مأساة الفاكهة الصفراء
على بعد دقائق من الثانية فجرًا، دوّى صوتُ ارتطامٍ شديد على مقربة من المنزل. كانت غرفة خالد مطْفأة، بينما كانت هناء تطلُّ من نافذتها المفتوحة على الجهة التي وصل منها الصوت. صُعِقت بما حدث، فارتفع صوتُها بكاءً وعويلًا، لا يخطئ مَنْ يسمَعُه في تأويلِ حدوثِ مصيبةٍ كُبرى.
هرولت وصوتُها الباكي المستغيثُ يهز أرجاء المنزل. انتفض أفرادُ عائلة خالد كلهم، لم يفهموا ماذا تعني بقولها: “خالد يا عم محمود … ! خالد يا عم محمود … !”. لم تعطهم فرصة ليتساءلوا؛ فتسارعوا خلفها؛ وهي تتجاوز عتبة الباب الخارجي، نحو الجهة الغربية، التي يشرف منها المنزل، على هاوية سحيقة.
على بعد خطواتٍ من حافة تلك الهاوية، سقطت هناء، فأغمي عليها. كانت تشير إلى الظلام البعيد، في قعر الهاوية. سرعان ما صُعقوا بما تعنيه، من انطلاق خالد بسيارته إلى ذاك المكان. وبعد لحظاتٍ وجيزة، كان ليلُ القرية يرتعد بمأساة رحيل خالد الأبدي.
القرية ملاذٌ وخاتمة
يقيم الحاج محفوظ، في منزله الكبير مع عائلته. باستثناء بناته الثلاث، اللواتي يُقِمْنَ في منازل أزواجهن. ثلاثتهُنَّ، كانت ولاداتهنَّ مُتواليةً بعد ميلاد الأخ البكر عبد الله. وبعدهنّ وُلِدَ خالد. ثم نبيل. ثم آخر العنقود حنان، التي صارت شابةً، في ربيعها السابع عشر.
قبل شهرٍ استقبل عبد الله محفوظ مولوده الخامس. يعمل عبد الله مدرسًا في مدرسة القرية. وإلى ذلك، فهو يعمل فلاحًا في مزارع أبيه. وقد وفَّر عليه عملُ المزرعة التداعيات القاسية، التي تركتها أزمة انقطاع الرواتب. كواحدةٍ من تبعات الصراع وانهيار الحياة السياسية والاقتصادية في البلد. ذاك الانهيار الذي كان ـــ من جهةٍ أخرى ـــ وراء تَوَجُّهِ أخيه العازب نبيل، إلى العمل في مزارع أبيه. واكتفائه بشهادة الثانوية العامة، بعد مرور سنةٍ على نيلها.
مزارعُ الحاج محفوظ، وفّرت ــ في الوقت نفسه ــ على خالد الكارثة المالية نفسها. إذ عاد مع أسرته إلى منزل أبيه في القرية. بعد أن كان قد استقر في المدينة، شاغلًا فيها وظيفةَ نائبٍ لإدارةٍ عامةٍ، في واحدةٍ من مؤسساتها الحكومية. وبعد أن كانت إقامته في المدينة قد استقرت ــ نسبيًّا ــ مع زوجته هناء. وأطفالهما الثلاثة: أكبرهم سميرة في العاشرة من عمرها. وأصغرهم تسنيم في ربيعها الخامس. أمّا نائل، فقد احتفل قبل أيامٍ، باكتمال عامه السابع.
تساؤلٌ وحيرة
طيلةَ أيام العزاء الثلاثة، لم يغب عن وجوه المُعَزِّين المتوافدين تساؤلُهم عن سبب إنهاء خالد لحياته بتلك الطريقة. فهو في ظنِّهم لا ينقصه شيء. ولطالما تحدثوا عنه بأنه محظوظ؛ آوتْهُ عائلتُه، وتكفّلت باحتياجاته كلها. يعيش فيها محاطًا بالإجلال، منذ وصوله وأسرته إلى القرية، على متن سيّارته “الفيتارا”، التي لا تتناسب مع الطرقات الريفية، الأكثر وعورة. لذلك، لم تتحرك من مكانها، إلّا تلك الليلة الأخيرة من حياته.
