الميول الكتابية إلى الفكاهة

الميول الكتابية إلى الفكاهة

من الكتَّاب من يميلون في كتاباتهم إلى روح الفكاهة والدعابة والضحك، فيظهر ميلهم هذا في مواضع متعددة من كتاباتهم، وأبحاثهم.

الميول الكتابية إلى الفكاهة

د. عبده منصور المحمودي

يُعدّ الميل إلى روح الفكاهة والهزل واحدًا من الخصائص التي يقوم عليها أسلوب الكتابة لدى كثير من أرباب الكتابة المعاصرة. لا سيما أولئك المنتمون إلى الحقل الأكاديمي، بما هو عليه من روح الجدية والصرامة العلمية، التي ينجح بعضٌ منهم في التخفيف منها، خاصة في كتاباتهم المنتمية إلى نسق الكتابة الصحفية، التي لا مجال فيها لجفاف الكتابة العلمية البحتة.

ويظهر هذا الميل في كتابات الأستاذ الدكتور عباس السوسوة؛ إذ نجد فيها تجليات هذا النسق الكتابي موزعة بين النكتة والسخرية والفكاهة، فضلًا عن المحاكاة التهكمية الناضحة بروح الفكاهة الآسرة.

[1]: العوامل والجذور
[1ــ1]: ميول متقادمة

يقول الدكتور عباس السوسوة، عن حضور الروح الهزلية في مواضع من كتاباته وأبحاثه إن ذلك واحدٌ من ميوله واهتماماته: “أنا ميَّالٌ إلى الكتابات التي فيها روح السخرية من قديم”(1).

ولإشباع هذا الميل، اتجه نحو قراءة النتاج الإبداعي في هذا الجانب لعددٍ من الكُتاب، وتأثر بهم وبأساليبهم. من مثل: إبراهيم عبد القادر المازني، وأحمد رجب، ومحمد جلال كشك… (2). وعلى ذلك، فهو يرى أنه وإن تأثر بهؤلاء، فإن له بصمته الخاصة، وأنه ليس نسخة منهم، فيقول: “لكن على كل حال، يبقى بعد ذلك لكل إنسانٍ بصمته الخاصة، لأنني إذا كنت سأكون نسخة ثانية من أيٍّ من هؤلاء الكبار، فالأحرى أن يُسْتغنى بالأول عن الأخير”(3).

[1ــ2]: بين ذمار والقاهرة

من بواعث نشأة هذا الميل لدى السوسوة، شخصية والده الفكهة؛ فوالده ــ كما يقول ــ كان رجلًا فكهًا، فهو ــ وإن كان يعمل في القضاء، وتبدو عليه ملامح التجهم ــ يُضحك بمجرد سماعه نكتة من النكات أو نادرةٍ من النوادر، سواءٌ في مجلس القضاء، أو في منزله مع أولاده وأفراد عائلته(4). فوالده ــ على حزمه وتجهُّمهِ ــ  كان فكهًا. وهذه هي السمة التي ورثها عن أبيه، فعلى ملامح التجهم التي تبدو عليه، وعلى حزمه في تدريسه وإدارته، إلّا أنه هو، أيضًا، متمتعٌ بروح الفكاهة  والدعابة.

كما أن أصله يعود إلى مدينة ذمار. ومن سمات أبنائها الفكاهة، ولهم باعٌ طويلٌ في ابتكار الألقاب وإلصاقها بمن يريدون السخرية منه، فيصبح اللقب الذي يلصقونه به أشهر من اسمه، ولا يكاد ينافسهم فيه أحد(5). كما أنهم يُعدّون من مصادر السخرية السياسية في اليمن(6)، بل هم ــ بوجهٍ خاص ــ “أصحاب النكتة السياسية في اليمن”(7). وهم أيضًا أصحاب النكتة بوجهٍ عام، فهناك اعتقادٌ سائد “أن كل ذماري بالضرورة كوميدي (منكت)، والواقع أن الذماري (جلف)، أجبرته تعاسة الحياة على القسوة. ولكن وبما أن الشيء ينقلب ضده، فقد حول الذماري قسوة الحياة إلى نكتة”(8).

