تقنية استعارة المضامين

تقنية المضامين المستعارة

من تجليات توظيف تقنية الاستعارة، نسبة مضامين مستعارة إلى أعلام ٍومؤلفات لا مكان لها فيها، مع قرينة موضوعية تحيل على قائلها الحقيقي.

تقنية استعارة المضامين

د. عبده منصور المحمودي

في السياق الفنيّ نفسه ــ الذي تنتمي إليه كلٌّ: من تقنية الكتابة بأسماء مستعارة، وتقنية الإحالة على عناوين مستعارة ــ يأتي توظيفُ تقنيةِ استعارة المضامين ضمْنَ أساليب الكتابة الحديثة.

وإذا كانت أسماء الأعلام المستعارة وعناوين المؤلفات المستعارة وهميةً، غير حقيقية ــ في سياقات استئناس الدكتور عباس السوسوة بها في بعضٍ من منجزه الكتابيّ ــ فإنه في جانبٍ آخر من توظيفه لهذه التقنية، قد أورد أعلامًا وعناوينَ حقيقية، ثم نسب إليها مضامينَ وأفكارًا ورؤىً وأقوالًا، بطريقة الاستعارة. وبذلك؛ فالمضامين ــ هنا ــ هي الجانب الذي تدخله الاستعارة. أما أسماء الأعلام والمؤلفات فهي حقيقية وليست هنا وهمية، بمعنى أن السوسوة هنا يستعير هذه الأعلام والعناوين، وينسب إليها مضامينَ وأقوالًا، هي في الحقيقة مضامينه وأقواله. بينما في مجالي استعارة (الأعلام والعناوين)، دخلت الاستعارة على المضامين والعناوين وأسماء الأعلام.

[1] ــ بين السوسوة والتوحيدي

وظف السوسوة تقنية استعارة المضامين؛ ليبثّ من خلالها أراءه وأفكاره، على لسان مؤلفين مشاهير، من عناوين شهيرة. وهذه الطريقة/ التقنية ــ التي ينسب فيها الشخص أفكاره ورؤاه، إلى غيره ــ هي طريقة من طرق الكتابة، التي لها حضورها في الفكر العربي القديم، فقد استأنس بها أبو حيان التوحيدي في بعض كتاباته؛ إذ يرجح الباحث محمد توفيق حسين، في تحقيقه لكتاب أبي حيان التوحيدي “المقابسات” ــ كما يرجح أغلب الشُّراح والمحققين لكتابات التوحيدي ــ أن التوحيدي قد اصطنع هذه الطريقة، أي نسبة أقواله وآرائه إلى فلاسفة عصره. في حين أن هذه الآراء هي من وحي خاطره، وبنات فكره كأسلوب من أساليب الكتابة عنده(1).

وقد جاءت بعض استعارات السوسوة، في “شرح المشعططات السبع”، على طريقة التوحيدي ــ هذه ــ مع اختلاف طريقته عن طريقة التوحيدي، في أمرين:

الأول: أن التوحيدي نسب أقواله وآراءه إلى غيره، بطريقةٍ لا تفصح بوضوحٍ أن هذه آراؤه وأقواله هو. والمحققون لكتاباته وشُرّاحها هم مَنْ يرجّحون أنها آراؤه وأقواله. في حين  يفصح السوسوة، عن طريق إيراد قرائن موضوعيةٍ، أن هذه الآراء والأقوال هي آراؤه وأقواله هو، وأن نسبته لها إلى غيره من العلماء والمفكرين، ما هي إلا تجسيدًا لروح الفكاهة والسخرية، التي قام عليها الغالب من محتوى الكتاب.

والثاني: أن التوحيدي نسب أقواله وآراءه إلى علماء وفلاسفة عصره. بينما ينسب السوسوة آراءه وأقواله، إلى علماء ومؤلفاتٍ سابقةٍ لعصره بحقبٍ وعصور؛ فكثيرٌ من هذه المضامين، تعبّر عن معطياتٍ معاصرة، تعود إلى زمن السوسوة، لا إلى أزمنةِ مَنْ نسبها إليهم من العلماء والمفكرين.

[2] ــ توظيف السوسوة لتقنية استعارة المضامين

قام توظيف السوسوة لتقنية استعارة المضامين على نسقين اثنين، الأول تضمّن نسبة أقوال السوسوة وآرائه إلى عنوان مؤلفٍ شهيرٍ لعالمٍ شهير. والآخر الاكتفاء بنسبتها إلى علمٍ شهير، من غير إيراد اسم مؤلفٍ مؤلفاته.

