الموسيقى السعوديّة معزوفةٌ سرديّة في رواية قبل أن تعزف موسيقاها بقليل!

الموسيقى السعودية معزوفة سردية في رواية قبل أن تعزف موسيقاها بقليل!

في رواية قبل أن تعزف موسيقاها بقليل! يتجلّى تسريد احتفاء المجتمع السعودي بموروثه الموسيقي، الراسخ في ثقافته منذ القِدم.

الموسيقى السعودية معزوفة سرديّة في رواية قبل أن تعزف موسيقاها بقليل!

د. عبده منصور المحمودي

تحيل أبعاد الرؤية السردية ــ في رواية الكاتب السعودي خالد أحمد اليوسف “قبل أن تعزف موسيقاها بقليل!”(1) ــ على ما تمثِّله الموسيقى من لغةٍ إنسانية مشتركة بين شعوب الأرض كلها؛ بوصفها فنًّا مأهولًا بحيويةٍ، يتجاوز من خلالها جغرافيات الأمكنة. كما أنها ــ إلى ذلك ــ نسقٌ جماليٌّ، يستقر جوهرُه في الذات الإنسانية، بصورة تمكّنها من أن تتجاوز أيّة أسيِجَةٍ فكرية أو ثقافية، يُراد بها الحيلولة دون تدفقها في وجدان أي مجتمع بشري.

شخصيات الموروث الموسيقي

استهدف الاشتغال السردي ــ في هذه الرواية ــ ذاك الحضور الأثير لفن الموسيقى في حياة المجتمع السعوديّ، كونه واحدًا من أهم مكوّنات هويته وموروثه الثقافي. وقد قدّمت السياقات السردية ــ هذا الموروث الموسيقي ــ من خلال خمس شخصيات: مبارك، ومسفر، وأحمد، وشعف، ونبيل. جمعت بينهم الهواية الواحدة والميول المشتركة، تلك المتعلقة بشغف الموسيقى، الذي أخلصوا له، وقرأوا فيه، وأسسوا كيانه الخاص بهم.

كما تواصلوا هؤلاء ــ من خلال شغفهم ذاك ــ مع الفنان العالمي الموسيقار اليوناني (ياني كريسماليس)، الذي لبّى دعوتهم فزار بلدهم، وأطلعوه على مهاراتهم الموسيقية، التي أعجب بها، فأوجز تقييمه لهم، في مخاطبة إيّاهم بالقول: “أنتم مفاجأة كبيرة لي، لديكم كنزٌ تراثيّ عظيم، رجالًا ونساءً، صحيح أني لا أعرف العربية ولا أفهم الكلمات التي تُغنّى لكن أشعر بها، أشعر أن كلامكم موسيقى، وأن كل آلة تصاحب كلماتكم هي مطواعة وتنصاع لهذه الكلمات”(2).

لقد نال مستواهم إعجاب هذا الفنان العالمي. كما نال هو ــ من قبل ــ إعجابهم به؛ لما لمسوه في مشروعه الموسيقي، من عنايةٍ بموروث الفن الإنساني، الذي مكّنه من إحراز شهرةٍ عالمية، لم تأتِ إليه إلّا من “إصراره على التجديد في الطرح الموسيقي، ومنها إدماج الفنون والفلكلورات المتوارثة في قطعة موسيقية واحدة”(3). بما في ذلك اهتمامه بإنسانية الفن، وإنسانية الموروثات الشعبية. ذاك الاهتمام الذي كان وراء قبوله دعوة مبارك، حينما زاره إلى القاهرة، وأهداه مجموعة من الإسطوانات الموسيقية، الخاصة بتوثيق نماذج من اشتغاله ــ هو وأصدقائه ــ على مخزون التراث الفني السعودي، المُتشكِّل من “فنون التراث بمختلف مساراتها وموروثاتها وإرثها الراسخ”(4).