وقد زادت الفترة التي قضاها السوسوة في مصر، في مراحل دراسته الجامعية (ليسانس، ماجستير، دكتوراه) من إثراء روحه الفكهة، وإشباع ميوله في هذا الجانب؛ فروح المرح والفكاهة “تأصلت في نفوس الشعب المصري من أقدم الأزمان”(9). كما أنها “النبع الذي لا يجف في أنفسهم، مهما شغلوا بحروب وأحداث”(10). لذلك فإن “الفكاهة تتعمق روح المصريين من أعمق عصورهم إلى عصرنا الحديث”(11)، كما أن “الشعب المصري كلف بالنكتة منذ زمن بعيد، ونعلم أن المصريين عرفوا المسرح الهزلي في صورة الأراجوز وخيال الظل”(12). لذلك فقد كانت معايشة السوسوة لهم، وتثاقفه معهم رافدًا آخرَ، أثرى عنده روح الدعابة والحس الفكاهي.

[1ــ3]: تجليات الفكاهة في السلوك اليومي

هذه العوامل، كونت عند السوسوة الروح الفكهة: ابتداءً بالأصل الذماري، ووراثةً عن والده، ومعايشةً ومثاقفةً للمصريين؛ فتبلورت عنده هذه الروح الفكهة. كما تبلور حسه الفكاهي، الذي يتمثل في “تلك السمة من سمات الشخصية التي تتعلق بتذوق الفكاهة، والاستمتاع بها، وإنتاجها، وكذلك فهمها”(13). وانعكس ذلك، بعفويةٍ، في سلوكيات حياته اليومية، وفي مواطن من أبحاثه وكتاباته؛ إذ اتخذ من الهزل وسيلة للتنفيس عن معطيات الواقع السيئ، فيتناول من خلاله الدنيا تناولًا طيبًا حسنًا، فتسهل بذلك صعوبات الحياة. وهذه الوسيلة، هي التي تحصن بها، فلم تصبه أمراض العصر، كالضغط والسكر ــ مع تقدم سنه ــ الناتجة عن ضغوطات الحياة، والجدية المطلقة، والقلق، والتكلف المبالغ فيه في التعامل مع مجريات الحياة(14).

[2]: أنماط الهزل: نكتة، سخرية، فكاهة

جسدت ميول الدكتور عباس السوسوة إلى الأسلوب الهزلي حسه الفكاهي، في مواطن من كتاباته وأبحاثه، في ثلاثة مجالات رئيسة: النكتة، والسخرية، والفكاهة. لاسيما  ما تضمنه كتابه “شرح المشعططات السبع”. الذي يقول في مقدمته: “حاولنا أن نمزج الجد فيه بالهزل”(15). ويغلب الهزلُ الجدَّ في هذا الكتاب؛ فالمؤلف لم يشرح “هذه الأناشيد السبع شرحًا جديًّا إلا عند تناول الألفاظ مفردة. أما جله فكان شرحًا هزليًّا”(16).

[2ــ1]: النكتة

روى الدكتور عباس السوسوة عددًا من النكات؛ من مثل روايته للنكات السياسية، والنكات الاجتماعية.

ويُلاحظ على نماذج النكتة عند السوسوة، أنه راوٍ للنكتة، وليس مبدعًا لها؛ على اعتبار “أن النكتة إبداع شعبي جماعي يشترك فيه عددٌ من الأفراد، وليس فردًا واحدًا، حيث يضيفون إليها، أو يحذفون منها أو يعدلون فيها، أو يطورونها حتى تصل إلى شكلها المقنن المعروف”(17).

وهو في عرضه للنكتة، سواءٌ في تدوينها، أو روايتها شفاهًا، بارعٌ في روايتها، على اعتبار أن الرواة البارعين للنكات “لابد أن يتسموا بعدد من السمات، أهمها: قوة الحضور، الميل إلى السيطرة، الانبساطية، العفوية، الطلاقة اللفظية، الميل إلى المرح، حس الفكاهة المميز…”(18). وقد توافرت هذه الأمور عند السوسوة، بشكلٍ أو بآخر، فروى النكتة: تدوينًا، وشفاهًا، ببراعة تثير الضحك، بالإدراكات غير المتوقعة.

