أجراس الحرمان في رواية القبيلة التي تضحك ليلًا
الحرمانُ إحساسٌ مؤلمٌ، تتمزّق به الذواتُ الإنسانيّة المحرومة، كلما قُرعتْ أجراسُه في أعماقها. تلك الأجراسُ، التي كانت جديرةً بالاشتغال السرديّ على سياقاتها، في رواية الكاتب السعودي سالم الصقور “القبيلة التي تضحك ليلًا”(1)؛ إذ استهدف الكاتب في عمله ــ هذا ــ معالجةَ موضوعٍ غائرٍ في أعماق النفس البشرية، مرتبطٍ بمشاعر الذات الذكورية، المحرومة من الإنجاب، المتعايشة مع مرارة انكسارها بآثاره الوجدانية القاسية.
وتداعيًا مع متعةِ قراءتي لهذه الرواية ــ ومن ثم الغوص في لذة الكشف عن طبيعة اشتغالها السرديّ ــ تبلورتْ لديّ الرغبةُ في العمل على محاور هذه المقاربةِ النقدية التحليلية، لهذا العمل السرديّ. وقد تطرّقتُ ــ في هذه المقاربة ــ إلى فاعلية هذا النوع من الحرمان، في تشبيك خيوط المركزية السردية، التي شملتْ: بناءَ الشخصية الروائية، وتأطيرَ الحيّز السرديّ، وصياغةَ الفكرة بأنساق موضوعها الرئيس، وإضفاءَ عددٍ من الخصائص الجمالية والأسلوبية على اللغة السردية. بما في ذلك، التعريج على ما حظيتْ به هذه اللغة، من إجراءاتِ تدقيقٍ لغويٍّ وفنيٍّ وطباعيٍّ.
[1] ــ مركزية الشخصية والحيّز الروائي
[1ــ1] ــ مركزية الشخصية الروائية
حرص الذهن السردي ــ في هذا العمل ــ على اختيار شخصيةٍ مأهولةٍ بقدراتٍ استشعارٍ عالية، تُمكّنها من التداعي مع صدى أجراس الحُزن؛ إذ أفضت مركزية تسريد الحرمان من الإنجاب ــ في حياة الرجل ــ إلى مركزيةٍ حضوريةٍ لذاته، التي تجسّدتْ في شخصية علي. وقد ازدوج اسم هذه الشخصية، بين مسارين اثنين، اجتمعا فيها، واختلفا في المرجعية التي استندا إليها؛ إذ انطلق المسار الأول من التجانُس مع مركزية الرجل، فربط نسبة الشخصية بأبيها (علي بن مانع). بينما استند المسار الآخر، إلى مركزية المرأة؛ فنسب الشخصية نفسها إلى أمها (علي بن سعدى).
وعلى ما ورد من تسريدٍ تبريريٍّ لهذه التسمية المحيلة على نوعٍ من مركزية، إلّا أنّ هذه المركزية الأنثوية، لم تنلْ من مركزية الذكورة، التي تكاثفتْ، من خلال الاشتغال السرديّ على حال عليّ المحروم من الإنجاب. كما تكاثفت من خلال تسريد الأحداث على لسانه؛ إذ كان هو الراوي العليم لتفاصيل مأساة حرمانه.
وضمن مركزية هذه الشخصية الرئيسة، أسهمتْ شخصياتٌ متعددة في بنائها. منها شخصيتا زوجتيه: أروى بنت صالح، ونجوى. وشخصية ابنته حنّا، التي غادرت الحياة فور ولادتها. والشخصيتان اللتان جمعتْه بهما المأساة نفسها: أحمد الأصدع، ودحيدح.
[1ــ2]: مركزية الزمن السرديّ
تتجلّى مركزية الزمن السرديّ ــ في ماهيته الاستيعابية لأصوات أجراس هذ النوع من الحرمان ــ من خلال الاهتمام الملحوظ به. ذاك الاهتمام الذي كان من تجليّاته تأطيرُ الأحداث وتوزيعها على مساحةٍ زمنيّة محدودةٍ، لم تتجاوز اليوم الواحد، الذي بدأ من الساعة “الثامنة مساءً من إحدى ليالي أوغست 2022”(2)، وانتهى في “الساعة السابعة مساءً”(3) من اليوم التالي.
وقد غلب على الأحداث ــ التي استوعبها هذا الحيّز الزمني ــ ارتباطُها بعذاب (الزوج/ علي) ومعاناته تفاصيلَ ولادة ابنته. تلك المعاناة، التي شملت ساعات الزمن السرديّ كله، فكان عليه أن يبدد انتظاره، باستدعائه بعضًا من أحداث ماضيه. تلك الأحداث التي تعلّقت ــ جميعها ــ بحرمانه من الإنجاب، طيلة خمسة عشر عامًا من زواجه. بما في ذلك ما بذله في هذه الفترة، من محاولات الوصول، إلى اكتمال الأبوة المنقوصة لديه.
وإلى ذلك، فقد تجلّت مركزية الزمن السرديّ ــ ومركزية الاعتناء باستيعابه أصداءَ الحرمان ــ من خلال فاعليته في توزيع المضامين السردية على فصولٍ، واستهلال كل فصلٍ منها بتحديد زمن أحداثه، بهذه الجملة: “في الساعة…”، التي تحيل على تلك المركزية الزمنية.
كما كان لخصوصية الشعور بالزمن السرديّ والتعايش مع تفاصيله دورٌ فاعلٌ في بناء مركزية الحيز السرديّ الزمني، الذي ارتبط من خلالها بخصوصية الحدث، وتداعياته في الذات المحرومة. تلك الخصوصية التي سلبتْ الزمن قدرته على استيعاب ما يحدث فيه، وهو ما تضمّنه تسريدُ واحدةٍ من محاولات التداوي، على يد مُعالِجَةٍ روحانية، عاش فيها الزوجان (علي/ وأروى) لحظاتٍ حرجة، “تجرّد فيها الزمن عن سلطته، عاجزًا عن السيطرة على ما يحدث”(4).
وفي سياق ذلك، تأتي إشارة الزوج نفسه، إلى تلك اللحظات، التي كان ينتظر فيها مأساةً غامضة، فتجسّد الزمن فيها حيوانًا غامضًا. يقول عن ذلك: “انتابني شعورُ ما قبل وقُوعِ الشيء، ذلك اللايقين الخَطِر الذي يُحوّل الزمنَ إلى حيوانٍ مذعورٍ بأذنين مُنتصبتين، الزمن الذي تنطلي فيه كل الجهات والوجوه بلونٍ قاتمٍ مُبهمٍ وعدائيّ”(5). ذاك الزمن ــ نفسه ــ هو الذي لم يكن في مُستطاع الزوج المحروم ــ علي ــ سوى التصالح معه، والعبور من خلاله، إلى مأساته المُنْتَظَرة: “أعبر الزمنَ الرخو قبل أن ينهار”(6).