وبذلك، كان مبارك هو الشخصية المركزية في هذه الرواية، ومعه أصدقاؤه الأربعة، مضافٌ إليهم الفنان (ياني كريسماليس). كما تجلّت مركزية شخصية مبارك، في اضطلاعه بتسريد أحداث العمل. وفي هذا السياق، يتجلّى ملمحٌ فنّي، تمثّل في رواية الأحداث على لسان راوٍ غائب، من بداية الرواية حتى الجزء الأخير منها؛ إذ ظهرت في هذا الجزء هويّة ذاك الراوي الغائب، الذي لم يكن سوى مبارك؛ إذ تجلّت هذه الهوية بوضوح، من خلال صيغة ضمير المتكلم، في إشارة مبارك إلى النجاح، الذي أحرزه في حفلته الموسيقية العامة، التي حقق من خلالها حلم حياته؛ إذ يقول في تلك الإشارة: “اكتملت حفلتي الأولى بمشاعر مختلطة من الإنجاز والابتهاج العظيم”(5).

وتبدو مركزية الفكرة الروائية فاعلة، في اختيار ما يتسق معها من حيّز مكانيّ، مأهولٍ بعلاقة مباشرة مع مجتمع الاحتفاء الموسيقي الذي تتعاطى معه. تتجلّى هذه الفاعلية، بدءًا من أحد أحياء الرياض، حي “منفوحة” الذي ولد فيه مبارك، مرورًا بالمكان الذي اختاره ورفقاؤه لتأسيس مشروعهم؛ “ديراب”(6). وليس انتهاءً بمدينة الرياض، التي التقط الاشتغال السردي ما تيسّر له من جمالياتها. من مثل الإشارة إلى أن “ما يميز الرياض وشوارعها وليلها هو تنوع الإضاءات واختلاف ألوانها بين المباني الشاهقة، وتعدد جمالها بتصاميم عصرية جذابة”(7).

الموروث الموسيقي بين احتفاءين

حرصت الرواية على استيعاب علاقة المجتمع السعودي مع موروثه الموسيقى، من زاوية رسوخه الحتمي في طبيعة الوجدان البشري؛ إذ قام تسريد هذه العلاقة ــ وما يتعلق بها من احتفاء موسيقي ــ على نسقين اثنين: تمثّل الأول منهما في نسق الظروف، التي حتّمت أن يتسم هذا الاحتفاء بنوعٍ من المواربة؛ تحاشيًا لما يمكن أن يحدث من صِدامٍ مع السياجات الحائلة دون خروجه إلى العلن. أما النسق الآخر، فقد تمثّل في تجاوز هذه السياجات، بعد أن أعادت المؤسسة الرسمية النظر فيها، من خلال رؤية ثريّةٍ، بمسارات التغيير المطرد مع متغيرات الحياة المعاصرة من جهة، غير المفرط في ثوابت الهوية وموروثها المتقادم ــ الذي من أبعاده الموسيقى ــ من جهة أخرى.

ويظهر نوعٌ من الارتباط الفني، بين هذين النسقين وعتبة العنوان “قبل أن تعزف موسيقاها بقليل!”؛ إذ تحيل هذه العتبة على فضاءين دلاليين: الأول منهما فضاءُ الدلالة على عمليةِ عَزْفٍ، أحال ضمير الغائب المؤنث على فاعل العزف فيها. والآخر فضاء الدلالة على شيء (حدث/ أحداث) سابق لعملية العزف هذه.

وقد ارتبط نسق الاحتفاء الموسيقي العلني ــ الذي أفضت إليه قرارات الرؤية التحديثية ــ بفضاء الدلالة الأول لهذا العنوان (الإحالة على عملية عزفٍ موسيقي). بما في هذا الفضاء الدلالي، من بُعدٍ تفسيريٍّ لهوية العازف المؤنث، الذي يبدو أكثر اتصالًا بالبلاد كلها، بعد أن أعلنت عن احتفائها هذا، وبدأت بعزف موسيقاها الخاصة. ذاك العزف، الذي ظهر بعضٌ من تفاصيله، في تسريد الجزء الأخير من هذا العمل.

