الرمز في شعر محمد الشرفي: استلهام التاريخ والرؤية الصوفية
استلهمت تجربة الشاعر محمد الشرفي الرمز الشعري، الذي تنوع فيها بين الرمز الصوفي، والرمز المسيحي، والرمز التاريخي. ذلك، هو ما ستقف عليه هذه الورقة النقدية ــ الرمز في شعر محمد الشرفي: استلهام التاريخ والرؤية الصوفية ــ من خلال مقاربة نقديةٍ، لعددٍ من النماذج الشعرية، من هذه التجربة الإبداعية.
الرمز الصوفي في شعر محمد الشرفي
في تعاطي الشاعر محمد الشرفي ــ مع بعضٍ من متغيرات الحياة التي عاصر آثارها وتداعياتها في وطنه ــ استأنس بالرمزية الصوفية، في التعبير عنها. من مثل استلهامه لفكرة وحدة الوجود، القائمة على اتحاد الذات الشاعرة بالوطن. تلك الفكرة التي اتحدت ــ من خلالها ــ ذات الشرفي مع مدينة عدن، إثر المأساة التي عصفت بها في يناير 1986؛ إذ يقول عن تلك المأساة:
“أبكيكِ …
ويبكي مِني بَعضي فيكِ على بعضي
فأنا أنتِ …
وما ذبحتْ سكِّينُكِ إلا قلبي المسكينَ
وما انغرستْ إلا في نبضي
وأنا أنتِ …”(1).
تجسدت ــ هنا ــ الرمزية الصوفية، من خلال الوحدة الوجودية، بين الذات والمدينة، في وحدة معاناتهما وتألمهما؛ فلا يبكي الشاعر إلا ذاته، حينما يبكي مدينةً هي ذاته وروحه (أنا أنتِ). وفي الوقت نفسه ــ الذي تُمزق فيه السكاكين كينونة المدينة ــ فإن هذه السكاكين نفسها، هي التي تُمزّق قلب الشاعر وتنغرس في نبضه المحزون.
اقرأ أيضًا: المقالح وشعرية الرمز الصوفي تماهي الذات في الإنسان والمكان
وقد تجلى ذلك الأثر الحزين المؤلم ــ الذي أفضت إليه تلك النكبة ــ في ذات الشاعر، بما تسببت فيه من جروح غائرة، في مدينة عدن الأرض والإنسان. وما الاتحاد بالوطن ــ من خلال اتحاد الذات بمدائنه وأماكنه ــ إلّا تجسيد فني، يرمز إلى امتزاج الذات بهذه المدن، التي تحتل مكانة سامية، ومركزية قيمية ووجودية، في تفاصيل الذوات المتحدة بها.
الرمز المسيحي في شعر محمد الشرفي
في سياق استئناس الشعرية العربية المعاصرة بالرمز الشعري المسيحي، يأتي توظيف الرمزية في القصيدة اليمنية المعاصرة، لهذا النسق الرمزيّ. من ذلك ما نجده من توظيف للرمزية المسيحية، في تجربة الشاعر محمد الشرفي، لا سيما ما يتعلق من هذه الرمزية، بتوظيفها في استيعاب معاناة الإنسان المعاصر، ورغبته في الخلاص من واقعه، كقول الشاعر:
“بقايا الإنسان المصلوب هنالك،
عينٌ نازفةٌ بالدمعِ”(2).
إذ يبلغ تصاعد الرغبة في الخلاص المتمثل في الصلب، أقصى مدىً في اتساعه وشموله، حينما صار الزمان مصلوبًا، بعد صيرورة الصلب للإنسان والمكان. ذلك هو ما أحال عليه قول الشاعر:
“الشمس واقفةٌ على فَلكِ المخازي
والمآسي اليعربيةْ ..
والعصر مصلوبٌ ..”(3).
وقد استطاع الشاعر أن يجسّد برمزية صلب المسيح العذابات المعاصرة؛ لما فيه من تفاصيل العذاب والألم، التي تتناسب مع ما في الزمن المعاصر من تفاصيل المعاناة.
الرمز التاريخي في شعر محمد الشرفي
اندفع الأدباء إلى التاريخ؛ بوصفه مساعِدًا في إعادة الثقة للشخصيات المنهزمة(4)؛ فأشد ما يكون الشاعر اندفاعًا إلى حسه التاريخي، في فترات الفتن والصراعات، التي تتخذ من الشعر درعًا آخر تحتمي به، ويقوم بالانتصار والدعاية لها(5). وهو ما كان له دوره الفاعل في صياغة سياقات متعددة، من الرمزية الشعرية في القصيدة العربية المعاصرة.
