إليك أستاذي المُتجدِّد فينا البروفيسور أحمد أسحم
في لحظةٍ مُباغتة، قرأتُ تدوينةً مقتضبةً على تطبيق الفايس بوك، ورد فيها اسمُك مسبوقًا بكلمة “وفاة”، فتوثّب قلبي.. أعدتُ القراءة بروحٍ مصعوقة، فاشتعلتْ في قلبي غُصّةُ التأكيد أنّك قد فارقتَ الحياة.
تدوينةٌ عابرةٌ في فضاءٍ افتراضيٍّ أزرق، كانت كافية لإحداث صدمةِ حزنٍ قاسٍ التحف الدمع، واحترق بآهات النحيب.
تدوينةٌ عابرةٌ، لكنها غير اعتيادية، لأنها مختلفة وأشرس فتكًا بقارئها، لأنّها كانت تشير بوضوح، إلى أن أستاذي الجليل البروفيسور أحمد قاسم أسحم قد غادر دنيانا، وأن روحه الطاهرة قد ارتقت إلى عالم الخلود.
نعم أستاذي العزيز..
هكذا كان خبرُ رحيلك استثنائيًّا ومأساويًّا، في كل قلبٍ وعقلٍ تتلمذ صاحبُه على يديك. كان النعي صاعقًا روحَ كُلّ مَن ذاق طيبة لقائك، كلّ مَن حَظي بالتردد عليك، كُلَّ مَنْ لامس النقاء الملائكي في ضحكتك الحانية، كل مَن غمرتْهُ تقاسيمُ صوتك بنُبلِ روحك وتراتيل أخلاقك السامية.
أستاذي المفضال..
لا تزال اللحظة الأولى ــ التي شرُفتُ فيها بالتعرُّف إليك ــ خالدةً في ذاكرتي وأرشيف وجداني. تلك اللحظة، كانت في المحاضرة الأولى، التي ألقيتَها علينا فورَ عودتك من بلد الدراسة حاملًا درجة الدكتوراه في الأدب والنقد الحديث.
تلك المحاضرة الأولى، إشراقةُ لحظة التعارف الأولى، في قسم اللغة العربية ــ كلية التربية بجامعة تعز. كم كنتَ فيها ــ يا أستاذي! ــ مُدهشًا في حديثك عن قضايا ومصطلحاتٍ نقدية وأدبية، بلغة هادئةٍ ثريةٍ آسرة، تتدفق بانسيابٍ متماسك وأثير.
بعد دقائق من استهلالكَ تلك المحاضرة، أتذكر أنني أجبتُ على واحدٍ من تساؤلاتك، فجاء ردُّك مترعًا بطاقةٍ تحفيزية زادت من إجلالي لك وانجذابي إليك.
انتهت المحاضرة، وتنامى إجلالُنا لك. لم أفرط فيك ــ ذاك اليوم ــ لقد خرجتُ بعدك مباشرةً، اقتربتُ منك، دنتْ خطواتي من خطواتكَ التي كنتَ بها تقطعُ المسافة من باب الكلية إلى بوابة السور الخارجي. طيلة تلك المسافة، تحدثتُ معك، كنتَ ترد على استفساراتي واحدًا بعد الآخر؛ إذ لم يكن يهمّني حينها سوى البقاء معك أطول فسحة ممكنة من الوقت. فوجئتُ بطريقتك في الحديث مع مَنْ يتحدّث إليك في أول معرفة له بك، كنتَ تتحدّث بأريحية مطلقة، تلك الأريحية التي عادةً لا تأتي إلّا بعد زمنٍ من التعارف، لكنكَ كسرتَ هذه القاعدة، بذاك النبل، بتلك البساطة التي ترتقي بك إلى ذروة المحبة، تضعك تاجًا على نواصي القلوب.
أستاذي المتجدّد نورُه في طُرقنا الشائكة..
منذ تلك اللحظة، لم تنقطعْ صِلتي بك، لم تنقطع استنارتي بضوء علمك وإرشاداتك، في مرحلة البكالاريوس في كلية التربية، ثم في كلية الآداب، بمراحلها الثلاث: المقاصّة، والماجستير، والدكتوراه. لقد كنتَ ممتحنًا داخليًّا في لجنة المناقشة والحكم على رسالتي في الماجستير، أمّا أطروحة الدكتوراه فقد كنتَ أنت المشرف الرئيس على كل خطوة فيها.
