الزواج والثقافة الاجتماعية

الزواج والثقافة الاجتماعية

الزواج نسقٌ من أنساق الثقافة الاجتماعية في شتى المجتمعات الإنسانية، على اختلاف الرؤى فيها من مجتمعٍ إلى آخر.

الزواج والثقافة الاجتماعية

د. عبده منصور المحمودي

يشكّل أيُّ مجتمعٍ من المجتمعات ــ بما فيه من عادات وتقاليد، وعلاقاتٍ، وتفاعلات اجتماعية، ونظامٍ اجتماعي ــ بُعْدًا مهمًّا من أبعاد الثقافة الاجتماعية لدى أي فردٍ ينتمي إليه.

ومن خلال ما يتمثّل الفرد من سياقات ثقافة اجتماعية سائدة في مجتمعه، يتمكن من التعاطي مع مظاهر الحياة المختلفة فيه. كما يتمكن من بناء رؤيته في كثير من أنساق العلاقات الاجتماعية، وما يرتبط بها من عادات وتقاليد وأعراف فاعلة، في إضفاء نوعٍ من التماسك بين مختلف أبعاد التركيبة الاجتماعية. وفي الوقت نفسه، لا شك في أن لهذه الثقافة الاجتماعية ــ ورؤى الفرد في تفاصيلها ــ حضورُها المباشر وغير المباشر، لدى المنتمين إلى دائرة الإبداع والفكر والاشتغال المعرفي؛ إذ تتجلّى هذه الثقافة وتلك الرؤى في منجزهم الإبداعي والمعرفي.

وبالإمكان الوقوف على عادة الزواج، بوصفها نسقًا من أنساق الثقافة الاجتماعية. من خلال تأمل تجليّاتها في رؤى الدكتور عباس السوسوة، الذي تنوّعت بُنيته الثقافي بين مسارات متعددة، كالثقافة الفنية، والثقافة الرياضية، وغيرها من مسارات التنوّع الثقافي، التي كانت فاعلة في تشكيل سمة التنوع الأسلوبي، في كثيرٍ من كتاباته واشتغالاته البحثية والمعرفية.

[1]: السوسوة والثقافة الاجتماعية

للثقافة الاجتماعية مسارها المحوري في ثقافة الدكتور عباس السوسوة؛ فهو واحدٌ من أفراد المجتمع اليمني. يعيش ما في مجتمعه، من عادات، وتقاليد، وفروض اجتماعية مختلفة. يقول عن ذلك:

“كل فردٍ من البديهي أن يحتك بالمجتمع. إن الإنسان لا يعيش في المجتمع وحده، شاء ذلك، أو أبى… فمثلًا: الأمور الاجتماعية التي تتطلب الحضور، كبناء بيتٍ، أو حفلة زواج، أو عزاء… هذه الأمور لا يقف الإنسان منها موقف المتبلد، يدرك، يسمع، يسأل، يناقشونه، ويناقشهم، يجادلونه، ويجادلهم…”(1).

فعادات “الزواج”، و”العزاء”، من عادات دورة الحياة الاجتماعية في المجتمع اليمني(2)، وهو مشاركٌ فيها. كما هو ــ أيضًا ــ مشاركٌ في غيرها من العادات والتقاليد، والفروض الاجتماعية.

[2]: الزواج طريقٌ شائك

يُعدُّ الزواج ــ في أي مجتمعٍ من المجتمعات ــ طريقًا للاستقرار الاجتماعي، ووسيلة للحفاظ على النسل، بشكلٍ أو بآخر. وهذه السُّنة الاجتماعية، لها تبعاتها، التي يراها السوسوة، عبئًا ثقيلًا على كاهل الفرد؛ فبخطوة الزواج الأولى، المتمثلة في “الخِطبة”، تبدأ مراحل الشقاء، يقول:

“الخطيب والخطيبة كلاهما مشتقٌ من الخَطْب، أي الأمر الفادح والنازلة التي تصيب الإنسان. ومنها اشتقت الخطبة (بكسر الخاء) أي طلب المرأة للزواج ولَعَمْري فأيُّ خَطْبٍ أجَلُّ من هذا”(3).

ومصدر هذا الشقاء ــ لاسيما في المجتمع اليمني ــ متمثِّلٌ في تحَوُّلِ الزواج إلى عملية مقاولةٍ عمادُها الذهب والمجوهرات، حتى صار الزواج إهلاكًا لنصف الدين الذي يملكه المرء، إن كان يملكه(4).

ثم تأتي تبعات الزواج الأخرى، المتمثلة في الإنجاب، وما يترتب عليه من التزاماتٍ، وقيودٍ. لذلك، يقول السوسوة: إن الزواج “شرٌّ لابد منه، فالزواج قيدٌ يقيدك عن طموحاتك. فمثلًا: إذا كان في الأسفار خمس فوائد، فإنك لا تستطيع أن تقوم ولو بفائدةٍ واحدةٍ من هذه الفوائد، إن كنت متزوجًا، وفي عنقك زوجة، ولديك أولاد؛ فالزوجة، والأولاد يعرقلون حركتك، وأسفارك، يضعفون اختياراتك…”(5).

[3]: الأطفال زينة وقيود

على رؤية السوسوة في الزواج وتبعاته، إلا أنه يؤكد أن الأطفال في سن طفولتهم، خضرة للقلوب، وزينة للحياة الدنيا. تجلّى ذلك، في مقدمته الثانية، لكتاب “شرح المشعططات السبع”، حينما يقول:

“وهذه المشعططات قصائد يلعب بها الأطفال، أحباب الله وخضرة القلوب وزينة الحياة الدنيا وفتنتها”(6).