كما أنه يروي النكتة بلغتها التي قيلت فيها، فلا يتدخل في تحوير التراكيب والألفاظ العامية التي تضمّنتْها؛ حفاظًا على وهجها الذي تصبغه عليها لغتها الحقيقية، التي قيلت فيها. وهذا الأمر قد أكده الجاحظ قديمًا، بقوله: “إذا سمعت بنادرةٍ من نوادر العوام، وملحة من ملح الحشوة والطغَّام، فإياك وأن تستعمل فيها الإعراب، أو أن تتخير لها لفظًا حسنًا، أو أن تجعل لها من فيك مخرجًا سَرِيًّا، فإن ذلك يفسد الإمتاع بها، ويخرجها من صورتها، ومن الذي أريدت له، ويُذهب استطابتهم إياها، واستملاحهم لها”(19).

[2ــ2]: السخرية

سخر عباس السوسوة، من ظواهر اجتماعية وسياسية يمنية، وظواهر سياسية واجتماعية عربية. فسخر من عدم اتساق الظواهر اليمنية مع المعطيات السياسية والأنساق الاجتماعية في المجتمع اليمني، وسخر من عدم اتساق الظواهر العربية مع المعطيات السياسية والاجتماعية المُكَوِّنة لهوية المجتمع العربي، بما في ذلك المجتمع اليمني.

كما كانت سخريته من الظواهر السياسية، والاجتماعية: العربية، واليمنية، قائمة من جهةٍ أخرى على السخرية، من عدم اتساق هذه الظواهر مع المعطيات الموضوعية، المتوائمة مع خصائص النفس البشرية، والمتفقة مع قوانين المنطق ومسارات الفكر السليم. فهو موضوعيٌّ في توجهه العلمي، وفي نقده الفكري، وفي رؤاهُ الساخرة من ظواهر غير متسقة مع موضوعية الفكر والحقائق الإنسانية. وبذلك؛ فإن سخريته هذه، تسهم بأيِّ شكلٍ من الأشكال، في ترسيخ ثقافةٍ إنسانيةٍ منطلقةٍ من الخصائص البشرية العامة، لا من فكرٍ منحصرٍ في زاويةٍ بعيدةٍ عن المبررات الموضوعية والفكرية، التي تؤهلها إلى أن تكون منطلقًا متوافقًا مع مقتضيات الثقافة الإنسانية والفكر الإنساني.

والسوسوة ساخرٌ حتى في بعض عناوين أبحاثه، ومقالاته. لاسيما تلك المقالات التي صُدرت بعنوان ثابت، يليه عنوانٌ فرعي متغير. هذا العنوان الثابت، يتمثل في الجملة: “بدون جمارك”(20)، التي يسخر بها من مشرط الرقابة الصحفية، الذي يمسخ النصوص، بتعديلاته وحذفه جملًا وأفكارًا، قد تكون جوهرية في النص. وكأن ذلك الحذف والتعديل، نظامٌ من أنظمة الضرائب والإتاوات، وكأن السوسوة يقول: انشروا النص كما هو من دون أن تفرضوا عليه ضرائبكم وجمارككم الصحفية.

ولم تكن سخريته مقتصرة على السخرية السياسية والاجتماعية، بل كان ساخرًا ــ أيضًا ــ من أمورٍ أخرى، كسخريته من اللاعب المصري “الخطيب”، الملقب “بيبو”؛ إذ يسخر من هذا اللاعب، الذي اكتسب شهرة لا يستحقها ــ كما يقول ــ فهو متدنٍ في مهاراته، وقدراته، وكفاءته الرياضية، لذلك لا يستحق مثل تلك الشهرة (21).

كذلك، يسخر من المسرح العربي، والمسرحيين العرب، والمنظرين للمسرح العربي؛ فيسخر من هؤلاء، ومما يقدمون، فما يقدم ــ كما يقول ــ في هذا المسرح، ليس إلا غوغاء، وغثاء، تجعل منه أشبه ما يكون بمسرحٍ للحيوانات، التي تسرح في غاباتها كيفما اتفق(22).