في مقيل ثاني أيام العزاء، حاول عبد الله مواربة حزنه. تشاغل بهاتفه الجوال. نَقرَ أيقونةَ الاتصال بالشبكة العنكبوتية، لم يكترث بالرسائل التي تدفقت على تطبيق الواتسآب. ألقى نظرةً على قائمتها. ابتلع ريقه، حينما لاحظ أن من بينها رسالةً لخالد. قرأ سطرها الأول، الذي من الممكن قراءته من دون فتح الرسالة: “لا تفتح الرسالة ولا تقرأها إلا بعد انتهاء العزاء”. وصيةٌ أربَكَتْهُ، لم يجرؤ على التفكير في تجاوزها.
التساؤل الذي تراءى في وجوه المُعَزِّينَ، كان مشتعلًا في ذهن كل فرد من عائلة الحاج محفوظ. تحدّثوا مع هناء عن آخر موقفٍ لخالد؛ لعل فيه ما يعين على تبديد الحيرة. لكنهم مثلها، لم يجدوا ضالتهم في موقف تسنيم وتوزيع فاكهة الموز.
يقترب إحساسُ عبد الله من اليقين في أن الإجابة الشافية كامنةٌ في رسالة خالد. بدأ يوم العزاء الأخير يلفظ نهايته. فاستدرج الغروبُ عبد الله إلى تَلَّةٍ، لا تبعد كثيرًا عن المنزل، لكنها تمنحه مساحةً كافية لتنفيذ الوصية. ارتعشتْ يده ، وهو يفتح الرسالة بنقرةٍ من إصبعه السبابة. هاله طولُ الرسالة. قرأها كلها بتأنٍ. رغبةُ خالد في إطلاع عائلته على مضامينها خضَّتْهُ بالبكاء.
فاكهة الرحيل الصفراء
خالد، عشية ارتقاء روحه إلى بارئها، استأنف في غرفته جلسة مقيله متشاغلًا بجواله. وانشغلت هناء بمساعدة نائل على استذكار الدروس، تاركةً هاتفها لتسنيم؛ التي ــ كعادتها ــ لزمت الصمت؛ لتبلغ أعلى الدرجات في لعبتها المفضلة.
تزامنت هذه الحال مع وصول نبيل إلى صالة المنزل. كان قد استلم مبلغًا لا بأس به من المال ثمنًا لمحصولٍ متواضع. سَلَّمَ نبيل أمه الأشياء، التي جلبها من سوق القرية. فتَوَلَّتْ ــ كما هي العادة ــ توزيعها على أفراد العائلة، بدأت بفاكهة الموز:
ــ “تسنيم، تسنيم، تعالي…”، نادت الجدة، فذهبت إليها تسنيم.
ــ “هذه لك، وهذه لسميرة، و…”، قالت الجدة وهي تسلم تسنيم حبات الموز.
ــ “وأبي؟”، قالت تسنيم مُقاطِعَةً جدتها.
ــ “وهذه لأبيك، وهذه لأمك….”، قالت الجدة مستكملةً التوزيع.
عادت تسنيم مسرعةً، قابضةً بيدٍ على طرف فستانها من الأسفل وقد رفعته إلى الأعلى ليحتوي حبات الموز. وفي يدها الأخرى حبةُ موزٍ ممدودةٌ إلى أبيها: “أبي هذه لك”. انفعل في وجهها، صرخ، رمى هاتفه ساخطًا عليها وعلى أمها: “لكم، أنا ما اشتيش”، قال وهو ينهرها. انصدمتْ، ارتختْ يدها الممسكة بطرف ثوبها فسقطتْ حباتُ الموز على أرضية الغرفة، ومن يدها الأخرى سقطت موزة أبيها. انتحت جانبًا قصِيًّا من الغرفة، قعدت مستندةً إلى الجدار مخنوقةً بالبكاء، عاجزةً عن استيعاب ما حدث.