[1ــ3] ــ مركزية الحيّز المكانيّ
بمركزيّة الحيّز السردي الزمني، ارتبطت مركزيةُ الحيّز الروائي المكانيّ، الذي اقتصر على منطقة نجران. لا سيما قسم الولادة في إحدى مشافيها، التي وصلتْ إليها زوجة علي.
كذلك تجلّت مركزية المكان السردي (نجران)، من خلال تفاصيل متعددة، أحالت عليه. منها الإشارة إلى لون “حواف جبال نجران الكحلية”(7). والإشارة إلى تميّزه بعددٍ من الطرق الهادئة، التي فُتن بها علي، فعلّل مروره من إحداها، بالقول: “تجذبني تلك الطرق الهادئة التي لا تتسع لأكثر من شخص واحد، تأسرني بأنفاسها المشبعة بالطين”(8). كما كان لهذه المركزية المكانيّة حضورها في ما ورد من اهتمام السياق السردي بالمحافظة على هوية نجران البصرية، وعدم المساس بها، حتى في أحوال العمل على تحديث المكان، بآلياتٍ تقضي على خصوصيته.
وإلى ذلك، فقد انطوت هذه المركزيّة المكانية، على نسقٍ من التعريج على أمكنةٍ ثانوية. منها ما ارتبط بمغادرة علي نجران متّجِهًا إلى الرياض؛ باحثًا عن دواءٍ لإنقاذ طفلته؛ إذ يقول: “ما كان لي أن أنتظر دون فعل أي شيء، فاتجهتُ إلى سيارتي بالموقف، وجعلت نجران خلفي”(9). وفي سياق هذه المغادرة، كانت ــ “الصحراء المتصالحة مع فقرها”(10) ــ واحدًا من هذه الأمكنة، التي كانت في طريق ذهاب علي إلى الرياض وإيابه قبل أن يصل إليها.
[2] ــ رحلةُ البحث عن التعافي
لا شك في أنّ من أهم أجراس هذا النوع من الحرمان، تلك التي تقرعها أنساق الثقافة الاجتماعية السائدة. تلك التي تبدأ من حثّ الشاب على الزواج، مرورًا بما يُلقى على مسامع الزوجين من أسئلةٍ مكررة عن إنجابهما. وصولًا إلى اتّخاذ المحيط الاجتماعي من عدم إنجابهما وصمةً، يُعيّرانِ بها، ويُجلدان بسياطها.
وإذا كانت أجراس الحرمان ــ التي تقرعها الثقافة الاجتماعية ــ ذات أصوات بالغة القسوة، في اختراقها وجدان المحرومين، إلّا أن الأشد منها قسوة، هي تلك التي تستقر أصداؤها في ذواتهم. سواء أكانت هذه الذوات متماهيةً مع الأصوات القادمة من خارجها، أم كانت هذه الأصوات مُتخلِّقةً في هذه الذواتِ حاجةً غير مقدورٍ على تلبيتها.
[2ــ1] ــ الزواج أولى خطوات التعافي
في كل الأحول المتصلة بمرجعية أصداء الحرمان (من خارج الذات المحرومة/ ومن داخلها)، لا تخرج ــ جميعها ــ عن رؤيةٍ واحدة في الزواج؛ بوصفه أولى خطوات التعاطي الإيجابي مع تداعيات الحرمان. على ما في هذه الخطوة، من طبيعةٍ غامضة؛ إذ “لا أحد يستطيع أن يخبرك بما ينتظرك هناك، سواء كان زواجًا تقليديًّا وقبليًّا في مدينة صغيرة على تخوم الربع الخالي، أو كان مدنيًّا في معرضٍ لفنون ما بعد الحداثة بباريس. الزواج لغزٌ كونيٌّ معقّد التركيب تنهار أمامَه كل النظريات”(11). كما أن هذه (الخطوة/ الزواج) أشبه ما تكون بسفينة نوح، “وكل زواج هو صعودٌ إلى هذه السفينة التعيسة، ونجاة من طوفان الانفراد والوحدة”(12).
[2ــ1ــ1] ــ تساؤلُ اتصالٍ مأساويّ
من أهم خصائص تلك (النجاة/ العلاقة الزوجيّة) أنها ذات طبيعةٍ مزدوجةٍ، في حاليها: الارتزاق بأطفال، والحرمان منهم؛ إذ “يبقَى وجودُ الأطفال صمغَ هذه العلاقة وجسرًا يعبر أحدُهما إلى الآخر من خلاله. لكنّ الحرمان من الأطفال لا يعطي عكسَ النتيجة بل يزيدها اتّصالًا وازدحامًا مأساويًّا”(13). وهنا يلوح تساؤلٌ، عن الكيفية التي يعمل من خلالها الحرمانُ المشترك بين الزوجين، على مزيدٍ من اتصالهما المأساويّ؟
يمضي السياق السرديّ في الإجابة على ذاك التساؤل؛ من خلال استيعابه حال الزوجة المحرومة من الإنجاب. تلك التي عادةً ما تكون مُخلصةً في تفاعلها الإيجابي مع محيطها النسائي، في مناسبات الميلاد. ذلك هو ما تجلّى في حديث علي بن مانع عن حال زوجته أروى، التي تحرص على زيارة كل من تُرزق بمولودٍ جديدٍ، مؤديّةً بذلك ما يتعلق بهذه المناسبة من طقوسِ احتفاءٍ اجتماعي، مُتشبِّثَةً بأمل أن يكون لحرمانها من هذه المناسبات أُفْقُ انتهاء، يفضي إلى ارتزاقها بمولودٍ، ثم “تأتي النسوةُ يؤدّينَ فروضهنّ في هذا البيت، وتعجّ في أرجائه رائحةُ بخور المُرّ وتتكاثر الأوراق النقديّة من فئة الخمسين التي تخبّئها النساء وسط طبخة بُنٍّ أخضر”(14).