[2ــ3]: الفكاهة

كانت روح السوسوة، المنطلقة من الحس الفكاهي، ذات تجلٍ واضح، سواءٌ في تعامله المصبوغ بالفكاهة العفوية، أو في مواطن من كتاباته وأبحاثه.

[3]: خصائص الكتابة الهزلية في أسلوب السوسوة

جاء الأسلوب الهزلي عند السوسوة، في مجالاتٍ رئيسة ثلاثة: النكتة، والسخرية، والفكاهة. في كل مجالٍ منها تناولٌ لمعطياتٍ اجتماعية، وسياسية، بأسلوبٍ هزليٍّ مثير  للضحك والتفكه؛ إذ كان باعث الضحك في هذه المعطيات، التناقض بين مضامين كل معطىً من هذه المعطيات، وعدم الاتساق مع المأمول من هذه المضامين مع الفلسفة الاجتماعية، والسياسية، في المجتمع اليمني، بالنسبة إلى ما يتعلق من هذه المعطيات بالمجتمع اليمني. وعدم الاتساق مع المأمول من هذه المضامين مع الفكر الاجتماعي والسياسي العام، بالنسبة إلى المجتمع العربي بصفةٍ عامة.

كما كان المثير للضحك، أيضًا، التناقض بين مضامين كل معطىً من المعطيات الاجتماعية والسياسية ــ يمنية وعربية ــ وواقعية الفكر، ومنطق الطبيعة الإنسانية المتماثلة في عمومياتٍ ذات وجودٍ في المجتمعات الإنسانية كلها.

وقد تجلى أسلوب السوسوة الهزلي، بتقنياتٍ مختلفة، فتجلى من خلال تقنيات: المفارقة، والمقابلة، والتلاعب اللغوي، والاستعارة، والتهكم، والتورية.

[4]: المحاكاة التهكمية

من مظاهر المحاكاة التهكمية، في كتابات وأبحاث الدكتور عباس السوسوة، ما ورد من الإبدال الخاص “للأحداث والكلمات الخاصة بالقصائد أو المسرحيات الجادة، وإحلال كلمات وأشخاص ودوافع وأفعال أقل أهمية محلها”(23).

[4ــ1]: معارضات شعرية تهكمية

للدكتور عباس السوسوة، منذ زمنٍ بعيد، معارضاتٌ شعرية. حاكى فيها قصائد قديمة محاكاة هزلية للتسلية(24). منها: “أبو تمام في السوق المركزي”(25)، معارضة لقصيدة أبي تمام، “عمورية”(26). و”إرادة الطعام”، معارضة لقصيدة “إرادة الحياة”، لأبي القاسم الشابي(27). و”لكع اللوى” معارضة لقصيدة “سقط اللوى”(28)، لامرئ التيس(29) بدلًا من امرئ القيس”(30).

[4ــ1ــ1]: معارضة قصيدة أبي تمام

مما جاء في معارضة قصيدة أبي تمام، بيتٌ أورده السوسوة، في كتابه “شرح المشعططات السبع”. في شرح الشطر: “والمَقرَمَة الحرازي”(31)، من المشعططة الثانية، إذ يقدم هذا البيت قائلًا:

“قال عباس في قصيدة (أبو تمام في السوق المركزي)(32):

بيضُ (المقارمِ) لا سودُ الشّراشِفِ في ** وجوهَهُنَّ جلاءُ الشكِّ والرِّيَبِ

وهذا البيت، يقابله في قصيدة أبي تمام، البيت الشعري(33):

بيضُ الصفائحِ لا سود الصحائف في ** متونهُنّ جلاء الشكّ والرِّيَبِ

[4ــ1ــ2]: معارضة قصيدة أبي القاسم الشابي

مما جاء في محاكاته الساخرة، لقصيدة أبي القاسم الشابي، هذه الأبيات(34):