أما نسق الاحتفاء الموارب، فقد ارتبط بفضاء الدلالة الثاني الكامن في عتبة العنونة. ذاك الفضاء الذي أحال على حدوث شيء، قبل عملية عزف البلاد العلني لألحان موروثها الغنائي. فما هذا الشيء، الذي لم تتضح ماهيته في صيغة العتبة الخارجية؟

لا يتيسر تأويل ماهية ما حدث قبل عملية العزف العلنيّة ــ تلك ــ إلّا بعد الانتهاء من قراءة الرواية؛ إذ تفصح كثيرٌ من سياقتها السردية، عن ارتباط ذاك الشيء بالأمر نفسه، والماهية نفسها التي قامت عليها عملية الاحتفاء المعلن. ذاك الأمر وتلك الماهية متعلقان بالموسيقى، واحتفاء المجتمع بها احتفاءً مواربًا، أحال من خلاله على رسوخ هذا الفن في ثقافته المتوارثة.

لم يكن هذا التفسير اعتباطيًّا، بل استضاءةً بالإشارات المحيلة على الحيز السردي الزمني؛ فتفاصيل كثير من المساحات السردية ــ تحديدًا تلك المتعلقة باشتغال مبارك وأصدقائه على شغفهم الموسيقي ــ تنتمي إلى الفترة الزمنية، التي سبقت الإعلان عن تلك الرؤية الرسمية، الهادفة إلى إحداث نوعٍ من التغيير والتحوّل العصريّ. كما أن تلك الفترة الزمنية نفسها، كانت قبل زيارة مبارك إلى القاهرة، التي التقى فيها بالفنان (ياني) “في الشهر العاشر من العام الخامس عشر بعد الألفين للميلاد”(8). بعدها يأتي زمن تلبية الرجل الدعوة، وزيارته الخاصة لبلد مبارك، في “شهر مارس من العام السادس عشر بعد الألفين”(9).

كلّ ذلك، هو ما حدث قبل أن تعزف البلاد موسيقاها؛ إذ كانت عملية العزف بعد قرارات التحديث، التي تزامن الإعلان عنها “مع بدايات الشهر الرابع من العام السادس عشر بعد الألفين”(10). وعلى ضوء هذه الرؤية التحديثية، عزّف المجتمع موسيقاه، التي كان منها ذاك الإبداع الموسيقي، الذي تفرّد به مبارك وأصدقاؤه؛ بعد بضعة أشهر من هذا الإعلان، من خلال حفلتهم التي أقاموها “في مساء يوم الخميس الثالث عشر من أكتوبر من العام نفسه ألفين وستة عشر”(11).

وبذلك، اتصل كلا نسقي الاحتفاء الاجتماعي ــ الموارب والعَلني ــ بالموسيقى. كما اتصلا بإنسانية الموسيقى، من خلال شخصية الفنان العالمي (ياني)، الذي كان حاضرًا في كليهما. من خلال تلك الزيارة الخاصة التي قام بها إلى البلد، في نسق الاحتفاء الموارب. وكذلك من خلال حضوره في نسق الاحتفاء العلني، من خلال اتصاله المرئي المباشر، الذي أجراه مع مبارك ليلة حفلتهم التاريخية، متحدثًا إلى الجمهور عن موهبة مبارك وأصدقائه، وعن علاقته معهم. تلك الحفلة الاستثنائية، التي انتهت إليها السياقات السردية في هذا العمل، من غير أن تنته بها الرؤية السردية، التي استمر تحليقها في واقع التغيير، وما أسفر عنه من استمرارية الاحتفاء العلني بالموسيقى. بما في ذلك الاحتفاء ببعدها الإنساني، الذي توّجَهُ حضورُ الفنان العالمي نفسه ــ ياني ــ في حفلاته الموسيقية، التي أقامها أثناء زيارته الرسمية إلى الرياض عام 2017.