[2ــ1] ــ النسبة إلى مؤلفاتٍ شهيرة
[2ــ1ــ1] ــ “كشاف اصطلاحات الفنون”، و”الأغاني”

من المؤلفات الشهيرة التي نسب إليها السوسوة بعض آرائه وأقواله، كتاب “كشاف اصطلاحات الفنون” للتهانوي؛ ففي شرح الشطر: “أدّيْ لَخي خَطيبة”(2)، من المشعططة الثانية، يستطرد بلطيفةٍ من لطائفه، ناسبًا إياها إلى التهانوي، فيقول:

“قال التهانوي في (كشاف اصطلاحات الفنون): الأداء العلني هو المنكر العلني. ومنه الأداء العربي الغنائي والأداء المسرحي العربي والأداء السينمائي العربي. اهـ”(3).

فمصطلحا: “المسرح”، و”السينما”، مصطلحان معاصران، لا وجود لهما في زمن التهانوي. وورود مصطلحاتٍ معاصرةٍ، على لسان هذا المؤلف، أو غيره من المؤلفين القدماء، قرينة موضوعية واضحة في إفصاحها، أن القول للسوسوة، لا لغيره.

وفي شرح الشطر: “يا مُحُمَّد”(4)، من المشعططة الثانية، من مشعططات الكتاب، ينسب إلى كتاب أبي فرج الأصفهاني “الأغاني” قولًا عن مطربةٍ من مطربات هذا العصر، فيقول:

“وذكر الأصفهاني في (الأغاني) أن فايزة بنت أحمد ذكرت في شعرها (مْحَمَّد) بسكون الميمين وفتح الحاء فقالت…”(5).

فالأصفهاني وكتابه، ينتميان إلى الزمن القديم. أمّا المطربة فايزة بنت أحمد، فهي من مطربات هذا العصر. وقد عَرَّفَ بها السوسوة، في هامش الصفحة نفسها، قائلًا:

“مطربة حلبية الأصل، مصرية الفن تزوجت ــ رحمها الله ــ ثلاث مرات أطولها مع الملحن محمد سلطان. توفيت في سبتمبر 1983م. كانت ندية الصوت قويته”(6).

[2ــ1ــ2] ــ “أخبار الأذكياء”

ومن نماذج ذلك ــ أيضًا ــ ما نسبه السوسوة إلى كتاب ابن الجوزي “أخبار الأذكياء”؛ إذ ورد ذلك في شرحه للشطر: “والشعير والبر”(7)، من المشعططة السادسة، فبعد أن يورد حكاية الرجل الذي كان له مخزن مملوء برًّا وشعيرًا ــ باع البر واشترى بثمنه حصانًا، أكل الشعير، فتمثل بالقول: “من قلة عقلي وتدبيري، بُري أكل شعيري”(8) ــ يورد رأي ابن الجوزي، في نظامٍ إداريٍّ حديث، يقول الشارح:

“ذكر ابن الجوزي في “أخبار الأذكياء” أن هذا الصنيع يشبه عمل هيئات التطوير فبدلًا من أن تطور البلاد، تبدأ أول ما تبدأ بشراء سيارة، السيارة تحتاج إلى سائق وبنزين… والهيئة تحتاج إلى مقر، فيبنون مقرًّا أو يستأجرون، ولابد للهيئة من كَتَبَة وطبَّاعين وملفات ومكاتب فينتهي الأمر بهم كصاحب البر والشعير”(9).

فالمراد بهيئات التطوير، ما كان يُعرف سابقًا بـ”هيئات التعاون الأهلي للتطوير”. وهي صورة من نظام السلطة المحلية، الذي تتمثل صورته الحالية، في “المجالس المحلية” المنتخبة ديمقراطيًّا؛ إذ تقوم السلطة المحلية على مبدأ اللامركزية والمشاركة الشعبية. وقد جاء قانون السلطة المحلية رقم (4)، لسنة 2000م، متضمنًا مهام هذه المجالس، بحيث يتولى المنتخبون فيها المتابعة والإشراف على تنفيذ الخطط والبرامج والمشروعات الخدمية والإنمائية؛ تجسيدًا لاستراتيجية نظام الحكم المحلي واسع الصلاحيات(10).

هذه المصطلحات والتراكيب، مما لم يكن لابن الجوزي، ولا لغيره في زمنه دراية بها. وهذه قرينةُ الاستعارة في هذا النموذج، فقد سخِرَ السوسوة، على لسان ابن الجوزي، من الروتين الإداري، والنفقات التي تستنزفها هيئات التطوير، فقابل بين حال هذه الهيئات، وحال الرجل الذي أكل برُّهُ شعيرَه.

[2ــ2] ــ النسبة إلى أعلامٍ مشاهير

من المضامين المستعارة عند السوسوة، نسبة أقوالٍ وأفكارٍ وآراء، إلى أعلامٍ مشاهير، من دون أن يحدد واحدًا من مؤلفاتهم، أو مصنفاتهم. من مثل ما جاء في شرح الشطر: “وْسِيدي سَرَحْ مكة”(11)، من المشعططة الخامسة؛ إذ يقول الشارح:

“وسيدي سرح مكة: أي ذهب سيدي إلى مكة، ولم يذكر الشاعر سببًا للذهاب إلى هناك واختلف العلماء في توجيه ذلك. قال (الغزالي) إنه ذهب حاجًّا وشحاذًا، فأما الحج فلغفران الذنوب، وأما الشحاذة فلالتقاط الرزق للعيال المالئين الدكة. ورد عليه (الطيالسي) بأن ذلك ضعيف أيضًا، إذ لابد من إخلاص النية لله تعالى وحده”(12).