إذا المرء يومًا أرادَ الطعام ** فلابدَّ أن يستجيبَ المدر

ولابدَّ للسمن أن ينقلي ** ولابد للبيضِ أن ينكسرْ

ومن لم يُعانقْهُ حبُّ الكبابْ ** تصعلكَ في سوقها واندحر

ومنْ لا يحبُّ لحوم الكباشْ ** يعشْ أبدَ الدهرِ بين البقرْ

[4ــ2]: المحاكاة التهكمية في كتاب “شرح المشعططات السبع”

تظهر محاكاة الدكتور عباس السوسوة التهكمية، بشكلٍ واضحٍ، في كتابه “شرح المشعططات السبع”. بدءًا من عنوان الكتاب، ثم اطرادًا في مضمونه. بما يمثله من محاكاة تهكمية لشروح الشعر القديم(35)؛ إذ يشير السوسوة إلى ذلك بالقول:

“هذا شرح للمشعططات السبع اليمانية. والمشعططات على وزن المشعلقات. والمشعلقات قصائد أنشدها المغفور له أبو على حسين بن شفيق المصري يعارض فيها المعلقات الجاهلية”(36). وبذلك، فقد جاء الكتاب محاكاة لطرائق القدماء في التأليف عامة، ومحاكاة لطرائقهم في شروح الشعر خاصة.

[4ــ2ــ1]: محاكاة المؤلفين القدماء في شرح الأبيات الشعرية

إذا كانت شروح الشعر القديم تبدأ شرح القصيدة بالإشارة إلى البحر الشعري الذي جاءت منه، فإن السوسوة يفعل ذلك في بداية شرحه لكل مشعططة من مشعططات الكتاب؛ فيشير إلى بحر القصيدة وتفاعيله. لكن ليس بحرًا خليليًّا، وإنما بحرٌ ذو معنى هزليٍّ وتفعيلاتٍ هزليةٍ فكهة. يقول، مثلًا، في بداية شرح المشعططة الخامسة:

“هذه القصيدة تعد مجمعًا للبحور، ففيها بحر المجانين وتفاعيله زفتن زفتن زفتن زفتن. ومنها بحر الصريع… وفيها بحر المتسكع وتفاعيله صافعن صافعن”(37).

فبحر “المجانين” وتفاعيله (زفتن زفتن …) محاكاة لبـحر “المــتدارك”، وتفاعيله (فَعْلُنْ فَعْلُنْ فَعْلُنْ فَعْلُنْ)(38).

وبحر “الصريع” وتفاعيله محاكاة لبحر “السريع” تسميةً، ولبحر “الرمل” تفاعيلَ؛ وتفاعيله ــ الرمل ــ (فَاعِلاتُنْ فَاعِلاتُنْ فَاعِلُنْ)(39). وبحر “المتسكع” وتفاعيله (صافعن صافعن) محاكاة لبحر “المتدارك” ــ أيضًا ــ وتفاعيله (فَاعِلُنْ فَاعِلُنْ)(40).

ففي هذه القصيدة ــ كما يقول ــ اجتمع أكثر من بحر، فأشار إلى ذلك. بينما كانت باقي القصائد من بحرٍ واحدٍ فقط، تختلف هذه البحور من قصيدةٍ إلى أخرى، فأشار في بداية شرحه لكل قصيدةٍ، إلى بحرٍ فكاهيٍّ ذي تفاعيل هزلية، جاءت منه تلك القصيدة أو المشعططة(41).

[4ــ2ــ2]: المحاكاة التهكمية لأساليب المؤلفين القدماء

يحاكي الدكتور عباس السوسوة في كتابه هذا (شرح المشعططات السبع) المؤلفين القدماء، في عدد من أساليبهم التأليفية. من مثل طرائق تعاملهم مع أسماء الأعلام المتتابعة، وترديدهم لعبارات معينة بكثرة، وطرق الإحالة على أسماء المؤلفات.