موروث موسيقي خصب

من خلال تسريد محطات من حياة الشخصيات الخمس (مبارك وأصدقاؤه)، تمكّن العمل من إلقاء الضوء على الموروث الموسيقي السعودي، منطلقًا من الإشارة إلى حفلات فن “السامريّ”، في (بيت أم خلوي)، الذي لم يكن بيتًا، بل فضاءً فنيًّا، بحسب ما تضمّنه هذا التفصيل السرديّ: “(بيت أم خلوي) اسمٌ يتداوله الناس، يتردد بين عشاق السامري، المُلتقى العلنيّ الصريح في حي (منفوحة) لشباب لا حصر لهم، المكان الذي يجمعهم مساء يوم الخميس المتجدد من دون ترتيب، ربما يكون شهريًّا! ربما أسبوعيًّا بحسب ليالي الأفراح، وهو المرتبط بفن السامري الدوسري، مكانٌ يقف شامخًا في مرتفع من أرض (منفوحة) الجنوبية الشرقية من الرياض، تتناقل الأجيال عشق هذا الموقع الفسيح في ليال السمر، والعهد بينهم أن تاريخه مرّت عليه عقودٌ متتالية، حينما كان أرضًا لا عمران يحدها، ولا شوارع تقف حائلة بين هذا المكان وغيره”(12).

من هذا المكان، بدأ الوعي الموسيقي يتشكل في ثقافة مبارك؛ إذ اعتاد على التسلل إليه في طفولته، مستمتعًا بما يجري فيه من احتفالات، حريصًا على العودة منه قبل أن يصل والده من عمله، فيعاقبه على ذلك. لكنه كان يعود من ذاك المكان “إلى بيته وما زال الحنين للاستمتاع بإيقاعات الطبول والطِيْران مُسيطرًا عليه، وصوت الغناء الجماعي يتردد في أذنيه، وخيالاته تعيد إليه مشاهد الرقص الممتع، والمثير للحاضرين”(13).

التحق مبارك بالتعليم، لكنه لم يفلح، فنقله أبوه إلى مجالٍ آخر غير التعليم، محاولًا الحيلولة بينه وشغفه الفني. لكنه حظي في المجال الجديد، بما لم يكن في حسبانه؛ إذ وجد فيه ما يُبْقي على اتصاله بهذا الشغف. كما تعرف فيه إلى زملاء يتشاركون معه الاهتمام نفسه؛ وهناك “تكونت مجموعته من عُشّاقٍ للموسيقى مثله”(14)؛ إذ تشكّلت تلك المجموعة من كلٍّ من: مبارك بن هدب، و”مسفر أبو شعرة وأحمد بن هادي وشعف السيناوي ونبيل أبو طيبة”(15).

ومن خلال التعاطي السرديّ مع أحداثٍ ذات علاقة مباشرة بحياة هؤلاء، تبلورت مضامين هذا العمل السردي. تلك المضامين، التي تمثّلت في معطيات الموروث الموسيقي السعودي؛ إذ تجلّى الحس السردي الفنيّ ــ هنا ــ في توزيع هذه الشخصيات على أهم خمسة محاور من هذا الموروث. تلك المحاور، التي يمثّل كل واحدٍ منها منطقة مشتهرة به، لذلك انتمت الشخصيات الخمس إلى أهم المناطق، التي اشتهرت بهذا الموروث الموسيقي.

وبذلك؛ كان شغف كل شخصية متعلقًا بالفن الذي اشتُهر به مسقطُ رأسها؛ إذ لم يكن مبارك وحده العاشق لفن منطقته السامريّ، “كان يعتقد أنه الوحيد الذي يهيم بالسامري ويجيد بحوره وفنونه، وإذا هو يجد أن مسفر أبو شعرة من أجمل الحفاظ لتراث عسير… أما أحمد بن هادي النحيل الأسمر فهو المتخصص بفنون جازان المتفردة بعالمها الموسيقي، ورأى كيف يطربهم شعف السيناوي بألحان الساحل الشمالي والسمسمية بأوتارها المتعددة، بل حتى رقصات الرفيدي الجميلة، أما نبيل أبو طيبة فهذا الشبيه له بسواده المختلف عنه بصوته وغنائه لألحان الحجاز الخالدة”(16).

