى، وميدان تخصصه العلمي، واللغة التي يجيدها بلا ريب(13).

ويتضح مدى إجادته هذه اللغة وتمكنه منها، من خلال قدرته على الكتابة بها، مطوِّعًا إياها؛ لتكون قالبًا يعبر فيه عن أفكاره ورؤاه، بطريقةٍ سلسةٍ واضحةٍ بعيدةٍ عن التعالم أو التعالي، الذي يُلاحَظ في كتابات بعض المؤلفين والكُتاب؛ إذ يصل قارئ أعمال السوسوة، عن طريق لغتها، إلى أفكاره، ورؤاه، ومضامين أعماله بسهولةٍ ويسر؛ فلا غموض ولا إبهام، ولا تعالٍ، ولا تعالم، ولا طرق ملتوية.

والسوسوة بهذا، يتميز ويختلف عن كثيرٍ من المؤلفين، في مجال علم اللغة الحديث؛ وبذلك يمكن القول: إن اللغة قادرة على توصيل الأفكار والرؤى، وقادرة على استيعاب وتوصيل ما يُصَبُّ فيها، إذا امتلك الكاتب أو المؤلف قدرة على تطويعها تطويعًا يؤهلها لتحقيق هذا الغرض على أكمل وجهٍ. حتى وإن كان ذلك في مجالٍ علميٍّ بحت، كعلم اللغة الحديث.

[3ــ2] ــ اللغة الإنجليزية
[3ــ2ــ1] ــ مرجعية التشكُّل

اللغة الإنجليزية مُكَوِّنٌ من مكونات التنوع اللغوي، عند السوسوة. يقول عن مدى تمكنه من هذه اللغة: “إجادتي للغة الإنجليزية، أنني أستطيع القراءة بها بسهولة، وفي الكتب المتخصصة، لابد من الاستعانة بمعاجم عربية، أو إنجليزية… الحديث بالإنجليزية لا أجيده؛ لأنني تعودت على شيءٍ مقروء… كذلك أستطيع أن أكتب بها ملخصًا ومستخلصًا… أكثر من هذا، لم أجرب نفسي أن أؤلف باللغة الإنجليزية”(14).

وقد كان ما تضمنته دراسته الجامعية، في مصر عاملًا مهمًّا في تعزيز اكتساب هذه اللغة. إلى جانب ما تعلمه منها، في دراسته قبل الجامعية في اليمن. يقول موضحًا ذلك: “في مصر، دخلت بعض المعاهد، لكنني لم أستمر فيها. ومع ذلك، فقد كان في كل سنةٍ، ضمن مفردات المقررات الدراسية، (لغة إنجليزية وترجمة). الذي يدرسنا اللغة الإنجليزية، من قسم اللغة الإنجليزية، والذي يدرسنا الترجمة، من قسم اللغة العربية؛ فمرة محمود مكي، ومرة جابر عصفور… مثلًا: يأتينا بنصوصٍ من كتبٍ باللغة الإنجليزية، وعلينا أن نترجمها، ونأتي فنقرأها أمامه ونعرضها عليه، فيقوِّم لنا ما قرأنا، ويصحح الأساليب، ويصحح الألفاظ، وما إلى ذلك”(15).

[3ــ2ــ2] ــ تجليات المعرفة باللغة الإنجليزية

وردت ملامح من معرفة السوسوة باللغة الإنجليزية، في مواضع من كتاباته وأبحاثه. من ذلك، ما جاء في دراسته اللغوية لظاهرة “بل و” في العربية الفصحى المعاصرة، ففي تعليقه على من يقول بأن هذه الظاهرة حديثة في العربية الفصحى المعاصرة، ومستعارة عن طريق الترجمة، يقول:

“ونحن نقول إن النمط الذي ترد فيه “بل” رابطة بين تركيب سابق فيه نفي وتركيب آخر يوجد ما يشبهه في الإنكليزية، ولكن ذلك لا يعني أن العرب المعاصرين استعاروه عن طريق الترجمة، فسنجد من الشواهد التي سنأتي بها ما يقابله تمامًا”(16).

ومن ذلك ــ أيضًا ــ ما جاء في مقابلته بين اللغة العربية واللغة الإنجليزية؛ ردًّا على من يقول إن التأثر بالترجمة عن اللغات الأوربية، هو سبب وجود ظاهرة مصاحبة الفعل “أثر”(17)، والفعل “أكد”(18) لحرف الجر “على”، في العربية الفصحى المعاصرة.

كما أن من ملامح معرفته باللغة الإنجليزية ما ورد في مواضع، من أبحاثه ودراساته اللغوية، من إحالاتٍ إلى كتبٍ ومراجعَ مؤلفةٍ بهذه اللغة. سواءٌ أكانت هذه الكتب والمراجع دراسة للغة العربية، أو للإنجليزية نفسها، أو لموضوعاتِ ومحاورِ الدرسِ اللساني الحديث بفروعه المختلفة.