وفي سياقٍ آخر، يتجلّى دور الحرمان في تجسير العلاقة الزوجية، من خلال تسريد واحدية المعاناة بين طرفي هذه العلاقة، انتظارًا لنجاتهما من حالهما البائسة. ذاك الانتظار المشترك، الذي تضمّنه قول علي: “تراكمت الأسابيع والشهور ودارت الأقمارُ حول الأرض، بزغتْ الأهِلّةُ واكتملت البدورُ وتتالت الانمحاقات، ونحن ننتظر جرسًا سماويًّا يطرق أحدَ صباحاتنا بخير”(15).
[2ــ1ــ2] ــ مجدُ الأمومة
إنّ تلك النجاة ــ التي تُسدل الستار على هذا الحرمان ــ لا يمكن أن تتجسّد إلّا في لحظة الولادة. تلك اللحظة الاستثنائية، التي يُتَوِّجُ توصيفُها استيعابَ السياق السرديّ لتلك المعاناة المشتركة بين الزوجين. وقد تجلّى هذا التتويج، من خلال تسريد تداعيات لحظة الولادة في وجدانيهما؛ إذ كانت المرأة هي الأكثر احتفاءً بها من الرجل. ذلك هو ما أحال عليه حديثُ عليّ عن المبنى المخصص لطوارئ الولادة في المستشفى الذي ترقد فيه زوجته؛ إذ يقول: “هنا في هذا المبنى تدخل المرأة وحدَها وتخرج بإنسانٍ جديدٍ تهبه للحياة. هنا يمارسنَ أمجادهنّ الأمومية التي لا يستطيع أيّ رجل فعلها. قد لا تحبّ امرأةٌ الأطفالَ ولا ترغبُ في هذه التجربة، لكن لا توجد امرأةٌ لا تحبّ لحظةَ الولادة، لحظة ذلك الأقوى من كلّ ألمٍ والأبعد من كلّ لذة”(16).
وازن هذا التوصيفُ ــ للحظة (النجاة/ الولادة) ــ بين طرفي العلاقة الزوجية. كما كشف بهذه الموازنة عن تميّز الأمومة في ارتداء لحظة السعادة بهذه اللحظة. وعلى ذلك، فإن تسريد مركزية حرمان الرجل قد منح الأبوة تميّزًا مختلفًا، تمثّل في ارتدائها مخاضَ الألم الذكوريّ، على اختلاف مساراته وأشكاله وأحواله الفاتكة بعاطفة المحروم.
[2ــ2] ــ المخاضُ الذكوريّ
التقط المجهرُ السرديّ واحدًا من أهم المواقف المرتبطة بلحظة الولادة. ذاك الذي عادةً ما يأتي في صورةٍ ساخرة. يُشارُ فيها إلى أنّ آلام المخاض غير مقصورة على المرأة وحدها، بل تشمل الرجل، من خلال ما يمر به من آلامِ مخاضٍ خاصة به؛ إذ إن “كثيرًا من الرجال يتولّدون خارجَ غرفة التوليد، تتعرّق جباهُهم وتتورّم وجوهُهم ويصابون بزحيرٍ وشدٍّ في أحشائهم، كأنهم يدفعون شيئًا مّا إلى الخارج”(17).
هذا الموقف هو ما لاحظ عليّ بن مانع بعضًا من تجلياته، في المستشفى أثناء انتظاره ولادةَ زوجته؛ إذ كان “الرجال هناك يحومُون حولَ مكتب المدير المناوب، ينتابهم مخاضٌ ذكوريٌّ يخصّهم، ينتظرون خبر اللحظات الأولى في حياة مولودٍ جديد”(18). حاول أن يتلمّس شعوره بما شعروا به من آلام مخاضٍ ذكوريّ، إلّا أنه لم يجد شيئًا من ذلك. عندها أدرك أن ألمه مختلفٌ، منسوجٌ بالحرمان، ومتوالدٌ فيه طيلةَ سنواتِ انتظارٍ لا تنتهي.
[2ــ2ــ1] ــ مخاضٌ ذكوريّ مختلف
لقد اتخذ السياق السرديّ من تسريد ذاك الموقف ــ المتعلق بلحظة مخاضٍ ذكوريٍّ عام في صالة طوارئ المستشفى ـــ سبيلًا إلى إضاءة نوعٍ آخر من ألم المخاض الذكوري. ذاك الألم، الذي يتعايش معه الزوج المحروم من الإنجاب، المسحوق بمواعيد انتظاره المفتوح؛ إذ تمثّل هذا النوع من ألم المخاض في شخصية علي بن مانع، الذي أشار إلى أن ألمه “ألم مختلف كليًّا”(19). أمّا طبيعة هذا الاختلافِ، فكامنةٌ في أنه ألمُ مخاضٍ دوريّ، يأتي على شكل مأتمٍ سريٍّ ينسحق به وحده. يقول عن ذلك: “في كل شهرٍ قَمريٍّ يموت واحدٌ من أبنائي، فينتصب سُرادق العزاء في صدري، ولا أحد يشاركني تلك المآتم السرية”(20).
لعل ذاك الموعد الشهري ــ الُمطرد في مأتم الحرمان الممتد في حياة علي بن مانع ــ مرتبطٌ بالحال الشهرية، التي تمرُّ بها أروى. تلك الحال المعتادة في حياة كل امرأة، وتستطيع من خلالها معرفة بوادر نجاة قادمة، كما تستطيع أن تعرف نقيضها. ذاك النقيض الذي عادةً ما تتجسّد من خلاله مأساةُ حرمانٍ متجدد. وهي المأساة التي تكثّف حضورها، في عددٍ من الجمل السردية، التي منها القول: إن “الحرمان عقوبةٌ قاسية… [و] الحرمان إحدى فواكه الغيب المتساقطة في هذه الحياة”(21). وإنّ مَنْ يعيش هذه المأساة، يصحو بلا شهية، ويخرج “إلى الحياة بكتفَين محمّلتَين بحطب اللامعنى”(22).
[2ــ2ــ2] ــ تمايُز الأمومة والأبوّة
من خلال ذلك ــ كله ــ يتجلّى التمايز بين ذاتي العلاقة الزوجية، من خلال (الحضور الملفت للذات الأنثوية احتفاءً بالنجاة/ وانسحاق الذات الذكورية بشراسة الحرمان من هذه النجاة). ولا يحيل هذا التمايُز على أي نسق من أنساق المفاضلة بين الرجل والمرأة، بقدر ما يحيل على تداعي الأمومة، مع اللحظة التي تمنحها فرصةً للزهو بطبيعتها الأنثوية. تلك اللحظة المفقودة، التي لا يمكن أن تحظى بها المرأة، إلّا في مثل هذا الموقف الفارق.