ومن خلال ربط كل شخصية بفن منطقتها ــ وإخلاصها في الاشتغال عليه ــ استكمل السياق السردي بناءَ أرضيةٍ صلبة، شيّد عليها معمار تسريده موروث المملكة الموسيقي؛ إذ أفضى اهتمام هؤلاء الخمسة بفنون مناطقهم، إلى تأسيسهم كيانٍ خاص بهم، تمثّل في بناء “استراحتهم ومجمع صالاتهم”(17)، التي كانت “بالفعل هي معهد للتراث وإحياء الموروث والموسيقى الراقية”(18).

وقد توزعت صالات ذاك المجمع، وفقًا لوظائف مختلفة؛ إذ كان منها اثنتان للتعليم الموسيقي(19)، كما تم توزيع ست صالات على هؤلاء الفنانين ومعهم إبراهيم الموصلي؛ إذ “وضع مبارك بن هدب بجوار كل باب لأبواب الصالات الست لوحة تحمل اسم الصالة، فكانت الأولى على يمين الداخل من الباب الرئيس: مجلس إبراهيم الموصلي، والثانية مجلس بن هادي، والثالثة مجلس بن هدب، والرابعة، مجلس السيناوي، والخامسة مجلس أبو طيبة، والسادسة مجلس أبو شعرة”(20).

كما قدّم السياق الروائي تفسيرًا لهذه التسميات؛ فصالة إبراهيم الموصلي، جاءت تخليدًا لشهرته ملكًا للعود والموسيقى العربية، لتكون خاصة بالموسيقى العربية الأصيلة(21). وصالة أحمد بن هادي لـ”كل ما يتصل بالفنون الجميلة في منطقة جازان”(22). وصالة مبارك لفنون نجد المتنوعة، تلك التي “ليس السامري إلا واحدًا منها”(23)، أما صالة شعف، فلفنون الشمال “الدحة”، و”الرفيحي”، وصالة نبيل أبو طيبة لأغاني وفنون مكة وجدة. وصالة مسفر أبو شعرة خاصة بفنون منطقته عسير(24).

(ياني كريسماليس ) في ضيافة الموسيقى السعوديّة

استضاف مبارك وأصدقاؤه ضيفهم الكبير الفنان (ياني كريسماليس)، في مجمع صالاتهم بعد أن جهزوه بما يليق بمقامه. وبينما كانوا يُطلعونه على تفاصيل مشروعهم وملحقاته، وقفوا عند “صالة الموصلي وتناوبوا جميعًا على الشرح له عن طبيعة هذا المكان الذي تُزيِّن جدرانه صورٌ كثيرة لأنواع آلة العود العربي، وأشهر العازفين العرب [من] مثل فريد الأطرش، رياض السنباطي، نصير شمة، عبادي الجوهر، وغيرهم من جنسيات أخرى تولعوا بآلة العود فدخلوا مملكته، مثل بوردال توكان التركي، وجورج مجريتشيان، وآرا دينكجيان”(25).

وفي هذه الصالة ــ صالة الموصلي ــ قدموا روائع عزفهم المتعدد؛ إذ “بدأوا بالتناوب كل واحد يقدم معزوفته الخاصة به… كانت البداية من نبيل أبو طيبة الذي شرح له معزوفته وأنها مستمدة من فنون الحجاز ويقصد بذلك مكة المكرمة وجدة والطائف، واللحن الذي عزفه هو من فن المجرور…  ثم جاء الدور على مبارك بن هدب الذي قدم فيه معزوفة سامرية، وأخبره أن فن السامري متوزع الأماكن والألحان في معظم المناطق النجدية”(26).

