تناسخ الأرواح في رواية هم
قامت السياقات السردية في رواية “هم”(1) ــ للكاتب اليمني وليد دماج ــ على استيعاب أبعادٍ من الثقافة الشعبية في اليمن، وبوجه خاص ما يتضمّن من تلك الأبعاد الحكايات الشعبية والخرافية عن العلاقة بين الإنسان وعالم الجن.
ومن تجليّات ذلك، ما قام عليه تسريد فكرة تناسخ الأرواح، التي مثّلت بُعدًا فاعلًا في تشكيل الشخصية الرئيسة “المجنون”، الذي أجرى معه صديقه الصحافيّ مقابلةً، دوّن فيها صورًا متعددة من هذه الفكرة، منها ما تعلّق بتناسخ الأرواح البشرية، ومنها ما تعلّق بتناسخ الأرواح الحيوانية.
[1] ــ تناسخ الأرواح البشرية
تعددت السياقات السردية، التي تضمّنت حضورًا لتناسخ الأرواح البشرية؛ إذ ارتبط هذه الحضور بشكل مباشر بشخصية العمل، المُصابة بحال مسٍّ شيطاني، وردت الإشارة إليه، في سياق الحديث عن محاولة أم الولد معالجته عند طبيبٍ شعبيٍّ، علمت منه أن ولدها مصابٌ بروح تتلبّسه(2).
[1ــ1] ــ روح “العمّ”
كانت روح عم (الولد/ الشخصية الرئيسة/ المجنون) محورًا مهمًّا في استيعاب تناسخ الأرواح البشرية؛ إذ انتقلت هذه الروح إلى الولد، الذي كان معجبًا بشخصية عمّه، ومنسجمًا معه ومع حياته الغريبة وأحواله الانفصامية، حد تمثُّله بعض سماته، وإحساسه بتشابههما في بعض الصفات والأحوال. لا سيما تشابههما، في أن كلًّا منهما تظهر على صدره شخابيط وطلاسم غامضة.
وقد ورد على لسان الولد سردٌ لتواجد هذه الشخابيط والطلاسم، على صدره وعلى صدر عمه. بينما لم تظهر إشارة سرديّة أخرى، تؤكد وجود هذه العلامة على صدر العم. وبذلك؛ فإن حديث الولد عن تواجدها على صدريهما، يمكن التعاطي معه ضمن سياق انفصام الشخصية (شخصية الولد)، واشتباك الحقيقة والخيال لديه، حد اندماجهما فيه، واستيعابِه الخيالَ حقيقةً.
كما أن في ذلك إحالةً، على احتمالية أن تكون تلك السمة مقصورة على صدر الشخصية وحدها. ويعتمد هذا التوصيف ــ في بعده التأويلي ــ على حقيقة واقعيةٍ، تصل بهذه الاحتمالية إلى مستوىً من التأكيد. وهو ما ورد على لسان الولد، متحدّثًا عن اللحظة التي سبقت مواراة جثمان عمه، وعن محاولته ملامسة تلك الشخابيط والطلاسم في صدره، وعما لم يتوقعه من تلك المفاجأة؛ إذ لم يجد شيئًا من تلك الشخابيط على صدر الجثمان المسجى(3).
[1ــ2] ــ روح الأستاذ
مثلما كان الولد معجبًا بشخصية عمّه، كان معجبًا بشخصية أستاذه، الذي كان يقيم جارًا لهم. وبذلك، فالصيغة التأويلية ــ نفسها ــ لفكرة تناسخ الأرواح بصورة غير مباشرة، هي ما يمكن إسقاطه على هذه العلاقة؛ وما ترتب عليها من تناسخ روح الأستاذ إلى شخصية الولد. لا سيما أن من السياقات السرديّة، ما تضمّن تعزيزًا لهذه الفكرة؛ إذ تمثّل الولد صفات أستاذه وسماته. وحينما بلغت حال الولد مستوىً متقدمًا من السوء، وخرج عاريًا، كان أوّلُ ما لفت انتباه أفراد أسرته، أنه مصابٌ بمسٍّ مشابه لما أصيب به ــ من قبل ــ أستاذه(4).
وإلى ذلك، يأتي تعضيد هذا النسق السردي وفكرته، في استشعار الولد أن روح أستاذه قد حلّت فيه، فكلما حاول وصف نفسه، شعر بأنه يصف أستاذه، وأدرك تطابق شخصيتيهما. وقد أشار إلى ذلك، في واحدٍ من تفاصيل حواره مع صديقه، إذ يقول له: “ستضحك عليَّ أيها الصحفي، وتقول بأنني أكاد أصف نفسي”(5).
وفي السياق نفسه، تندرج مقاربة توصيف حاله المرضية بحال أستاذه؛ إذ تبّنى المحيط الاجتماعي هذا التوصيف، حينما بلغ الولد أعلى مستوى من الانفصام النفسي؛ فكان بعضٌ ممن يصادفونه ــ ولهم معرفة بما سبق أن وصلت إليه حال أستاذه ــ يسألونه: أيكون ابنًا لذاك الأستاذ؟! يرد بالإيجاب، فيشفق عليه السائل(6).
[1ــ3] ــ روحان ومشهدان متجانسان
يتجلّى نسقٌ آخر من هذه الثنائية ــ (روحا الأستاذ والولد) ــ في مشهدين تجانست ماهيتهما العاطفية الخاصة بتجربة الحب بين شاب وفتاة. وقد أضفى المشهدان على هذا النسق السرديّ صيغةً تأويليّةً لتناسخ الأرواح، تناسخ الروحين (روح الأستاذ/ وروح الولد)، أو اتحادهما، وحلول إحداهما في الأخرى، أي حلول الأولى في الثانية.