كما يحيل هذا التمايُز ــ من جهة أخرى ــ على تداعي الأبوة مع تفاصيل الحرمان من الوصول إلى لحظة النجاة؛ اتساقًا مع مركزية تسريد هذا الألم الوجداني في مشاعر الرجل. وإلى ذلك، يكتنز هذا السياق إحالةً غير مباشرة، على نوعٍ آخر من التمايز بين طرفي العلاقة الزوجية. ذاك الذي يتمثّل في مساحة تعبير كلٍّ منهما عن مأساة حرمانه؛ إذ تضيق تلك المساحة في حال المرأة، وتتسع في حال الرجل؛ وفقًا للمدى التعبيري، الذي يرغب في الوصول إليه.
[2ــ3]: تمثُّلات مخاض الحرمان
قدمت السياقات السردية عددًا من الصور، التي امتد إليها الحرمان، فقُرِعَتْ فيها أجراسُه، بمعطياتِ مواقفَ كانت عابرةً في حياة علي بن مانع، لكنها استقرت فيه أصداءَ معاناة متجدِّدة. من صور تلك المعاناة، ما كان تمثُّلات مفارقةٍ بين حاله وأحوال أشخاص مختلفين عنه. ومنها ما كان تمثّلاتٍ، تشابهت فيها حاله مع أحوال أخرى.
[2ــ3ــ1] ــ تمثُّلات المفارقة
من تمثّلات المفارقة، ما ورد من تسريدٍ لموقفٍ، صادف فيه علي واحدًا من عمال النظافة في ساحة أحد المساجد. سأله ألديه أطفال؟ فرد عليه الرجل بأن لديه ثلاثة. ثم أطلعه على صورهم؛ إذ “كان يضعهم في خلفية الشاشة، تتزاحم وجوهُهم، ويحاول كلٌّ منهم أخذ الحصّة الأكبر من الصورة، ويتنافسون بضحكاتٍ طازجة”(23). ترك علي العاملَ، وغاب في لحظة شرود، غير مجيب على سؤالٍ مماثلٍ وجهه إليه.
كذلك هو الأمر في موقفٍ لفت انتباه علي، في صالة طوارئ المستشفى؛ إذ كان على مقربةٍ منه “ولدٌ لا يهدأ، التهى عنه أبوه لحظاتٍ فسقطَ على رخام المستشفى. قام مسرعًا نحو أبيه وكتفاه تهتزّان إلى أعلى وهو ينشجُ. فبسط له الأبُ يدَيه، فغمر الطفلُ وجهَه فيهما وانهمرَ بالبكاء”(24). هذا الموقف ترك في نفس علي تداعيات حرمانٍ قاسٍ، أحال عليها تعليقه على الموقف، بالقول: “قلّبْتُ كفّيَّ، يدَايَ قاحلتان، لا عينين غائمتَين تقصدهما وتسفحان دمعهما مطرًا”(25).
كما يندرج في السياق ــ نفسه ــ ما اعتاد عليه علي، من المرور بسيارته بمحاذاة مدرسة للبنات، تقع على طريق ذهابه وإيابه. وهناك كثيرًا ما صادف مروره من ذاك الشارع لحظةَ خروج الطالبات، وعايش تلك اللحظة وسحرها، متمنيًّا أن يكون من المشمولين بها، يقول: “أبطئ سيارتي وأتذوّق بكلّ حواسّي طعمَ الأبوّة المفقود، تمنّيتُ أن يكون لي بينهنّ ابنةٌ أقفُ بسيّارتي وأحملها معي إلى البيت كما ينتظر كثيرٌ من الآباء هنا”(26).
وغير بعيدٍ من فاعلية أجواء المدرسة في إثارة أحاسيس الحرمان لديه، عاش عليّ أثرَ أخطاءٍ، أفضت إلى تلقيه رسائل، أبلغتْه بغياب ابنه الذي لم يزل في عالم الغيب. يقول عن ذلك: “وصلتْني رسالةٌ تكرّرت قبل ذلك مرّتين: مدرسةٌ بمكّة المكرّمة تبلغني بأنّ ابني عبد الرحمن متغيّبٌ هذا اليوم. ذلك الخطأ الذي ارتكبه موظّفٌ مهملٌ في إدخال رقمي بدلًا من رقم الأب الحقيقيّ لعبد الرحمن، منحني تجربةً مجّانية للأبوّة”(27). وهنا تتجلى أصداءُ الحرمان في صورة عزاءٍ موارب؛ إذ لم يفرط المحرومُ في التقاط ما يمكنه التقاطُه، من أحاسيس أبوّةٍ، لم يكن هو المقصود بالرسائل المحيلة عليها.
[2ــ3ــ2] ــ تمثّلات المشابهة
إذا كانت جميع المواقف ــ التي سلف الحديث عنها ــ فاعلةً في إسماع علي أصداءَ حرمانه ــ من خلال المفارقة بين حاله محرومًا من الأطفال وحال أصحاب هذه المواقف المحظوظين بقدراتهم الإنجابية ــ فإن هذه الأصداء قد وصلتْ إليه، من مواقف تشابهت فيها حاله مع أحوال أصحابها. أولئك الذين يحتسون مرارة الحرمان نفسه. منهم أحمد الأصدع، الذي نجح في تجاوز حرمانه، من خلال تجربة أطفال الأنابيب. ومثله المُكلَّف بحماية حدود بلده، غير المحظوظ بسعادة الإنجاب، الذي عيّره أحد زملائه بشقائه، فاشتطاط غضبًا، انتهى بقضائه على حياتين: حياة زميله، ثم حياته.
ومن ذلك ــ أيضًا ــ حال دحيدح، الذي تصالح مع واقع حرمانه من الإنجاب. ولم يعرف علي بسِرِّه، إلّا بعد وفاته، حينما أخبره أحد أصدقائه “أن دحيدح احتال على الجميع ولم يكن لديه أبناء”(28)، فعقّبَ على ذلك، بما يحيل على وقْعِ هذا الخبر في نفسه مَوْقِعًا مثيرًا لمكامن حرمانه؛ إذ يقول: “مضيتُ أردّد بنفسٍ حزينة: حتى أنت يا دحيدح.. حتى أنت!!”(29).
[2ــ3ــ3] ــ جوهر المأساة
تعددت المواقف والأحوال، التي استوعبت الرواية دورها الفاعل في قرع أجراس الحرمان من الإنجاب، وتداعياتها المأساوية في حياة علي بن مانع. ومن خلال تسريد تلك المواقف، وصلت الحكايةُ إلى توصيفٍ دقيق لجوهر مأساته.