هناء أفزعتْها قسوة خالد. استغربت، نقَدَتْه بحذر، “بماذا أخطأت تسنيم؟ لقد سَمِعْتَ اهتمامها بك وحرصها على أن تأتيك بنصيبك، جاءتك مسرعة، فانْصَعَقتْ بغضبك!!”، قالت هناء والحزن يمزقها، برجفةِ بكاءٍ مكبوتة.
جبرُ خاطرٍ منقوص
قامت هناء بتوزيع حبات الموز على أطفالها. حاولت استرضاء تسنيم؛ فتَصَنَّعتْ تبريرًا لقسوة خالد: “أبوك ما يِشْتيْش الآن، بَعْدَيْن يأكل الموزة حقه!”. كان تبريرًا سخيفًا غير مُجْدٍ؛ فلم تخرج تسنيم من حالها المخنوقة بالبكاء، لم تأخذ موزتها، تركتْها في مكانها على الأرض.
“تسنيم، تعالي…”، بحنانٍ ورقةٍ ناداها أبوها، بعد أن استشعر فداحة قسوته، فتداعت معه. استقرّت في حضنه. قبّلها غيرَ مُسَيْطِرٍ على تناهيده الحارة، ساعدتْه هناء في تلطيف اللحظة. عاود تسنيم قسطٌ من مرحها، تناولت موزتها، مرةً أخرى قدمت إلى أبيها موزته. اعتذر بلطفٍ على أن يأكلها فيما بعد. اتّجهت إلى دولاب الملابس، دسّتْها بين ثيابها، وبِلَثْغَتِها دلَّتْهُ عليها، وبلطفٍ تداعى معها.
رغب في مزيدٍ من معالجة ما اقترفه من قسوة في حقّها، قرّبها منه. استقرت في حضنه ثانيةً، حريصةً على استكمال لعبتها الهاتفية. بعدها انتشت بإعجابه بها، وهي تستعرض مهارتها في تمريرِ مقاطع الفيديو وإطلاعه على بعضها: “شوفْ هذا الأب يحب الولد وما يحب بِنْته وهي تحبه” قالت تسنيم، وهي تفتح واحدًا من مقاطع الفيديو.
يتضمن ذاك المقطع ــ الذي فتحتْه تسنيم مُطْلعةً أباها عليه ــ حالَ أبٍ وصل من العمل، فأهدى إلى ولده حذاءً جديدًا. لم يهدِ ابنته شيئًا، قبَّل الولد ولم يقبلها، خلع نعله، فأخذتْه ووضعتْه في مكانه. ثم حالٌ أخرى للأب، كان فيها على سرير المرض، ولده المنشغل بالجوال لم يُلَبِ حاجته إلى كأس ماء. ابنته هي من فعلتْ ذلك. أحالت على هذه المضامين في المقطع حركةُ شخوصه، بمعية الصوت المُدمج فيه، صوت واعظٍ يرشد الآباء إلى المساواة بين أولادهم إناثًا وذكورًا. تأوّه خالد بحسرةٍ، لم يجد أدنى شك في قصدية تسنيم وغايتها من إطلاعه على هذا المقطع تحديدًا. قال لنفسه: “أنا أقسى منه، أنا قاسٍ على الطفلتين، وعلى أخيهما”.
امتداد نزقٍ وحزن
لقد كانت قسوة خالد امتدادًا إلى حاله النزقة صباح يوم أمس على مائدة الإفطار. التي تركها مستاءً من حِدّةِ هناء، في ردة فعلها على ممازحة حنان لتسنيم. ركل تسنيم ركلةً قذفت بها إلى عتبة الباب. ركلاته الأخرى كانت من نصيب حنان، التي حاولت أن تتصَنَّع الرضا؛ حتى لا يتمادى غضبُه، فيشمل العائلة كلها فيما لو تفوّه أحدٌ بكلمة، فلزمت هناء الصمت.