ثم جاء دور ابن هادي الذي قدّم للضيف “مسمعًا من فنون جازان الغنية بالألحان، وكانت معزوفته من فن الزيفة وهو الخاص بمنطقتهم”(27). ونقل شعف السناوي “الموسيقار ياني إلى عوالم راقصة في منطقة تبوك والشمال عامة، وقدم له فن الدحة بطريقة مبتكرة، وفن الرفيحي”(28). ثم قدّم مسفر أبو شعرة للضيف “شيئًا من منطقة عسير، وقد أعجبه حين اختار الدندنة بفن الطراق أو الطرق العسيري والخطوة”(29).

بعد ذلك، انتقل تسريد هذا التنوع الموسيقي إلى مساحاتٍ تفصيلية، تجسّدت من خلال الحديث عن تلك الألوان الموسيقية الخمسة ــ موسيقى مناطق مبارك وأصدقائه ــ التي حظي كل لون منها بأداء مميز، في ليلة خاصة به، على شرف الضيف الموسيقي العالمي.

لقد قدّمت الرواية صورًا مختلفة، من ثراء الموروث الموسيقي السعودي، الذي تشتهر به مناطق مبارك وأصدقائه. أولئك الفنانون المخلصون، الذين لم يكتفوا بالاشتغال على خصوصية موروث بلدهم، بل عملوا على ربطه بالموروث الغنائي العربي. ليس فقط من خلال تخصيص صالة للموسيقى العربية الأصيلة، بل من خلال إبداعهم مقطوعة موسيقية واحدة؛ إذ “وصل بهم الحال إلى كتابة مقطوعة مكونة من جميع فنون الجزيرة العربية التي يعرفونها، هم الذين وضعوا تفاصيلها الدقيقة، وهم بخبرتهم الكبيرة والعميقة استطاعوا أن يُؤلفوا مقطوعة يُشيد بها القاصي والداني”(30).

وبذلك، تجلّى الاحتفاء المجتمعي بالموروث الموسيقي السعودي. من خلال ليالي السمر في أحياء وتجمعات سكانية متعددة. وكذلك من خلال إخلاص مجموعة مبارك في اشتغالها على هذا الموروث والارتقاء به. لا سيما بعد القرار الاستراتيجي الشامل، الذي اتخذته المؤسسة الرسمية؛ إذ كان من تفاصيله ما انفتحت به آفاق هؤلاء، على تحقيق أحلامهم التي، طال انتظارهم لها.

رؤية التحوّل المعاصر

تضمّنت السياقات السردية إشاراتٍ إلى رؤية التحوّل المعاصر، التي أعادت النظر في كثير من جوانب الحياة. منها ما يتعلق بعمل مبارك، الذي بدأ يستشرف تلك الرؤية، ثم بلغ استشرافه الذروة، متحدثًا عن ذلك مع زملائه: “سمعت عن تطورات إدارية جديدة في مسار بلادنا، ستكون منها إدارات لمصلحة عملنا الذي ما زلنا نخفيه، ولا نريد أحدًا أن يطلع على ما نقوم به ونقدمه وننتجه… أتمنى أن يكون مجالنا الموسيقي له قيمة ومكانة في كل مكان!”(31).

وبعد يوم واحد من هذه الذروة الاستشرافية “صدر أمر إعادة تنظيم عمل إحدى المؤسسات الرسمية، التي وقفت أمام عملهم في يوم من الأيام، وأوقفته وأخافتهم حتى ابتعدوا إلى أطراف المدينة، ليتم إنشاء هذا المجمع [مجمع مبارك وأصدقائه] بموافقة جهات رسمية أخرى. وبعد هذا الأمر بشهر جاء أمر آخر لإنشاء مؤسسة رسمية جديدة، وهي الجهاز الرسمي الذي يتوقعون منها الحماية لهم ومساندتهم، بعد أن أعلنت تفاصيل تكوينها ومهامها وعملها، لهذا سارعوا لإكمال مشروعهم الذي توقف منذ زمن، خوفًا من إعلانه”(32).