لقد تشكّلت مأساة علي ــ تلك ــ بحاجته الماسّة إلى مَن يؤنس لياليه الموحشة؛ إذ يشير إلى ذلك، فيقول: “كل ما أريده هو وجود طفل يجلب المسرّات الليليّة الصغيرة، إنه سببٌ أهمّ لديّ من كل الأسباب الأخرى، قد يبدو شاعريًّا وسطحيًّا في نظر البعض، لكنهم لم يجرّبوا الأمرَ بعد خمسة عشر عامًا من الزواج، حيث العودة من العمل أو بعد سهرةٍ مع الأصدقاء إلى شقّةٍ صغيرةٍ يعشّش فيها الهدوء، ويطفو في فراغها الصمت”(30). وتتجلّى في هذا التوصيف ماهيةُ مأساة علي، التي تُشْهِرُها في وجهه حاجتُه الماسّة إلى الشعور بأُنْسِ مساءاته. لكن ذاك الأنس ليس في مستطاعه أن يناله، إلّا إنْ كان قادرًا على الإنجاب، وهو ما يحول دونه حرمانُه منه.
[2ــ4] ــ حلولٌ مسكونة بالفشل
مع كل صوتٍ تقرعه أجراس الحرمان، تتهادى إلى علي بن مانع أصداءُ حلولٍ مختلفة. لم يفرط في أيّ منها؛ إذ جمع بين الحلول الشعبية والطرق الطبية العلمية الحديثة، التي كان من أهمها خوضه تجربة أطفال الأنابيب.
ولأن شراسة الحرمان قد بلغت أقسى مستوياتها في حياته، فقد تمكّنت من تهيئته للقبول بكل مشورة، والتداعي مع كل رأي يُطرح عليه؛ إذ كان من محاولاته ما استعان فيه بشتى الطرق الروحانية، وأساليب التداوي الشعبي، وألوان الخرافات والأساطير، وادعاءات السحرة وأرباب الشعوذة العلاجية.
كما كان من محاولاته ــ تلك ــ ما اتصل بتراجعه عن رؤيته في الزواج المتعدد، الذي كان يراه مُصادرةً إضافيّة لحريّات الزوج. حدث ذلك، بعد أن تفاقمت مشكلتُه واستعصى حرمانه؛ إذ اقتنع بضرورة المرور بهذه التجربة؛ فتزوج من نجوى، التي انفتحت له معها عوالمُ لذةٍ ونشوةٍ لا حدود لها. لكن سرعان ما انتهت علاقتهما الزوجية بالطلاق؛ إذ أصرّت على الانفصال، فلم يعترض على قرارها؛ مُدركًا أن كلًّا منهما لم يعثر على ما ينقصه في الآخر.
وعلى ما أبداه علي من استجابةٍ مطلقةٍ، لكل سبيل من سُبل التداوي ــ وكل مشورة من مشورات الحلول لإشكالية حرمانه من الإنجاب ــ إلّا أن كل ذلك لم يجدِ لديه نفعًا؛ إذ لم يجدْ مناصًا من معايشة هذا الألم الوجداني، بكل تداعياته المأساوية.
[3] ــ الحرمان بين مخاضَينِ غير مُكتمِلَيْن
أطَّرَ العملُ مداراتِ الحرمان من الإنجاب ــ التي عصفت بشخصيته الرئيسة علي ــ بين مخاضين غير مكتملين. تمثّل الأول في إجهاض زوجته المفاجئ في مطلع حياتهما الزوجية. حينها لم يبالِ بالأمر؛ إذ يقول عن ذلك: “كانت زوجتي قد حملتْ وأجهضت بعد شهرين من زواجنا. لم أهتمِّ حينها، واعتبرتُه حدثًا عاديًّا عبَرَ حياتي كما يمرّ أمامي شخصٌ بلا ملامح”(31). أما الإجهاض الآخر، فقد جاء بعد خمسة عشر عامًا من زواجهما، وبعد فصولٍ من المعاناة والألم والمحاولات الفاشلة.
وقد اختلف المخاضُ الثاني ــ هذا ــ عن سابقه، في موقف علي الذي احتفى به؛ لشعوره بأن ملامح النجاة قد تكاملتْ فيه جنينًا طال انتظاره. كما اختلفَ هذا المخاض عن سابقه ــ أيضًا ــ في مركزية الاشتغال عليه؛ إذ توالى تسريدُ أحداثه طيلة يومٍ كامل، لم ينتهِ إلّا بكارثة حرمانٍ متناسلة في حياة علي.
[3ــ1] ــ النجاة غير المكتملة
لقد كان (الجنين/ النجاة) مولودة علي ــ تلك ــ التي لم تنتظر اكتمال مدة الحمل بها؛ إذ خرجت إلى الدنيا في الشهر الثامن. وهنا بدأ التشاؤم من مصيرها، لا سيما وأنّ عدم الاكتمال لم يقتصر على مدة الحمل، بل امتد إلى جسد الطفلة، الذي لم تتضح تفاصيله لأبيها المعذب بانتظارها؛ إذ يشير إلى أول لحظة وقع بصرُه عليها، فيقول: “جاءت زوجتي وكائنٌ صغيرٌ لم أتبين ملامحه”(32).
ثم يتداعى الأب المرتبك مع حديث الأطباء، عن أن “البنت رئتاها غير مكتملتين ونسبةُ نجاتها ضعيفةٌ جدًّا وقد لا تتجاوز الأربع والعشرين ساعة القادمة”(33). كما أكدوا أن رئتيها غير قادرتين على الصمود إلّا بحقنة، لابد من السفر إلى جلبها من الرياض. سارع الأب إلى إنجاز الأمر، لكنهم اكتشفوا أنه من غير الممكن إعطاؤها تلك الحقنة، فاتصلوا به، ليعود إليهم.
عاد علي المحروم مسحوقًا بالتفكير في مولودته غير المكتملة، التي أشار إلى حالها ــ هذه ــ في عددٍ من الجمل السردية. منها ما اقتصر فيه النقص عليها وحدها، كقوله: “طفلي غير المكتمل النمو”(34). ومنها ما ربط فيه بين حالها وحال مستقبله المنقوص، كقوله: “زوجتي والمستقبل غيرُ المكتمل النموّ في غرفة العمليات”(35)، و”دخول زوجتي ومستقبلي غير المكتمل النموّ إلى المستشفى”(36). وقد أحال هذا الربط ــ بين مستقبله وحال مولودته ــ على فاعلية الحرمان من الإنجاب، في صياغة مستقبله الموسوم بعدم الكمال، المتصل بما يعانيه من شعورٍ عارمٍ بنقصٍ، لم يستطع الفكاك من شباكه.