استسلم بعد موقف الإفطار، لنوبةِ حزنٍ وندمٍ هيمنت على يومه وليله. لم ينم سوى ساعة واحدة. أرهقته تداعياتُ السهر والأرق طيلة اليوم الثاني. دلف المساء واحتستْ تسنيم مرارة حاله النزقة، فأحكم عليه الحزنُ قبضته، طيلة ليلته الأخيرة. تلك الليلة، التي لم تقاسمْه هناء فيها فراش النوم كالعادة. واستقلت بفراشٍ آخر إلى جانبه، بعدما لم تجد منه إشارةً ترحيبية. كانت تسمع تأوهاته في الظلام. عرفتْ من الدَّبَق في شهيقه أنه يبكي، لم تجرؤ على الحديث معه؛ تحاشيًا لغضبه.
محاكمةٌ صامتة
لقد كان خالد ــ في صمته وتأوهاته ــ يجلد ذاته في سعير الندم. كان يحاكم نفسه بوحشية: أيّ أبٍ أنا؟ إنني فاشلٌ في كل شيء. نَزَحْتُ. تكفلت عائلتي باحتياجاتي واحتياجات أسرتي الصغيرة. استشرى إحساسي المؤلم بصفرية وجودي وعالتي عليهم. ليت فشلي توقف عند هذا الحد، لكنه امتد في شخصيتي وسلوكي وأُبوّتي. قبل أشهرٍ رَكَلْتُ نائل، فسحقني الندم والحزن. عاهدتُ نفسي على أن تكون تلك آخر مرةٍ أقسو فيها على أطفالي. لكنني نكثت عهدي صباح أمس. والليلة بلغتْ قسوتي ذروتها.
استمر في تأنيب ضميره، وحديثه مع نفسه بصمت: الاضطهاد الذي يتعرض له أطفالي، لا يتعرّض له حتى أقرانهم اليتامى. حياتي مأساةٌ لأطفالي، وفي مماتي تكمن نجاتهم. في رحيلي الأبدي عنهم يكمن إنقاذهم من مستقبلٍ، لن تكون فيه شخصياتهم سويةً ونقيةً من العُقَدِ، إذا ما استمرت هذه الحال. أُقسم أن اليتامى أسعد حالًا منهم. لذلك، فخيرٌ لهم اليتمُ في رعايةِ عائلتي. كما أن صيرورتي فكرةً مثاليةً في أذهانهم خيرٌ لهم من أُبُوَّةٍ قاسية.
محاكمتُهُ الذاتيةُ اللّاهبة كانت مخضَلّةً بدموعه الساخنة. انتهت بقرارٍ، كثيرًا ما تشبّث بمبرارتٍ تحول دون تنفيذه. كان آخرها معاهدته لنفسه. لكنه نكث العهد، فلم يجد مناصًا من تنفيذ قراره.
مسرح التنفيذ
تساردت في خيال خالد مشاهدُ تنفيذ قراره وتداعياتها. فوجد فيها ما يستدعي تفسير القرار لعائلته؛ حتى لا يشعر أحدٌ منهم بأن له أثرًا غير مباشرٍ فيما أقدم عليه. تفسيرٌ يلقي على عاتقه وحده مسؤولية القرار.
التقط هاتفه، كتب رسالةً تفسيرية طويلة. شرح فيها معاناته طيلة أمس بعد موقف الإفطار. ثم شرح بالتفصيل موقف تسنيم وحبة الموز، وكيف تمزق قلبه بهذا الموقف. وكيف آمن ــ من خلاله ــ بأنه غير جديرٍ بأبوّةٍ، لا يستطيع الوفاء بالتزاماتها المالية والوجدانية. وكيف استوعب أن حياته لم يعد لها معنى لأسرته وأطفاله، بعدما صارت كارثة عليهم. راجع الرسالة ونقَّحها. ثم أضاف ــ في بدايتها ــ سطرًا، التمس فيه من عبد الله ألّا يفتح الرسالة، ولا يقرأها إلّا بعد انتهاء العزاء. أغلق اتصاله بالإنترنت، بعد اطمئنانه إلى أنه قد تم إرسالُها، عبر تطبيق “الواتسآب” إلى أخيه عبد الله. سوف تصل إليه، حينما يكون حسابُه متّصلًا غدًا، أو بعد غد.