كنتَ فيها المشرفَ والأخ والصديق؛ لذلك قلتُ شاكرًا لك ذلك، في مستهل جلسة المناقشة، وأنا أُلقي مُلخص الأُطروحة: إنك “لم تكن أستاذًا ومشرفًا فحسب، وإنما كنتَ ــ قبل كل شيء ــ إنسانًا نبيلًا، اجتمعتْ فيك صرامةُ المشرفِ وعطفُ الأب ومودةُ الأخ وإخلاصُ الصديق”. وأضفتُ بأنّ “لي شرف التتلمذ على يديك، غيرَ مرتوٍ من عالمك المعرفي الزاخر ما حييت”.
لقد قُلْتُها ذاك اليوم والسعادة تغمرُ كياني، وأجدّدُ قولها اليوم وغُصة الحزن تتلظّى في روحي ويتقطع بها قلبي. أقولُها اليوم غير مُرتوٍ من عالمك المعرفي الثريّ حتى يجمعنا الله بك في رياضه الخالدة.
أستاذي المستقرّ فينا..
استمرتْ صِلتي بك، واستمر إثراؤك تجربتي المعرفية، ألم تكُنْ أنتَ النموذجَ المُحتذى، الذي استلهمتُ منه استقرارَ اختياري على تخصصي العلمي الدقيق!.. لقد استمر حضورك في محطّاتي كلها، ولن تغيب..
لم تنقطعْ صلتي بك، حتى بعد آخر مكالمةٍ بيننا، قبل بضعة أشهر. تلك المكالمة التي لم أشعر فيها أنّ المرض قد فتك بك، لقد كنتَ تتعالى على أوجاعك، مستمرًا في عطائك حتى على حساب صحتك والتزاماتك غير الأكاديمية.
تلك المكالمة الأخيرة ــ يا أستاذي العزيز ــ لم يخطر في بالي أنها ستكون الأخيرة التي أسمع فيها صوتك، الأخيرة التي أستطيب فيها بحنان ضحكتك، تلك الضحكة الملائكية، المعجونة بعاطفةِ الحرصِ على كلّ مَنْ يستضيء بها، وكلّ مَنْ يتزوّد منها بالهمّة المتجددة، في رحلته إلى آماله وأحلامه النائية.
لم يكن في حسباني أن الموت بهذه السرعة سوف يزحف إليك. يا لقسوته! لقد كان أسرع إليك من الاحتمالات كلّها، مُلْحقًا بي ــ بنا جميعًا ــ أفدحَ خسارةٍ يستحيل تعويضُها.
وعلى ذلك، لم تنقطع صلتي بك! نعم أستاذي! لم ولن تنقطع صلتي بك، ستظل أيقونةَ الضوء في آفاق ارتحالنا، ستظل ذكراك مناجمَ علمٍ متجدد في كل محطة نخطو إليها، ستظل ضحكتك النقية الصادقة السخية نافذةَ الأمل، الذي يجب أن نتشبّث به مهما تمادت الحياة في تمزيقنا بأحوالها.
أستاذي الغالي..
لا أزال أتذكّرُ ذاك اليومَ الذي قلتَ لي فيه ــ بعاطفة أب حريص على أن يصل أبناؤه إلى أقصى غاية يرجو وصولهم إليها ــ: “يا عبده! سوف تشكُرني في مستقبلك القادم، لأنني أُعدّك وكلّ طلبتي لمستقبلكم الذي ستشكرون لي حرصي على ألّا تصلوا إليه إلّا بعد أن تمروا بكل الطرق التي ستغنيكم عن أي عناء مستقبلي”.
نعم يا أستاذي! لقد تذكّرتُ وسأظل أتذكُّر ذلك القول مرارًا وتكرارًا. لقد شكرتُ لك ذلك حينها، وشكرتُ لك ذلك فيما بعد، وسأظل أشكر لك ذلك ما حييت.
سنظلّ شاكرين لك ذلك الدهر كله، سنظل امتدادًا لروحك وضوئك، ولن نحيد عن طريقك، التي عبّدتْها لنا بوفائك لمهنتك، أضأتَها بإخلاصك لتخصصك الذي تفانيت في العمل عليه حتى اصطفاك الخلود.
أستاذي المغفور له بإذن الله تعالى..
عزاؤنا فيك ما تركتُه فينا من معنى الإخلاص والتفاني المعرفي..
عزاؤنا فيك أنك قد خلّفت أولادًا، سوف يظلّون ــ كما أعددتْهم ــ أقمارَ نقاءٍ، حاملين قبسًا من روحك، مُتمثِّلينَ طيبتك وقيَمك النبيلة.
أستاذي الحبيب..
رحمة الله تغشى روحك الطاهرة كل لحظة وكل حين.
وألهمنا الله ــ وعائلتك وأسرتك الكريمة وكل طلابك وأحبائك ــ الصبر والسلوان
إنّا لله وإنّا إليه راجعون.