[3ــ3] ــ اللغة الفرنسية

إلى جانب اللغة الإنجليزية ــ من عائلة اللغات الهندوأوروبية ــ تأتي اللغة الفرنسية مكوِّنًا آخر، من مكونات التنوع اللغوي عند السوسوة. وقد بدأ تعلم هذه اللغة؛ كي يتجاوز امتحان مقرر اللغة الفرنسية، الذي لم يدرسه في مرحلة دراسته الثانوية، يقول عن ذلك:

“بدأت أتعلم اللغة الفرنسية، في مصر، وأنا في المستوى الثاني، وكان الهدف ليس علميًّا صراحة، وإنما كان هدفًا نفعيًّا؛ فقد كان عليَّ امتحانٌ، على مستوى الثانوية العامة، في اللغة الفرنسية ــ هنا في اليمن لم يكن في الثانوية العامة مقرر لغة فرنسية، وهناك لا بد منها ــ وحينما كنت أذهب لقطع البطاقة الجامعية، كانوا ينبهونني على ذلك… وكانوا يعْقدون الامتحان ثلاث مرات في العام الدراسي، وفي المستوى الثاني، التحقت بمعهدٍ لتعليم اللغة الفرنسية، ولم ينضم إليه غيري؛ فلم يكن فيه إلا أنا والمُدَرِّسة، وكان مستوى التدريس متدنيًّا: كلمة ومعناها، وحفظ قواعد… فلم أستمر فيه أكثر من شهرين، لكني تعلمت بعض القواعد، وبعض الألفاظ…”(19).

وجاءت السنة الرابعة، وهي الأخيرة في مرحلة “الليسانس”، وكان عليه الخروج بحلٍّ لموضوع المقرر الفرنسي المُطالب به من الجامعة؛ فكان المركز الثقافي الفرنسي طريقه للإلمام بهذه اللغة، وحل مشكلته تلك، يقول:

“قبل الدخول في السنة الرابعة الأخيرة، أُنذِرْتُ بأنني لن أتخرج إلا باجتياز امتحان هذا المقرر. دخلت المركز الثقافي الفرنسي، وفي اختبار تحديد المستوى، قلت لهم: لا أعرف شيئًا. خيروني بين مكثف، وغير مكثف، اخترتُ المكثف، ثلاث ساعات في اليوم، ثلاثة أيام في الأسبوع.

طريقة التدريس هنا، كانت أفضل؛ لأنها تقوم على أشياء كثيرة: المشاركة الحوارية بين المدرس والطلاب، وكنا من جنسياتٍ مختلفة، بالإضافة إلى السينما، يلي ذلك تدريبات صوتية، والتخاطب مع المُدَرِّسة، ثم يعقب ذلك كتابة ورقة أو ورقتين ــ هذا في كل درس؛ فهم يجمعون هناك ما بين المكتوب والمنطوق ــ وفي آخر أسبوعين، كان المعمل الصوتي، كأن يسألك سؤالًا، وأنت تجيب، وبعد ذلك، تصحح لنفسك… المهم، اجتزنا الدورة الأولى بنجاح. ودرست الدورة الثانية حتى الثلثين الأخيرين منها، وجاءت الامتحانات، فلم أكملها.

وقد أفادتني هاتان الدورتان ــ غير الشجاعة والمخاطبة، أو المحادثة بالفرنسية ــ القراءة بالفرنسية، وأفادتني بعد ذلك، في قراءة كتابٍ مهمٍّ في اللغة العربية الحديثة، قرأته بسهولةٍ جدًّا، بالاستعانة بمعجمين عاديين…”(20).

ومن الملامح التي وردت في مواضع من أعماله، مجسدة معرفته بهذه اللغة، ما جاء في مقابلته بين اللغة العربية واللغة الفرنسية؛ ردًّا على القائلين إن ظاهرة مصاحبة الفعل “أثر”(21)، والفعل “أكد”(22)، لحرف الجر “على” ظاهرة لغوية حديثة في العربية الفصحى المعاصرة، جاءت نتيجة للتأثر بالترجمة عن اللغات الأوروبية؛ إذ برهن في تلك المقابلة اللغوية، عدم صحة ما ذَهَبَ إليه هؤلاء الباحثون.

[3ــ4] ــ اللغة الفارسية

ظهرت ملامح من معرفة السوسوة باللغة الفارسيّة، في مواضع من أبحاثه ودراساته. من ذلك، ما ورد في بحثه، الذي درس فيه الألفاظ الهندية في المحكية اليمنية. فمن بين تلك الألفاظ الهندية ألفاظٌ يعود أصلها إلى الفارسية، أو تشترك فيه اللغتان: الهندية، والفارسية.