ومثل مبارك ومجموعته، سارع كلُّ مَنْ سبق أن تعثّر مشروعه الموسيقي ــ بالسياجات نفسها التي وقفت في طريق مجموعة مبارك ــ إلى استكمال مشروعه؛ إذ تغيّرت حال الموسيقى، بعد أن “أنشئت من أجلها مؤسسات وهيئات وجمعيات رسمية”(33). كما “بدأت تنتشر الإعلانات في الصحف والقنوات الفضائية وفي مواقع كثيرة عن إقامة الحفلات الموسيقية والغنائية، وكان الخمسة قد تقدموا للجهات الرسمية لإقامة حفلة فنية خاصة بهم، بعد أن أشهروا اسم مؤسستهم التي حملت: مجمع هدب الفني، وهو الاسم الرسمي لهم ولدارهم التي علقوا على جدارها لأول مرة هذا الاسم بلوحة كبيرة”(34).

وقد كانت حفلة مبارك ــ تلك ــ من أهم تجليات هذا التحول، كما كانت ــ في الوقت نفسه ــ بابًا يفضي به وبأصدقائه إلى عالم من العمل الدؤوب على مشروعهم، تداعيًا مع خصوصية المرحلة الجديدة، وسعيها إلى الحضور الفاعل، في صياغة تفاصيل اللحظة العالمية المعاصرة.

لقد تمكّن هذا العمل السرديّ من استيعاب أهم لحظةِ تحوُّلٍ معاصرٍ، حظي به حيّزه الروائي؛ إذ تجلّى هذا التمكن الاستيعابي ــ لهذا التحوّل ــ من زاويةٍ فنيةٍ، متعلقة بأثره المحوريّ، في الاحتفاء بالموروث الموسيقي السعودي، والاشتغال عليه بما يؤهله إلى أن يقف جنبًا إلى جنب، مع حضارة الموسيقى الإنسانية المتجددة.

وقد استند تسريد هذا التحول ــ في تاريخ الاحتفاء الفني السعودي ــ  إلى سياقه الاجتماعي، ومسارات إخلاصه لهذا النسق من ثقافته الغنائية والموسيقية. تلك الثقافة، التي تتنوع بين أغنية الصحراء وأغنية البحر، وأغنية التحول إلى سياقات العالم الحديث، على اختلاف معطياته ومتغيراته.


  1. خالد أحمد اليوسف، “قبل أن تعزف موسييقاها بقليل!”. ط1، مؤسسة الانتشار العربي، الشارقة، 2026م. ↩︎
  2. نفسه، ص90. ↩︎
  3. نفسه، ص97. ↩︎
  4. نفسه، ص27. ↩︎
  5. نفسه، ص123. ↩︎
  6. نفسه، ص47. ↩︎
  7. نفسه، ص56. ↩︎
  8. نفسه، ص8. ↩︎
  9. نفسه، ص53. ↩︎
  10. نفسه، ص107. ↩︎
  11. نفسه، ص110. ↩︎
  12. نفسه، ص15. ↩︎
  13. نفسه، ص16،15. ↩︎
  14. نفسه، ص24. ↩︎
  15. نفسه، ص28،27. ↩︎
  16. نفسه، ص28. ↩︎
  17. نفسه، ص47. ↩︎
  18. نفسه، ص35. ↩︎
  19. نفسه، ص36. ↩︎
  20. نفسه، ص33. ↩︎
  21. نفسه، ص34،33. ↩︎
  22. نفسه، ص34. ↩︎
  23. نفسه. ↩︎
  24. نفسه، ص35. ↩︎
  25. نفسه، ص58. ↩︎
  26. نفسه. ↩︎
  27. نفسه، ص59. ↩︎
  28. نفسه. ↩︎
  29. نفسه. ↩︎
  30. نفسه، ص51،50. ↩︎
  31. نفسه، ص108،107. ↩︎
  32. نفسه، ص108. ↩︎
  33. نفسه، ص124. ↩︎
  34. نفسه، ص110. ↩︎

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top