[3ــ2] ــ بين اليأس والأمل
كان ذاك اليوم ــ الذي انتظر فيه علي ولادة ابنته ــ طويلًا، واكتنفه غموضٌ وارتباك؛ إذ اضطربت فيه الرؤية، بين إمكانية بقاء الطفلة على قيد الحياة، ومؤشرات الارتحال منها. تجلّى هذا التأرجُح والاضطراب، في عددٍ من السياقات السردية. منها ما أشار فيه عليّ إلى ما تمثِّله ولادتها من ولادة للضوء في حياته؛ إذ يقول: “أنتظر وصول هذه الابنة إلى الضوء، لا أن تجعلني أقضي بقية هذا الليل في المقابر المظلمة”(37).
كما وردَ ــ في سياق آخر ــ تفصيلٌ لهذا التأرْجُح، في قول علي: “إمّا أن تنطفئ هذه الطفلة وأدفنها في الظلام إلى الأبد، أو تحيا وتضيء لي تقاطعات الروح ونوافذها”(38). وإلى ذلك، أسقط الأب حالَ طفلته المتأرجحة ــ بين البقاء والرحيل ــ على اليوم نفسه، فرأى فيه انشطارًا بين الحياة ونقيضها؛ إذ يقول: إن ذاك اليوم كان “يتمزق في الأفق أحمرَ تمامًا كتلك المولودة التي تركتُها خلفي تصارعُ من أجل الحياة”(39).
لقد تمكّن هذا الاضطراب من عليّ، ثم بدأ ينحو به منحىً أكثر تجانسًا مع الصدمة المرتقبة. تلك التي بدأ يشعر بأنه في طريقه إليها، عابرًا مساحة زمنية حرجة: “عبرتُ لحظةً متمهّلة، صقيعٌ يسري في عظامي، انطفاءٌ بطيءٌ ورحيم، كأنّ حياتي تُطوى كما تُطوى الفرُش في اليوم الأخير من العزاء. مُجرّدٌ من كلّ ضعفٍ وكلّ قوة، محمولٌ في غيمة حُزنٍ على وشك الهطول”(40).
لم يكن هذا التوصيف المكثف ــ لتلك اللحظة الفاصلة بين علي والصدمة المؤسفة ــ إلّا استشعارًا منه لما سيأتي من كارثة. تلك الكارثة، التي سرعان ما حلّتْ به، فمنحت حرمانه حياةً جديدة، بعد أن انتزعتْها من مولودته غير المكتملة. وفي هذه الحال لمسَ علي بعض العزاء؛ إذ يقول: “عزائي الوحيدُ أني سأتمكّن من فتح قبرٍ في الأرض وليسَ في صدري وإقامة عزاء حقيقيٍّ بدلًا من المآتم الوهميّة”(41). وعلى ذلك، فقد كان هذا العزاء أكثر قسوة عليه، من خلال ما وجد فيه من مصيرٍ مؤلم، متمثلٍ في استدامة حرمانه في حياته القادمة، على مسمعٍ ومرأى، من محيطه المتمادي في السخرية منه.
[4] ــ اللغة السردية
[4ــ1] ــ الحرمان واللغة السردية
كانت اللغة العربية الفصحى هي اللغة الرئيسة، التي انتظمت فيها مضامين هذا العمل السرديّ. وقد اتسمت هذه اللغة بعددٍ من الخصائص، من أهمها: التكثيف، والانسياب، الذي اتسق مع الرهافة التي تتميز بها الطبيعة الوجدانية. لا سيما ما يتصل من هذه الرهافة، بالعاطفة المكلومة بالحرمان من الإنجاب.
[4ــ1ــ1] ــ علاقة جمالية
لعل من أهم صور تلك العلاقة بين الحرمان واللغة السردية، ما تفضي إليه من مسحة جمالية، تجلّت في بعض الصيغ السرديّة. منها، تلك التي استوعبتْ تسريدَ حالِ طبيب الولادة، المفعم بطاقةٍ وحيويةٍ حركيّة داخلًا إلى غرفة العمليات وخارجًا منها، بشكلٍ كان يبدو فيه و”كأنّه ممثلٌ يختتم مسرحيّةً حزينةً وينحني لتصفيق الجمهور”(42).
ومن نماذج تلك المساحة الجمالية ــ أيضًا ــ ما تجلّى في إضفاء الطبيعة الإنسانية على الزمن؛ فاكتسب من خلالها شعورًا إنسانيًّا، أحال من خلاله على الانزعاج من أصوات بعض آليات المواصلات. تلك التي كانت تمرّ بالقرب من المستشفى، حيث تلد أروى. من بينها “شاحناتٌ ينتهك صوتُها طمأنينة الفجر”(43).
[4ــ1ــ2] ــ السرد والمحكية
ضمن مركزية اللغة الفصحى ــ في هذا العمل ــ حظيت المحكية بحضورٍ محدودٍ، في عددٍ من السياقات، التي اتّسقَ استئناسُها بالمحكية مع نسقها السرديّ. وقد كانت المحكية السعودية في صدارة هذا الاستئناس. ومن نماذجها ما جاء في صيغة الأمر “عَوِّدْ..!!”(44)، ضمنَ رسالةٍ وجّهتْها أروى إلى زوجها علي، طالبةً منه العودة إليها. وكذلك هي صيغة المضارع: “يتغيّا لِشْ”(45)، التي تضمّنتها مكالمةٌ بين عليّ وأمه؛ حدستْ فيها الأم أنّ في صوته شيئًا مقلقًا، فرد عليها بهذه الصيغة المطمئنة، التي تعني أن ذلك يتهيأ لها؛ مُعلِّلًا ذلك بهدوء المكان، الذي يتواجد فيه تلك اللحظة.
ومن نماذج المحكية، تلك التي استمدّها السياق السرديّ من اللهجة المصرية. من مثل تلك الصيغة المحكيّة، التي وردتْ على لسان الطبيب المصري، لحظة خروجه من غرفة العمليات، مُتحدِّثًا إلى عليّ: “متخفش.. عاوزين دم على قد ما تقدر ومن أي فصيلة”(46).
