ليلة القدر في الثقافة الشعبية في اليمن

ليلة القدر في الثقافة الشعبية في اليمن

ليلة القدر في الثقافة الشعبية في اليمن أيقونة لتحقيق الأحلام والأمنيات المؤجلة، اتساقًا مع الرؤية الشعبية القائمة على الخيال المجنّح.

 ليلة القدر في الثقافة الشعبية في اليمن

د. عبده منصور المحمودي

تحظى ليلة القدر ــ في المجتمعات الإسلامية ــ بقدْسيةٍ ومكانة عظيمة، اتِّساقًا مع عَظَمَتْها الدينية؛ بوصفها مناسبةً استثنائية، ينال فيها المتعبِّدون استجابةً لأدعيتهم ومغفرةً لذنوب مَن أذنب منهم. أولئك الذين يحرصون على الفوز بنصيب من خيرها؛ فيكثفوا من طقوس العبادة والصلاة، طيلة اللياليّ العشر الأخيرة من شهر رمضان، التي يُرجّح أن تكون ليلة القدر واحدةً منها.

ذلك هو ما يتجلّى في المجتمع اليمني، سواء في سياقه الديني، أو سياقه الشعبي، الذي لا يقف عند الرؤية الدينية ذات الطبيعة الأخروية، وإنما يتسع بها إلى فضاء دنيويّ، مرتبط بتحقيق الأحلام والأمنيّات والرغبات التي طال انتظارها.

ضوء الأمل

لم تتضمن الرؤية الدينية تحديدًا لمعالم ليلة القدر وصفاتها، ولا تأطيرًا دقيقًا لزمنها، سوى ما تعلق من ذلك بالإشارة الترجيحية إلى حلولها في ليالي الثلث الأخير من شهر رمضان، بما في ذلك الترجيح الأكثر ميلًا إلى أنها مقصورة على الليالي المفردة من هذه الليالي.

وعلى اتِّفاق الثقافة الشعبية في اليمن، مع المرجعية الدينية، في ضبابية تزمين موعد هذه الليلة، إلّا أنها قد أضفت عليها صفاتٍ ومعالم متعددة، اقتربت بها من الكائنات الأسطورية، ذات الطاقة العالية، والأفعال والقدرات الخارقة.

يشير المحكي الشعبي في ثقافات الشعوب، إلى سياقات مختلفة من خصوصية القوى المتجاوزة للقدرات الإنسانية، من مثل ما يروى في المحكي الشعبي عن خاطف خضر عليه السلام، في موروث بعض المجتمعات. وكذلك هو الأمر في الثقافة الشعبية اليمنية، التي من سياقاتها ما يتعلق بإضفاء خصائص أسطورية على بعض الأفكار والكائنات، كتلك الحكايات التي تشير في المحكي الشعبي اليمني إلى أن ليلة القدر دائرةٌ ضوئية مستديرة، تظهر في السماء ساطعةً قويّة خاطفة متوهّجة، يغشى ضوؤها العيون بسرعةٍ وقوة، ذات أثر فاعلٍ في إرباك مَن يراها، وشل حركته وعقد لسانه؛ إذ لا يسلم من هذه التداعيات إلّا بعض المحظوظين، الذين يتوافر فيهم عدد من الصفات، تحيل في مجملها على ثباتهم ورجاحة عقولهم، وتماسكهم في توجيه أدعيتهم ومطالبهم إلى هذه (الدائرة النورانية/ ليلة القدر) لحظةَ رؤيتهم إيّاها. وبذلك، يفوزون بخيرها؛ إذ تضفي عليها الثقافة الشعبية القدرة على الاستماع إلى أدعيتهم، والقدرة على الاستجابة لهم وتلبية مطالبهم، فمن كان طالباً للرزق، تجود عليه به، ومن كانت أمنيته الشفاء من مرضٍ استعصى دواؤه، تسبغ عليه الصحة والعافية. ومن كان مكروبًا بضائقة أو مشكلة متعسرة الحلول، كانت له سبيلًا إلى تجاوز كل ذلك، مانحةً إيّاه كل ما يرغب فيه.

وإلى ذلك، تضفي الرؤية الشعبية على هذه الليلة ــ أيضاً ــ سماتٍ خاصة، لا تتوافر في الليالي السابقة لها ولا التي تليها. منها أن شمس يومها غالبًا ما تكون وديعة هادئة. أمّا سماؤها، فيغلب عليها أن تكون صافية، وعلى طقسها أن يكون معتدلًا بين الحرارة والبرودة، بغض النظر عن خصوصية مناخ الفصل، الذي يصادف حلول شهر رمضان فيه. كما أن أجواء هذه الليلة عامرة بهدوء غير مألوف؛ إذ يتوقف فيها كل شيء مزعج، إلى الحد الذي تصمتُ فيه الكلاب، التي اعتاد الناس ــ في بعض المناطق ــ على الانزعاج بنباحها الليلي. وبذلك؛ تتكامل طقوس ليلة القدر، بخصوصيتها التي تبعث في النفوس شعورًا بالطمأنينة والسكينة.

لقد أثرى الموروث الثقافي والاجتماعي هذه الليلة المباركة، بعددٍ من الصفات والمعالم والمضامين، التي تشكلت بها الرؤية الشعبية وفضاؤها التأويلي، الذي يظل مأهولاً بحيوية الموروث الشعبي، الأكثر حضوراً في الحياة الريفية، وسياقاتها المتفاعلة معه، وخصوصيته الثقافية، التي عادةً لا يكون فيها الاتّساق الواقعي والمنطقي محوريّاً، بقدر ما تكون المحورية فيها مرتبطة بإحالتها على أن الجوهر فيها أنها نسقٌ من الرؤى والسياقات الثقافية، الراسخة بعفوية متقادمة في الموروث الشعبيّ.