نسَبَ ــ هنا ــ إلى كلٍّ من “الغزالي” و”الطيالسي” مكتفيًا بلقب كلٍّ منهما، من دون ذكر أسمائهم، فالمشاهير بهذين اللقبين ــ (الغزالي)، و(الطيالسي) ــ كثيرون، ومصنفاتهما، مع تعددهما، كثيرةٌ أيضًا. وما نسبه إليهما خلافٌ بينهما حول سبب ذهاب (سِيد الشاعر) إلى مكة، وهذا الخلاف نسبَه إليهما، عن طريق الاستعارة، قاصدًا من ذلك، إضفاء روح الدعابة والفكاهة، على شرحه لهذه المشعططة.

كما نسب السوسوة أقواله وآراءه، إلى أعلامٍ مشاهير ــ من دون أن يورد واحدًا من مؤلفاتهم ــ في مواضع عدة، من كتاب “شرح المشعططات السبع”؛ إذ نسب إلى عددٍ من الكُتاب والمؤلفين القدامى. من مثل: الأصمعي، والجاحظ، والهمذاني، والفيروز أبادي، وغيرهم.

[3] ــ خصائص الاستعارة عند السوسوة

يمثل الاستئناس بتقنية الاستعارة واحدة من السمات في أسلوب الكتابة عند عباس السوسوة؛ إذ وردت الاستعمالات الاستعارية، في كتاب “شرح المشعططات السبع”، متجسدة في مستوياتٍ ثلاثة: الأعلام، والعناوين، والمضامين.

وقد وردت هذه المجالات من الاستعارة بشكلٍ واضح وبارز، في هذا الكتاب؛ لما فيه من فسحةٍ لظهور مثل هذه السمة الأسلوبية؛ فالغالب الأعم ــ من أبحاث السوسوة وكتاباته ــ متسمٌ بالعلمية، التي ليس فيها مكانٌ شاغرٌ لظهور الاستعارة بالمستوى الذي ظهرت عليه في هذا الكتاب. ذلك؛ لأن الاستعارة طريقٌ غير مباشر للوصول إلى المعنى، والعلمية طريقٌ مباشر نحو الحقيقة.

وقد وظف السوسوة، هذه التقنية من تقنيات الكتابة، في إبداء آرائه وأقواله وأفكاره، على لسان أعلامٍ وهميةٍ لا وجود لها، أو من عناوين مؤلفاتٍ مستعارةٍ لأعلام مستعارة، أو يستعير أسماء أعلامٍ مشاهير أو مؤلفاتٍ لأعلامٍ مشاهير ويورد على ألسنتهم ما يريد أن يتحدث عنه أو يبدي رأيه فيه.

وقد كانت نسبة السوسوة ــ آراءه، وأفكاره، وأقواله، إلى غيره من الأسماء الوهمية: أعلامًا ومؤلفات، أو أعلامًا ومؤلفاتٍ حقيقية ــ مشفوعةً بقرينةٍ موضوعية، تفصح أن السوسوة هو صاحب هذه الآراء والأقوال، لا مَنْ نسبها إليهم؛ إذ كانت غايته من ذلك تحقيق هدف الكتاب، المتمثل في محاكاة شروح الشعر القديم محاكاةً ساخرة، مازجًا فيه بين الجد والهزل.


  1. شاكر عبد الحميد، “الفكاهة والضحك، رؤية جديدة”. سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، العدد (289)، يناير 2003م، ص: (276). ↩︎
  2. ضياء الدين بن جمال الذماري، “شرح المشعططات السبع”. تحقيق وتعليق: عباس علي السوسوة. ط1، مركز عبادي للدراسات والنشر، صنعاء، 1428هـ ـ 2007م، ص: (22). ↩︎
  3. نفسه، ص: (23). ↩︎
  4. نفسه، ص: (37). ↩︎
  5. نفسه. ↩︎
  6. نفسه، هامش: (1). ↩︎
  7. نفسه، ص: (97). ↩︎
  8. نفسه. ↩︎
  9. نفسه. ↩︎
  10. وزارة الإدارة المحلية، “قانون السلطة المحلية ولائحته التنفيذية”. مطابع وكالة الأنباء اليمنية (سبأ)، ط1، صنعاء، 1421هـ ـ 2000م، ص: (د). ↩︎
  11. ضياء الدين بن جمال الذماري، “شرح المشعططات السبع”. مرجع سابق، ص: (71). ↩︎
  12. نفسه. ↩︎

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top