وفي السياق نفسه، يظهر نوعٌ من تميّز لغة هذه الرواية، في استخدامها نماذجَ من لغة الوافدين من بلدان غير عربية. من ذلك، هذه الجملة، التي سمعها علي من عاملٍ في أحد المطاعم، مُنادِيًا بها إيّاه: “صديقْ.. صديقْ”(47). وقد قدّم السياق السرديّ ما يشبه التنويه إلى أن تضمينَ مثل هذه النماذج مرتبطٌ بطبيعة المكان الحيوي، الذي صار من تفاصيله تواجدُ هذه العمالة فيه. ذلك هو ما أشار إليه علي بالقول: “أذوب بين حشودِ العمالة المهاجرة المبثوثة في كل مكان، مخترقًا غيمةً مثقلةً بأصواتهم ولغاتهم المختلفة”(48).
ومن خلال هذه الإشارة ــ وما تشير إليه ــ أضفى العمل على سياقاته نسقًا من التداعي السرديّ مع خصوصية الواقع المعيش بتفاصيله. تلك التفاصيل، التي منها ما يتعلق بلغة القادمين إلى هذا الواقع، على انتمائهم إلى بلدانٍ، ذات لغاتٍ مختلفة عن طبيعته اللغوية: الفصحى، والمحكية.
[4ــ2] ــ اللغة السردية وإجراءات التدقيق والطباعة
كلّ عملٍ تأليفيٍّ يُرادُ له مزيدٌ من التجويد والعناية ــ روائيًّا كان أو غير روائيّ ــ لا بد من أن يصل الاشتغالُ عليه إلى مرحلة اعتناء أخيرة. تلك التي لا تأتي ــ في حال الكتابة الروائية ــ إلّا بعد أن ينتهي الكاتبُ من إنجاز عمله، واستكمال أبعاد رؤيته، وتحرير سياقاتها المختلفة.
من أهم مسارات تلك المرحلة الأخيرة ــ التي تسبق خروج العمل إلى النور ــ ما يتعلق منها بإجراءات التدقيق اللغويّ والفنيّ والطباعيّ. وغالبًا ما يكتنف هذه المرحلة بقاءُ بعضٍ من الهفوات، التي عادة ما يتم استدراكُها في الطبعة الثانية. وعلى ذلك، يمكن القول إنّ هذا العمل قد سلِم منها، باستثناء عددٍ محدودٍ جدًّا، لا ضير من التطرق إليه في هذه المساحة التحليلية.
من ذلك، ما نجده في صياغة هذه المساحة، التي يقول السارد فيها: “هم ينظرون إلى طفل الأنابيب كما لو أنه ابنٍ للعيادة وليس لأمه وأبيه، أو إلى سلالةِ مختبراتٍ لم ينحدر من قبيلته بطنًا عن ظهرٍ…”(49). فهنا حُرِّكَ الحرفُ الأخير من (ابن) بتنوين الكسرة، خلافًا لحركة الرفع بالضمة، التي تتسق مع موقع الكلمة الإعرابي، بوصفهًا خبرَ (أنَّ)، التي كان اسمها ضمير الغائب المتصل بها: (أنّه ابن…). ويبدو ــ أيضًا ــ أن جرّ اللفظ (سلالة) بحرف الجر (إلى)، غير متجانسٍ مع نسق الصيغة السابقة له، التي استخدمتْ حرف الجر (اللام)، في الجملة: “ليس لأمه وأبيه”.
ومن ذلك ــ أيضًا ــ ما يُلاحظ على جملةٍ، أشارت إلى “أن “أبو تميم” يستمدّ قيمتَه لدى الآخرين بلعب دور الملجإ والملاذ لكل من لديه مشكلة”(50)؛ إذ رُسمت الهمزة تحت الألف، التي انتهى بها اللفظ (الملجإ)، بدلًا من الصيغة الأصوب، المتمثلة في تموضع هذه الهمزة فوق الألف (الملجأ)، لا تحتها.
[4ــ2ــ1] ــ تعديلٌ من أجل انسيابٍ جماليّ
يمكنني ــ أيضًا ــ أنْ أضع في هذا السياق عددًا من النماذج، التي لا أميل إلى تخطئتها لغويًّا، بقدر ما أميل إلى ما يمكنُ أن يُجرى فيها، من تعديلٍ طفيفٍ على بعضٍ من أجزائها. ذاك التعديل، الذي لا شكّ في أنه سيضفي على صياغتها نوعًا من الانسياب الجمالي. وفي كل الأحوال، فهذا الميل متعلقٌ بوجهة نظري التي ليست مُلزمة، بقدر ما هي رؤية قابلة للاتفاق معها، أو الاختلاف مع ما ذهبتْ إليه.
من تلك النماذج ــ على سبيل المثال ــ القول: “ينتمي لأسرة من البدو في نجران”(51)؛ إذ يبدو لي أنّ الأفضل في هذا النموذج أن يُجرى تعديلٌ على حرف الجر فيه، بإحلال حرف (إلى) محلّه؛ فيقال: “ينتمي إلى أسرة…”. ومثل ذلك ما يمكن إجراؤه من إحلالٍ لحرف الجر (في) محلّ حرف الجر (الباء)، في القول: “زوجتي بوضعٍ مستقرٍّ”(52)؛ فيُقال: “زوجتي في وضعٍ مستقر”. كذلك هو الأمر في صيغة: “رغم أنه إذا اختلى بحيوانه الصغير…”(53)؛ إذ يمكن أن يقال بدلًا منها: “على الرغم من أنه ….”؛ لا سيما وأن هذه الصيغة ــ التي أرى أنها هي الأصوب ــ قد وردت في مساحةٍ سردية أخرى، ضمن هذه الجملة: “على الرغم من أن لقاء جسدينا…”(54)، فكانت بذلك أكثر انسيابًا من سابقتها.
وفي سياق ذلك، يمكن الإشارة إلى أهمية استخدام علامات الترقيم استخدامًا فنيًّا، مُتَّسِقًا مع المعنى المراد في كل جملة وفقرة سردية. لا سيما تلك الفقرات، التي يكثر فيها استخدامُ الفاصلة بين عددٍ من الجمل، بعضها يتسق معه استخدام الفاصلة. وبعضٌ آخر لا تتسق معه هذه العلامة، كأن تكون النقطة أو غيرها هي الأنسب. وفي السياق نفسه، يندرج ما يحدث من غيابٍ لعلامةٍ من علامات الترقيم، في موضعٍ لا مناص من حضورها فيه. من مثل ما حدث في صيغة هذا التساؤل، المنسوب إلى عاملٍ وافد: “أنت موجود ولد؟!!”(55)؛ إذ نال هذا التساؤل عنايةً في استخدام علامة الاستفهام، متبوعةً بعلامتي التعجب. من غير أن تمتد هذه العناية، إلى وضع النقطة بعد علامة التنصيص.