كما كان له دوره، في حضور رمزية التاريخ في الكتابة الشعرية الحديثة في اليمن، الذي منه ما تجلى في صياغة سياقاتٍ مختلفة، من تجربة الشاعر محمد الشرفي. من مثل ما قام عليه توظيفُه لأبعاد الشخصية التاريخية بلقيس، في قوله:
“بلقيسُ المسكينةُ لا تجري في الماءِ
كما الماءْ
عاكِفةٌ في مضجعها الحيوانيِّ
كأيتامِ الصحراء
ناسكةٌ في محرابِ البؤْسِ
وأقبيةِ السُّخطِ
يَبِسَ الحُبُّ على شفتيها
ووراء أنامِلها البكرِ
وعلى فستانِ السَّهرة”(6).
استدعى الشاعر ــ في هذه السطور الشعرية ــ شخصية الملكة بلقيس، فجعل منها رمزًا إلى كل امرأةٍ يمنية في العصر الحديث. وأقام استدعاءه الرمزي، على تحويرٍ لجوهر الرمز التاريخي، من خلال المفارقة بين الرمز والمرموز إليه؛ فلم تعد بلقيس تلك المرأة المُبَجّلة، المشاركة للذكور تفكيرَهم وحياتهم، المسيِّرةَ لشؤونهم، والسائسةَ أمورهم، بعد أن فقدت هذا المستوى، من الحضور الوجودي، في الحياة اليمنية المعاصرة. وبعد أن حُرمت من دورها، في المشاركة، والعمل، وصناعة الحاضر، والتأسيس للمستقبل. وبعد أن هيمن الرجل على مجريات الحياة، وجعل من المرأة كائنًا جامدَ الإنسانية، مقيدَ الحرية والفكر والعاطفة.
(نيرون) وصنعاء
استوحى الشاعر محمد الشرفي حادثة إحراق (نيرون) لمدينة روما؛ ليعبر من خلالها عما آلت إليه صنعاء من حالٍ بائسة؛ إذ يقول(7):
“روما” هنا تنجرّ في مأساتها ** وتضجُّ مجزرة تليها مجزرةْ
والناس أشباحٌ تروحُ وتغتدي ** جرحى الخطى مسلولة متعثرةْ
تبدو بهم صور الدمار كأنهم ** طللٌ تناساه الزمانُ وأنكرهْ
يستدعي الشاعر ــ في هذه الأبيات الشعرية ــ مدينة روما، بمضامينها التاريخية المتبلورة في إحالاتها وإيحاءاتها. تلك، التي تستحضر تفاصيل الدمار، الذي ألحقه بها (نيرون). ويوظّف الشاعر ذلك توظيفًا رمزيًّا، فيجعل من روما رمزًا لصنعاء، التي تجسدت مضامينها وأبعادها المعاصرة، ومتغيراتها الموغلة في بؤسها، من خلال ما يرتبط بروما من تفاصيل تاريخية محزنة.
اقرأ أيضًا: المقالح وشعرية الرمز المسيحي عذابات الواقع والفضاء الرمزي
وبذلك تمكّن الشاعر من إكساب تلك الأبعاد التاريخية ــ المتعلقة بروما وما ألحقه بها (نيرون) من دمارٍ ــ مضامينَ معاصرة، أثقلت أحزانها وتداعياتها كاهل الوطن.
وبعد تحليل هذه النماذج الرمزية ــ من تجربة الشاعر محمد الشرفي ــ كيف يمكن توصيف المستوى، الذي وصل إليه الشاعر في توظيف الرمز؟ وإلى أي مدى اتسقت رموزه الشعرية، مع المضامين التي سعى إلى إسقاطها، على الفضاء الرمزي، وإحالاته القريبة والبعيدة؟
- محمد الشرفي، “ساعة الذهول”. ط1، دار الحرية، بغداد، 1408هـ ـــ 1988م، ص: (62). ↩︎
- محمد الشرفي، “الحب مهنتي”. ط1، دار العودة، بيروت، 1981م، ص: (83). ↩︎
- محمد الشرفي، “السفر في وجع الكتابة وأشواق النار”. ط1، مطبعة عكرمة، دمشق، 1985م، ص: (189). ↩︎
- ينظر: سامر عبد الرحيم محمد مسعود، “الشخصيات التراثية في أعمال زكريا تامر القصصية”. رسالة ماجستير. جامعة النجاح الوطنية ـــ نابلس، 1422هـ ــ 2001م، ص: (66). ↩︎
- ينظر: عبد الله التطاوي، “حركة الشعر بين الفلسفة والتاريخ”. دار الثقافة، القاهرة، 1992م، ص: (129). ↩︎
- محمد الشرفي، “من مملكة الإماء”. ط1، دار الفكر المعاصر، بيروت، 1414هـ ـــ 1994م، ص: (111). ↩︎
- محمد الشرفي، “أغنيات على الطريق الطويل”. ط2، دار العودة، بيروت، 1981م، ص: (49). ↩︎