رصيدُ الثراء المفاجئ

 ضمن سياق القدرات الخارقة ــ التي تمنحها الثقافة الشعبية لهذه الليلة ــ يأتي مسارها المتعلق بتحقيق أحلام الفقراء بالثراء؛ إذ يحظى هذا المسار فيها بحضور بارز، وبه يُفسِّرُ التفكير الشعبي أحوال الغنى المفاجئ، الذي يطرأ على بعض الأشخاص، لا سيما حينما لا تظهر عوامل موضوعية فاعلة في حدوثه. لذلك، فإن أقرب ما يمكن أن تتعاطى من خلاله الثقافة الشعبية ــ في استيعابها لهذا التحوّل الطارئ من الفقر إلى الثراء ــ هو أن تعيده إلى ظفر أصحابه بليلة القدر، وثباتهم لحظة رؤيتهم لبريقها، وتمكُّنهم من الدعاء بطريقة متماسكة، يستوفون فيها تفاصيل أحلامهم وأمنياتهم ورغباتهم.

وفي هذا السياق ــ أيضًا ــ يأتي تعدّدُ الحكايات الشعبية، التي من أهمها تلك التي تتحدّث عن أشخاصٍ وُفِّقوا، في رؤية ليلة القدر، فاستجابت لأدعيتهم، وانتقلت بهم من حال الفقر المدقع إلى حال الثراء المفاجئ. كما تروي تلك الحكايات عن آخرين، تمكّنوا من رؤية هذه الليلة، لكنهم ارتبكوا بضوئها الشديد، وخذلتْهم قدراتهم، فتعثروا في توجيه أدعيتهم إليها، أو قدمّوها مفكّكة، غير مستوعبة مطالبهم التي يحلمون بتحقيقها. وبذلك؛ لم تستجب ليلة القدر لأدعيتهم، وانقلبت على بعضٍ منهم مصائب ونكبات، تختلف وتتنوع؛ وفقاً لمستويات الفشل في صياغة أدعيتهم، وطرائق تقديمهم لها.

وعلى ما في هذه الحكايات من تنوّع ــ وما تتّسم به من استمراريةٍ في توارُثها، وما تقوم عليه من مركزيةِ الإحالة على مفاجأة التحوّل من حياة الفقر والبؤس إلى حياة الغِنى والسعادة ــ إلّا أنّها لا تكاد ترد على ألسنة أشخاصٍ فازوا برؤية ليلة القدر، ونالوا خيرها المنتظر؛ إذ يغلب على رواية هذه الحكايات أن ترد مقصورةً على أناسٍ، فاتتْهم رؤية ليلة القدر؛ فتوارثوا حكاياتها من السابقين لهم، الذين لم يمروا ــ هم أيضاً ــ بهذه التجربة، وإنما وصلت إليهم رواياتُها، من الجيل الأسبق منهم، فتوارثوها ورددوها على معاصريهم.

ومن زاوية تحليلية لفكرة التحوّل إلى حياة اليُسر والثراء، يتجلّى خيطٌ من الحقيقة، التي يمكن إسقاطُها على جوهر الاستجابة في ليلة القدر لأدعية غير محدودة المضامين، وإمكانية اتّساع هذه الأدعية لاستيعاب مطالبِ راغبٍ في حدوث تحوّل إيجابيّ في حياته المالية، بمعزلٍ عن توافر سياقات موضوعية فاعلة في تحقيق ذلك.

وفي السياق نفسه، تستند فكرة التحوّل ــ هذه ــ إلى مرجعية واقعية، متمثّلة في حياة الفقراء، المسحوقين بمشاعر الحرمان، المنهكين بأحوالهم البائسة، الذين لا يجدون أملاً في النجاة من معاناتهم سوى بحدوث معجزة غيبية، ذات حتمية قدرية فاعلة في إنجاز هذا التحوّل، الذي يستمد من الثقافة الشعبية وخيالها الجامح إمكانيةَ تحقيق الأحلام المستحيلة، بآلياتٍ متصلة بقوى أسطورية خارقة.

كما أن هذه المرجعية الواقعية ــ التي تستند إليها فكرة التحوّل إلى الحياة الهانئة ــ لا يقتصر حضورها في الثقافة الشعبية في اليمن على الفضاء الفكري العام، وإنما تشمل الفضاء الخاص بطبيعة حياة اليمنيين. تلك الحياة، التي كثيراً ما تتسم ــ في كثير من الحقب والمحطات التاريخية بما فيها اللحظة الراهنة ــ بالفقر والحاجة، والإحساس بالحرمان والبؤس. وبذلك، انعكست هذه الحياة ــ على اختلاف أزمنتها ــ في الثقافة الشعبية، التي عملت من خلال عفويّةِ أنساقها وترديد موروثها المحكي، على صياغة رؤيةٍ هادفة إلى تجاوز أحوال الفقر والمعاناة، استئناسًا بما في هذه الثقافة من تراكمٍ أسطوريّ وخصوبةٍ خيالية، توالدَ منها نسقُ إثراءِ مضامينِ ليلة القدر ــ وطبيعتها الدينية، التي شكّلت أرضيةً للانتقال بها إلى فضاء أشمل ــ بتفاصيل أضفت عليها طبيعة جديدة، متجانسة مع حياة اليمنيين، وخصائصها الثقافية والاقتصادية الفاعلة في صياغة رؤيتهم الجمعية المتقادمة، التي اعتادوا من خلالها، على التعاطي مع حياتهم، وأسْطرة أحلامهم، وتجسير علاقاتهم مع إشكاليّاتها الشائكة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top