ومن أمثلة ذلك، الألفاظ: “سنبوسة”(23). و”خُردَة:(24). و”رَنج”(25). و”كَمَر”(26). و”ميز”(27). وغير ذلك، من الألفاظ الهندية المقترضة في المحكية اليمنية.

كذلك، من ملامح معرفته بهذه اللغة، ما جاء في بعض ملاحظاته النقدية. من مثل هذه الملاحظة، الواردة ضمن ملاحظاته النقدية، على مترجم كتاب “اللغة العربية” لـ(كيس فرستيغ)؛ إذ يقول فيها:

“274ف2(28) تحتوي معظم التوليفات على الفعل الفارسي kardan . قلت: نسي المترجم أن اللغة الفارسية تكتب بالحروف العربية، وحقه أن يكتب: كردن.

وفي الفقرة نفسها: كما هي الحال في: Xabar essan dard

صوابه: خبر ايشان كرد”(29).


  1. عباس علي السوسوة، “العربية الفصحى المعاصرة وأصولها التراثية”: دار غريب، القاهرة، 2002م، ص: (173). ↩︎
  2. نفسه. ↩︎
  3. نفسه، ص: (213). ↩︎
  4. نفسه. ↩︎
  5. عباس علي السوسوة، “ملاحظات على كتاب الصوينع (توثيق الترجمة والتعريب)”. مجلة علامات، إصدارات النادي الأدبي الثقافي بجدة، العدد (57)، المجلد (15)، رجب 1427هـ ـ سبتمبر 2005م، ص: (104). ↩︎
  6. نفسه. ↩︎
  7. نفسه. ↩︎
  8. نفسه. ↩︎
  9. يُنظر على سبيل المثال:
    ــ عباس علي السوسوة، “العربية الفصحى المعاصرة وأصولها التراثية”. مرجع سابق، ص: (247).
    ــ عباس علي السوسوة، “دراسات في المحكية اليمنية”. ط2، مركز عبادي للدراسات والنشر، صنعاء، 1428هـ ـ 2007م.، ص: (24)، هامش: (1)، و ص: (28)، هامش: (3). ↩︎
  10. يُنظر على سبيل المثال: عباس السوسوة، “العربية الفصحى المعاصرة وأصولها التراثية”. مرجع سابق، ص: (248). ↩︎
  11. إعلان اليونسكو العالمي بشأن التنوع الثقافي، المؤتمر العام لليونسكو، الدورة الحادية والثلاثون، باريس، 2 نوفمبر/ تشرين الثاني 2001م. ↩︎
  12. عباس علي السوسوة، “مستويات اللغة العربية في الصحافة اليمنية المعاصرة”. رسالة دكتوراه (غير منشورة)، كلية الآداب ـ جامعة القاهرة، 1989م. ↩︎
  13. من المقابلة التي أجراها معه الباحث، في منزله في تعز، يوم الأربعاء: 16 جمادى الأولى 1429هـ ـ 21 مايو 2008م. ↩︎
  14. نفسه. ↩︎
  15. نفسه. ↩︎
  16. عباس علي السوسوة، “العربية الفصحى المعاصرة وأصولها التراثية”. مرجع سابق، ص: (175). ↩︎
  17. نفسه، ص: (201). ↩︎
  18. نفسه، ص: (204،203). ↩︎
  19. من المقابلة التي أجراها معه الباحث، في منزله بتعز، يوم الأربعاء: 16 جمادى الأولى 1429هـ ـ 21 مايو 2008م. ↩︎
  20. نفسه. ↩︎
  21. عباس علي السوسوة، “العربية الفصحى المعاصرة وأصولها التراثية”. مرجع سابق، ص: (201،200،192). ↩︎
  22. نفسه، ص: (205،204). ↩︎
  23. عباس علي السوسوة، “دراسات في المحكية اليمنية”. مرجع سابق، ص: (164). ↩︎
  24. نفسه، ص: (162). ↩︎
  25. نفسه، ص: (163). ↩︎
  26. نفسه، ص: (169). ↩︎
  27. نفسه، ص: (170). ↩︎
  28. الرقم للصفحة والفاء للفقرة، كما هي عادته. ↩︎
  29. عباس علي السوسوة، “اللغة العربية: تأليف: كيس فرستيغ، ترجمة: محمد الشرقاوي”. عرض ونقد. مجلة الدراسات اللغوية، مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، الرياض، العدد (3)، المجلد (9)، رجب ـ رمضان 1428هـ  ــ يولية ـ سبتمبر 2007م، ص: (222). ↩︎

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top