تظاهرت هناء بالاستسلام للنوم حينما لاحظت خالد منشغلًا بهاتفه. كان ليلهما غارقًا في الظلام. لاحظتْه، يقوم من فراشه، بهيئة المطمئن إلى أنها غارقة في النوم. خرج ساحبًا الباب وراءه، فانغلق. سمعت صوتَ انفتاحِ الباب الخارجي للمنزل، فبدأ القلق يمزّق صمتها. ثم زاد قلقها اشتعالًا وحيرةً، حينما سمعت صوت تشغيل محرك سيارة خالد. تساءلت أين سيذهب؟ لم يسبق له أن غادرها من دون أن يخبرها إلى أين؟ تحركت السيارة، فتوقف تفكيرها وتساؤلها، واتجهت إلى النافذة. استغربت من قيادته للسيارة مطفأةَ المصابيح باتجاه الهاوية. ارتبكت، انطلقت السيارة بسرعةٍ جنونيةٍ إلى قعر تلك الهاوية السحيقة. لقد نفذ خالد قراره الأخير، فانتفض المنزل والقرية كلها على هول الفاجعة.
الرسالة: تفاصيلُ واعتذار
تركَ آخر أيام العزاء وشاحًا مضاعفًا من الحزن، بعد أن كان تواجدُ المعزّين قد خفّفَ نسبيًّا من وطأته. أفرادُ العائلة ــ الذين لاحظوا عبد الله وحيدًا في الربوة ــ ظنوا أنه راغبٌ في البكاء بعيدًا عن أعينهم. اقترب ظنهم من اليقين، حينما عاد إليهم وعلى ملامحه آثار بكاء. حيَّرهم الانكسارُ في لهجته، وهو يطلب منهم أن يجتمعوا كلّهم في غرفة خالد، سرعان ما امتلأت بهم، وبدأ الاجتماع.
افتتح عبد الله الاجتماع الطارئ، في غرفة خالد: “في اجتماعنا هذا، ستعرفون لماذا قرّر خالد الرحيل الأبدي”. ثم شرع في قراءة الرسالة، من البداية حتى النهاية. كان البكاء متسيّدًا الموقف، لولا حرصهم على سماعها حتى آخرها.
“المرحوم يلتمس منكم أن تسامحوه، لا سيما تسنيم”، قال عبد الله مع آخر فقرة من الرسالة. تلك الفقرة، التي تضمنت اعتذار خالد: “جميعكم سامحوني: أبي، أمي، إخواني، أخواتي، هناء، سميرة، نائل. وأنتِ يا تسنيم سامحيني، لستُ جديرًا بحبك واهتمامك. ثقتي عاليةٌ فيهم، سيهتمون بكم، لن يشعروكم باليتم”.
استوعبت تسنيم ما استطاعت استيعابَه من الرسالة، بمنطق فهمها الصغير المشتت غير الواضح. وحينما سمعت اسمها، تذكرت موزة أبيها ومكانها. غرقوا في نحيبهم، فلم يشعروا بتسنيم وهي تبحث عن موزة أبيها في خانة ثيابها. وجَدَتْها، اقتربتْ منهم، فانتبهوا إلى ما في يدها: “أبي ما أكلها، خبأتُها لَمّا يرجع .. أيحين يرجع؟”. أربكهم تساؤلها عن موعد عودة أبيها كي تقدمها إليه. كانت إجابتُهم نوبةَ بكاءٍ جماعيةٍ، انصدمتْ بها تسنيم، فاحتارت في استعصاءِ فَهْمِها سرَّ حبةِ الموز ــ هذه ــ التي لا تأخذها إلّا إلى النقيض مما تريد؛ إلى غضب أبيها تلك الليلة، وإلى بكائهم هذا المساء. غير مدركةٍ أن حبة الموز نفسها، قد اختطت لها اليُتْم طريقًا. سوف تستوعبُه بعد زمنٍ كافٍ، من هذه اللحظة التي تضعها في حضن جدها، ويده تمسح على رأسها بحنانٍ غارقٍ في البكاء.