فمن محاكاته لطرائق تعاملهم مع أسماء الأعلام المتتابعة، محاكاة فصلهم بين أسماء الأعلام المتتابعة بكلمة (ابن) للمذكر و(ابنة/ بنت) للمؤنث، فسار السوسوة على طريقتهم هذه، مع أن مجمع اللغة العربية القاهري، قد أقرَّ حذف كلمة (ابن) من بين أسماء الأعلام المتتابعة(42). لكن السوسوة، حاكى القدماء في ذلك محاكاة تهكمية، ففصل بين أسماء الأعلام المتتابعة، وهي أسماء أعلامٍ معاصرة، وردت من دون هذه الكلمة، فيقول، مثلًا: “قال فريد بن الأطرش”(43)، على أن اسمه المتداول والمعروف به (فريد الأطرش). ويقول: “بدر بن شاكر بن السياب”(44)، على أن اسمه المتداول (بدر شاكر السياب). أو قوله: “وقالت سميرة بنت توفيق”(45)، على أن اسمها المتداول، هو (سميرة توفيق). وأسماء معاصرة كثيرة، أوردها السوسوة على هذه الطريقة القديمة، محاكيًا بذلك القدماء، محاكاة تهكمية، في أسلوبٍ هزليٍّ فكه.

أما محاكاته التهكمية لأساليب القدماء، في ورود تعبيراتٍ متداولة بكثرة عند القدماء، فمن مثل: “… فاعلمه”(46)، و”…فاحفظ ذلك”(47)، أو”… والله أعلم”(48).

وفي محاكاته لأساليب القدماء في طرق الإحالة على أسماء مؤلفات، يأتي ما يذكره من أسماء مؤلفاتٍ، يبتكرها محاكاة لأسماء مؤلفاتٍ قديمة، من مثل: كتاب “الأغاني”، لأبي الفرج الأصفهاني، الذي يحاكيه محاكاة تهكمية بـ “الأغاني للأسفهاني”(49).