أمّا المشهد الأول، فقد كان في حيّزٍ زمنيٍّ، وصل فيه الأستاذ، إلى مستوى مزرٍ من الحال النفسية البائسة، التي اكتست بعلامات الجنون وأوساخ الهيئة الرثة. بينما لم يكن (الشاب/ الشخصية) قد وصل ــ حينها ــ إلى هذه الحال. كان الشاب مع حبيبته، وصادف أن رأى أستاذه بحاله المزرية تلك، فلم يعره أدنى انتباهٍ، حتى لا تنعكس معرفته به سلبًا على رأي حبيبته فيه، فيتغير انطباعها عنه.
أمّا المشهد الثاني ــ المتطابق في ماهيته مع هذا المشهد ــ فقد استوعبه حيّز زمنيٌّ، كان فيه الشاب قد وصل إلى الحال المزرية نفسها، التي سبق أن وصل إليها أستاذه. تمثّل ذاك الحيز الزمني ــ الذي كان فيه الشاب، في حاله المزرية تلك ــ في أيّام تردده على تلك البالوعة المفتوحة، وقضائه بعض الوقت قاعدًا بجانبها.
في واحد من تلك الأيّام، لاحظ الشاب أخاه يمر على مقربة منه ومعه حبيبته، لم يلتفت الأخ إلى أخيه على معرفته بتواجده هناك. بل على رؤيته له في تلك الحال، التي كان يقضي فيها فضلاته على مرأى ومسمع من الناس. لقد تحاشى ما تحاشاه الشاب، قبل أن يصل إلى حال أستاذه تلك. ثم عاد بعد ذلك بمفرده، فأخذ أخاه وعاد به إلى المنزل(7).
لقد تفاقمت حال الشاب، وبلغت حالُ انفصامه مستوىً حرجًا، بعد وفاة كل من عمه وأستاذه. وفي ذلك ما يحيل ــ فلسفيًّا ــ على نوعٍ من اتصال الأرواح، أو قل انتقال روحيهما ــ أو روح واحد منهما ــ إليه.
[2] ـ تناسخ أرواح الحيوان
تتجلّى فكرة تناسخ الأرواح، في السياق الحيواني، من خلال ما ورد من صورٍ لهذه الفكرة، في حديث شخصية العمل عن حيوانين اثنين (كلب/ وقط)، استأنس بهما (المجنون/ الشخصية الرئيسة)، بما هما عليه من امتلاك كلٍّ منها لروحٍ انشطرت ثنائيتين، بانشطار الشخصية على زمنين: زمن حياتها الطبيعية، وزمن انفصامها وإصابتها بحال نفسية معقدة، وصلت بها إلى الجنون.
[2ــ1] ــ الكلب “قطمير”
في أيّام حياته الأولى صادف (الشاب/ الشخصية) جروًا أسود، فَقَدَ أمه، التي قضى عليها أحدهم بطلق ناري. شعر الجرو بحميمية تجاه الشاب؛ إذ قربه منه وألفه، وأطلق عليه اسم “قطمير”. وعاش معه حتى انتهت حياته دهسًا، تحت عجلات سيارة طائشة(8).
وحينما انتقل الشاب إلى حياته الثانية ــ حياة انفصامه الحاد وجنونه ــ صادف كلبًا، فقرّبه منه، رافقه صديقًا وفيًّا، أطلق عليه اسم كلبه النافق “قطمير”(9). كان يتحدث معه عن كلبه القديم، وعن إحلاله محله، وعن أنه بذلك، كأنه قد نقل إليه روحه(10). افترقا زمنًا، وفي لحظةٍ كان (الشاب/ المجنون) في حال حرجة، رأى الكلب قادمًا إليه، لكن قضت عليه عجلات سيارة طائشة، مثلما قضت سيارة مماثلة، على حياة سابقه(11).
[2ــ2]: القط “شوقر”
التفاصيل نفسها، حدثت في علاقة شخصية العمل بالحيوان الآخر (القطة)؛ ففي حياته الأولى، حينما كان الشاب يعمل مدرسًا في مدرسة نائية، صادف قطة شقراء، آنست وحشته وغربته، وعاشت معه أيامًا. حتى سئمت البقاء معه، فغادرته. ثم وجدها تتعرض للأذى من بعض الأطفال، حاول إنقاذها منهم، لكنها خمشت يديه، وانطلقت هاربة خلفهم(12).
وحينما بلغت حالُه ذروتها ــ في الانفصام والجنون ــ صادف قطًّا يقترب منه، ويتمسّح برجله(13). كان يحمل صفات قطته القديمة نفسها، لا سيما صفة لونها (الأشقر)؛ فأطلق عليه اسم “شوقر”، وانظم إلى كلبه “قطمير”(14)، الذي كان سببًا في القضاء على هذا القط، بعد نشوب معركة شرسة بينهما(15).
لقد وظفت الرؤية السردية فكرة “تناسخ الأرواح”، في تسريد عددٍ من الأبعاد، التي تشكّلت بها الشخصية الرئيسة في هذا العمل. في نسق من التجانس، الذي انتظمت فيه الخيوط السرديةُ، بتفاصيلها التي قامت عليها كلٌّ من: الفكرة الروائية، والرؤية السردية في هذا العمل.