[4ــ2ــ2] ــ تجويدُ الصياغة
من زاوية أخرى، يمكن تضمينُ هذا السياق ما يتعلق بتجويد الصياغة في بعض الجمل السردية. من مثل هذه الجملة: “ليست ترمز إلى شيء أفهمه”(56)؛ إذ يبدو لي أن الأجود أن تصاغ على هذا النحو: “ليست رمزًا إلى شيء أفهمه”. أو “لا ترمز إلى شيء أفهمه”.
ومثل ذلك هي الحال في القول: “يحدث أن تمنحنا الحياة صفعةً وقُبلةً معًا”(57)؛ إذ يبدو لي أن استخدام الفعل “تمنح” مع كلٍّ من القبلة والصفعة، غير متجانس مع فضائهما الدلالي. فإن كان استعمال فعل (المَنْح) مُتسقًا مع حالٍ يُقدّمُ فيها الشيءُ بحبٍّ ومودةٍ ورضا وكرم، إلّا أنّ استعمال هذا الفعل نفسه، لا يتسق مع عملية الصفع، التي عادةً ما تأتي مُرتبطةً بحالِ غضبٍ، أو سياقِ رغبةٍ انتقامية، أو تنفيذ قرارٍ عقابي.
[5] ــ خصائص جمالية ورؤية تفكيكية
إنّ مثل تلك الملاحظات التدقيقية ــ السالف ذكرُها ــ لا تكاد أن تتجاوز ما أشرتُ إليه. كما أنها لا تنال ــ في أية حال من الأحوال ــ من متانة اللغةِ السردية في هذا العمل. ولا تقلل من خصائص هذه اللغة الجمالية والأسلوبية، التي تنوعت بين: انسيابيّةٍ في أنساقها التعبيرية، وصحةٍ في تراكيبها، ودقةٍ في بناء فضاءاتها الدلالية. تلك الفضاءات، التي تضمنتْ قيمًا دلاليةً وإيحائيةً، فاعلةً في استيعاب المضامين السردية.
وقد تجلّت هذه السمات اللغوية ــ بخصائصها الجمالية والأسلوبيّة ــ من خلال تدفّق الحكاية بحيوية ملحوظة، في قوالب وصيغ لغوية، وسياقاتٍ اتّسقت ــ اتساقًا دلاليًّا وفنيًّا ــ مع ما اضطلعتْ بتسريده من أحداث متجانسة. تلك الأحداث، التي عالجت الرواية من خلالها نوعًا خاصًّا من أحوال الحرمان من الإنجاب. ذاك النوع المتعلق بذات (الرجل/ الزوج) المحروم؛ إذ احتفت مركزيةُ الاشتغال السردي بهذه الذات، بشكلٍ لم تظهر فيه إحالةٌ على نوعٍ من التحيّز إلى الذكورة. وإنما انطوى تسريد هذه المركزية على نوعٍ من الرغبة، في تسليط الضوء على هذا البُعد من مأساة ذاك الحرمان، الذي لم يحظ بما يكفي من التسريد الروائيّ.
ويبدو أن من أهم العوامل ــ التي تقف وراء محدودية الاعتناء السردي بهذا البُعد من الحرمان الإنسانيّ ــ هي تلك العوامل العائدة، إلى طبيعة الرجل ومكانته وصورته النمطية، التي تقادم رسوخها في البنية الثقافية السائدة. هذه البنية، التي عادةً ما يظهر الرجل فيها كائنًا عصيًّا، غير قابلٍ للتداعي مع أي نوع من أنواع الانكسار الإنساني. وبذلك؛ فإنّ هذه الصورة الثقافية النمطية هي ما عملت الرؤية السردية على تفكيكه، فكشفت عن صورة أخرى مغايرة، عادتْ بالرجل إلى طبيعته الإنسانية. تلك الطبيعة، التي تجلّى فيها مُعذَّبًا، منكسرًا بتداعيات حرمانٍ قاسٍ، يمضي به إلى التصالح مع حاله، والاستسلام لمصيره. ذاك المصير، الذي أحالت السياقات السردية، على اتِّساقه مع ما اعتاد عليه صاحبه، من خساراتٍ فادحة.
- سالم الصقور، “القبيلة التي تضحك ليلًا”. ط3، ميسكلياني، تونس، 2025.. ↩︎
- نفسه، ص11. ↩︎
- نفسه، ص129. ↩︎
- نفسه، ص54. ↩︎
- نفسه، ص113. ↩︎
- نفسه، ص114. ↩︎
- نفسه، ص99. ↩︎
- نفسه، ص109. ↩︎
- نفسه، ص39. ↩︎
- نفسه، ص57. ↩︎
- نفسه، ص15. ↩︎
- نفسه، ص65. ↩︎
- نفسه، ص15. ↩︎
- نفسه، ص49. ↩︎
- نفسه، ص67. ↩︎
- نفسه، ص130. ↩︎
- نفسه، ص23،22. ↩︎
- نفسه، ص133. ↩︎
- نفسه، ص23. ↩︎
- نفسه، ص9. ↩︎
- نفسه، ص25. ↩︎
- نفسه، ص131. ↩︎
- نفسه، ص27. ↩︎
- نفسه، ص133. ↩︎
- نفسه. ↩︎
- نفسه، ص71. ↩︎
- نفسه، ص41. ↩︎
- نفسه، ص104. ↩︎
- نفسه. ↩︎
- نفسه، ص35. ↩︎
- نفسه، ص48. ↩︎
- نفسه، ص33. ↩︎
- نفسه، ص27. ↩︎
- نفسه، ص16. ↩︎
- نفسه، ص17. ↩︎
- نفسه، ص25. ↩︎
- نفسه، ص133. ↩︎
- نفسه، ص112. ↩︎
- نفسه، ص48. ↩︎
- نفسه، ص134. ↩︎
- نفسه، ص23. ↩︎
- نفسه، ص16. ↩︎
- نفسه، ص48. ↩︎
- نفسه، ص40. ↩︎
- نفسه، ص45. ↩︎
- نفسه، ص16. ↩︎
- نفسه، ص58. ↩︎
- نفسه، ص110. ↩︎
- نفسه، ص31. ↩︎
- نفسه، ص75. ↩︎
- نفسه، ص31. ↩︎
- نفسه، ص33. ↩︎
- نفسه، ص74. ↩︎
- نفسه، ص100. ↩︎
- نفسه، ص27. ↩︎
- نفسه، ص29. ↩︎
- نفسه، ص64. ↩︎