لكن نظرته ــ هذه ــ تتغير، عندما تتبدد آمال الأب في أولاده، الذين يتسببون في الإضرار به، لذلك يقول عنهم:

“العيال هم أذى الحياة الدنيا يدفعون أباهم إلى ارتكاب كل الذنوب من أجلهم فلهم الغنم وعليه الغرم. وكثير ما يحدث أن الوَادْ مُشْ طالعْ لأبوه”(7)؛ فليس الابن نسخة من أبيه، “ويكون واهمًا من يظن أن أبناءه يأتون نسخة منه، فلكل واحدٍ منهم شخصيته المستقلة، عرف ذلك من عرف، وأنكر ذلك من أنكر”(8).

[4]: تقاطُعًا مع رؤية العقاد

هذا الطريق الشاق للزواج ــ الذي تجلّى في رؤية الدكتور عباس السوسوة ــ هو ما عبر عنه عباس محمود العقاد بـ”التوريط”. فالعقاد، يرى أن الحياة تسير بنا من خلال الزواج في نهجين، الأول، يتمثل في مزج واجب إدامة النسل بالسرور، والنهج الثاني، يتمثل في (التوريط) “الذي يقيد الإنسان حين يريد الإفلات فلا يقدر على الإفلات، لأن مصاعب النجاة من الحالة التي يعانيها أكبر من مصاعب الصبر عليها بعد وقوعه فيها. وخير الأمثلة على ذلك كفالة الأبناء ومتابعة السعي في سبيل المجد من مرحلة إلى مرحلة، وقد كان الساعي فيه يحسب أنه مستريح بعد المرحلة الأولى”(9).

لقد كان هذا النهج ــ التوريط ــ وراء نظرة السوسوة للزواج، وربما وراء إحجام العقاد نفسه عن الزواج، أيضًا. وبذلك؛ فإن الزواج لدى الدكتور عباس السوسوة ــ  وإن كان وسيلة مشروعة للذة، وطريقًا سويًّا للحفاظ على النسل الإنساني ــ إلا أنه على ذلك، طريق للشقاء، والمعاناة، بتبعاته الثقيلة، ابتداءً بالخِطبة، مرورًا بالإنجاب، ثم إعالة الأبناء. وما يترتب على ذلك، من التزامات مادية، ومعنوية، وعاطفية تجاههم. وفي سياق ذلك ما يفرضه الزواج، بتبعاته المختلفة، من قيودٍ قاسيةٍ، تحول بين المرء وطموحاته وآماله.

[5]: الثقافة الاجتماعية بين المعايشة والاطلاع

كما بدت ملامح الثقافة الاجتماعية عند السوسوة، من خلال معايشته للمجتمع ــ بعاداته وتقاليده، ومن خلال نظرته، ورؤاه الاجتماعية ــ بدت، أيضًا، في اطلاعه على مؤلفاتٍ تصب في هذا الاتجاه. ومما يحيل على ذلك، ما استأنس به في كتابه “العربية الفصحى المعاصرة وأصولها التراثية”، من نصوصٍ، اقتبسها من مؤلفاتٍ ذات مضامين اجتماعية. كما في هذا النص، الذي ورد شاهدًا من شواهد الفصل الثامن “تعريف الألفاظ المبهمة بعض وكل وغير”:

“يعتبر البعض المهر شكلًا من أشكال الضمان نظرًا لكون المرأة الحلقة الأضعف في النسيج الاجتماعي”(10).

وبذلك، فإن الثقافة الاجتماعية، تمثل بعدًا ثقافيًّا، من أبعاد التنوع الثقافي، عند السوسوة؛ فهو منصهرٌ في المجتمع. ومشاركٌ في عاداته وتقاليده. ولديه رؤاه ووجهات نظره الاجتماعية في كثير  من سياقات الحياة والعلاقات والعادات الاجتماعية. كما أن لديه ثقافة اجتماعية مستمدة من بعض الكتابات والمؤلفات ذات المضامين والمحتويات الاجتماعية.


  1. من المقابلة التي أجراها معه الكاتب، يوم الأربعاء: 11 ربيع الأول 1429هـ ـ 19 مارس 2008م. ↩︎
  2. حمود العودي، “التراث الشعبي وعلاقته بالتنمية في البلاد النامية، دراسة تطبيقية عن المجتمع اليمني”. دار العودة، ط2، بيروت، 1986م، ص: (128 ـ 135). ↩︎
  3. ضياء الدين بن جمال الذماري، “شرح المشعططات السبع”. تحقيق وتعليق: عباس علي السوسوة. ط1، مركز عبادي للدراسات والنشر، صنعاء، 1428هـ ـ 2007م، ص: (27). ↩︎
  4. نفسه. ↩︎
  5. من المقابلة التي أجراها معه الكاتب، تعز، يوم الأربعاء: 11 ربيع الأول 1429هـ ـ 19 مارس 2008م. ↩︎
  6. ضياء الدين الذماري، “شرح المشعططات السبع”. مرجع سابق، ص: (10). ↩︎
  7. نفسه، ص: (73). ↩︎
  8. من المقابلة التي أجراها معه الكاتب، تعز، يوم الأربعاء: 11 ربيع الأول 1429هـ ـ 19 مارس 2008م. ↩︎
  9. عباس محمود العقاد، “يسألونك”. دار الكتاب العربي، ط2، بيروت، د.ت، ص: (322،321). ↩︎
  10. عباس علي السوسوة، “العربية الفصحى المعاصرة وأصولها التراثية”: دار غريب، القاهرة، 2002م، ص: (113). وينظر: محمد حسين فضل الله، “دنيا المرأة”. دار الملاك، بيروت، 1997م، ص: (297،296). ↩︎

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top