  1. من المقابلة التي أجراها معه الباحث، في يوم الأربعاء: 11ربيع الأول 1429هـ ـ  19 مارس 2008م . ↩︎
  2. نفسه. ↩︎
  3. نفسه. ↩︎
  4. نفسه. ↩︎
  5. عباس علي السوسوة، “لهجة ذمار، دراسة صوتية وصفية”. رسالة ماجستير (غير منشورة)، كلية الآداب ـ جامعة القاهرة، 1404هـ ـ1984م، ص: (6). ↩︎
  6. من المقابلة التي أجراها معه الباحث، في يوم الأربعاء: 11 ربيع الأول 1429هـ ـ 19 مارس 2008م. ↩︎
  7. عباس علي السوسوة، “البلدي والخارجي”. صحيفة الجديد، أبين، العدد (93)، السنة (21)، 8 ديسمبر 1993م، ص: (8). ↩︎
  8. عمرك ما ضحكت، عبد الكريم عبد الله السوسوة، مركز عبادي للدراسات والنشر، ط1، صنعاء، 1422هـ ـ 2002م، ص: (17). ↩︎
  9. شوقي ضيف، “الفكاهة في مصر”. ط2، دار المعارف، القاهرة، د.ت، ص: (20). ↩︎
  10. نفسه، ص: (40). ↩︎
  11. نفسه، ص: (207). ↩︎
  12. أحمد محمد الحوفي، “الفكاهة في الأدب، أصولها وأنواعها”. دار نهضة مصر، القاهرة، د.ت، ص: (10). ↩︎
  13. شاكر عبد الحميد، “الفكاهة والضحك، رؤية جديدة”. سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، العدد (289)، يناير 2003م، ص: (26). ↩︎
  14. من المقابلة التي أجراها الباحث، مع الدكتور أحمد قاسم أسحم، في صباح يوم الأحد: 2 ربيع الآخر 1430هـ ـ 29 مارس 2009م. ↩︎
  15. ضياء الدين بن جمال الذماري، “شرح المشعططات السبع”. تحقيق وتعليق: عباس علي السوسوة. ط1، مركز عبادي للدراسات والنشر، صنعاء، 1428هـ ـ 2007م، ص: (10). ↩︎
  16. نفسه، ص: (7). ↩︎
  17. شاكر عبد الحميد، “الفكاهة والضحك”. مرجع سابق، ص: (408). ↩︎
  18. نفسه، ص: (410). ↩︎
  19. الجاحظ، “البيان والتبيين”. تحقيق: حسن السندوبي. ط1، دار إحياء العلوم، بيروت، 1414هـ ـ 1993م، جـ1/ ص: (149). ↩︎
  20. الجمارك: مصطلح يطلق على المال، الذي يؤخذ ضرائب على واردات البلد، غير المحلية.. ↩︎
  21. ضياء الدين بن جمال الذماري، “شرح المشعططات السبع”. مرجع سابق، ص: (29). ↩︎
  22. نفسه، ص: (72،71). ↩︎
  23. شاكر عبد الحميد، “الفكاهة والضحك”. مرجع سابق، ص: (98). ↩︎
  24. من المقابلة التي أجراها معه الباحث، في يوم الأربعاء: 16 جمادى الأولى 1429هـ ـ 21 مايو 2008م. ↩︎
  25. السوق المركزي: المراد به، السوق الواقع في قلب مدينة تعز. ↩︎
  26. ينظر: ديوان أبي تمام، تقديم وشرح: محيي الدين صبحي، دار صادر، ط1، بيروت، 1997م، جـ1/ ص: (96). ↩︎
  27. ينظر: ديوان أغاني الحياة، أبو القاسم الشابي، دار الكتب الشرقية، ط1، د.مكان نشر، 1955م، ص: (167). ↩︎
  28. ينظر: ديوان امرئ القيس (حندج بن حجر الكندي)، تحقيق: حنا الفاخوري، دار الجيل، ط1، بيروت، 1409هـ ـ 1989م، ص: (25). ↩︎
  29. نسب مضمونًا مستعارًا إلى امرئ التيس، في موضعٍ من كتاب “شرح المشعططات السبع”. مرجع سابق، ص: (33). ↩︎
  30. من المقابلة التي أجراها معه الباحث، في يوم الأربعاء، 16 جمادى الأولى 1429هـ ـ 21 مايو 2008م. ↩︎
  31. ضياء الدين بن جمال الذماري، “شرح المشعططات السبع”. مرجع سابق، ص: (40). ↩︎
  32. نفسه. الشراشف، جمع شرشف، ولفظ الشرشف في المحكية اليمنية: يطلق على حجاب المرأة، كما هو معروف، وهو غطاء للرأس، والظهر، والصدر. يتبعه غطاء للوجه، وأزرار. وهو يغطي جسد المرأة بكامله، ويشترط أن يكون لونه أسود. ↩︎
  33. ديوان أبي تمام الطائي، ط. دار صادر. مصدر سابق، جـ1/  ص: (96). ↩︎
  34. مخطوطة معارضات عباس السوسوة الشعرية، الموجودة في مكتبة الدكتور أحمد قاسم علي أسحم الخاصة. ↩︎
  35. ضياء الدين بن جمال الذماري، “شرح المشعططات السبع”. مرجع سابق، ص: (7). ↩︎
  36. نفسه، ص: (9). ↩︎
  37. نفسه، ص: (69). ↩︎
  38. ميزان الذهب في صناعة شعر العرب، السيد أحمد الهاشمي، مؤسسة الكتب الثقافية، ط1، بيروت، 1409هـ ـ 1989م، ص: (84 ـ 87). ↩︎
  39. نفسه، ص: (61 ــ 65). ↩︎
  40. نفسه، ص: (84 ــ 87). ↩︎
  41. ينظر: ضياء الدين بن جمال الذماري، “شرح المشعططات السبع”. مرجع سابق، ص: (107،95،63،45،21،11). ↩︎
  42. مجلة مجمع اللغة العربية، 1966م، جـ20/ ص: (111). ↩︎
  43. ضياء الدين بن جمال الذماري، “شرح المشعططات السبع”. مرجع سابق، ص: (34). ↩︎
  44. نفسه، ص: (96). ↩︎
  45. نفسه، ص: (105،48،46). ↩︎
  46. نفسه، ص: (110،42). ↩︎
  47. نفسه، ص: (42). ↩︎
  48. نفسه، ص: (50،44). ↩︎
  49. نفسه، ص: (96،59). ↩︎

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top