المقالح وشعرية الرمز الصوفي تماهي الذات في الإنسان والمكان

المقالح وشعرية الرمز الصوفي تماهي الذات في الإنسان والمكان

في هذه المقاربة النقدية، تحليلٌ لصيغٍ من جماليات الرمزية الصوفية، التي تشكّلت بها بعضٌ من سياقات تجربة الشاعر عبد العزيز المقالح.

المقالح وشعرية الرمز الصوفي تماهي الذات في الإنسان والمكان

د. عبده منصور المحمودي

يتصل الحديث عن المقالح وشعرية الرمز الصوفي، بسياقات المقاربة النقدية، الهادفة إلى الوقوف على نماذج من جماليات الرمزية الشعرية في الأدب اليمني الحديث، التي تُعدّ ــ بدورها ــ امتدادًا لحيوية الرمزية، التي اتسمت بها تجارب الشعراء العرب المعاصرين، وما يتصل به من استثمارٍ لأشكال الرمز الشعري، وإمكاناته: الجمالية، والدلالية.

ويبدو الحزن ــ بمضامينه وإيحاءاته الصوفية ــ ذا حضور بارز، في تجربة الشاعر عبد العزيز المقالح. لا سيما ما يتعلق منها، بديوانه “أبجدية الروح”؛ فأول ما يُلاحظ منذ القراءة الأولى لمعظم قصائده إيقاعها الحزين، الخافض جناح الذل من الحب، الواصل ذروته إلى الذات الإلهية(1). وبذلك؛ يُعدّ الحزن سمةً رئيسة، في كثيرٍ من قصائد هذا الديوان(2). فضلًا عن السمة العامة، التي قام عليها معماره الشعريّ، تلك المتمثّلة في لغته الصوفية؛ إذ “يكاد في معظمه أن يكون استلهامًا للتجربة الصوفية على وجه العموم ولغتها على وجه الخصوص”(3). وقد تعاطت مع هذه اللغة الصوفية ــ في هذا الديوان ــ كثيرٌ من الرؤى النقدية. كما تناوله بالدرس والتحليل كثيرٌ من الباحثين والكتّاب؛ لما يمثله من مركزية محورية، للغة التصوف في الشعر اليمني المعاصر(4).

وحدة الوجود/ الاتحاد بالوطن

تطورت فكرة الفناء والبقاء الصوفية إلى القول بوحدة الوجود، “ومعناها أن للوجود كله حقيقة واحدة، والكثرة والتعدد فيه إنما هما ناجمان عن الإدراكات الحسية الظاهرة، والعقل الإنساني قاصر عن إدراك الوحدة الذاتية أو إدراك المجموع باعتباره مجموعًا”(5)، و”أن هذا العالم الظاهر لا وجود له حقًّا وإنما الوجود الحق لله”(6).

اقرأ أيضًا: إبراهيم أبو طالب وشعرية الوطن الجريح مقاربة نقدية في ديوانه “وطني يا جرحًا يؤلمني”.

ومن مسارات الرمزية الصوفية، التي تتعلق بوحدة الوجود، ما ينتمي إلى صوفية الاتحاد بالوطن. من مثل قول الشاعر عبد العزيز المقالح، من قصيدته “اليمن الحضور والغياب”:

“حينَ تبكينَ

أسقطُ دمعًا على راحةِ الحزنِ

يحملُني الحزنُ شارةَ حبٍّ،

يسافرُ بي لعصورِ الكآبةِ

والألمِ السَّرْمَدي

فأعودُ إليكِ على زورقٍ منْ شَجَنْ.

حينَ ترتحلينَ يصيرُ دمي لغةَ الشوقِ

يكتبُني الرّاحلونَ ــ المقيمونَ،

أدخلُ فيكِ،

وتنحشرينَ ــ هنا ــ في تضاريسِ وجهي،

تصيرينَ ــ أنتِ أنا ــ لغةَ الرَّفْضِ والمنْحِ

والدمعِ والضَّحِكاتِ،

تصيرينَ نافذةً للنجومِ التي تتغرَّبُ

باحثةً عن وطنْ”(7).

الطاقة الرمزية لصوفية الوحدة الوجوديّة، هي التقنيّة الفنيّة، التي قامت عليها شعرية هذه القصيدة. لا سيما ما يتعلق من ذلك، بهذا المقطع، الذي اتحدت فيه الذات الشاعرة بالوطن؛ إذ “يتوحد الإنسان والوطن فيصيران واحدًا نستطيع من خلاله التأمل فيه وإدراك حدود التوحد شاهدة عليه”(8).

اقرأ أيضًا: الرمز في تجربة الشاعر عبد الله البردوني الرمزية الصوفية والإحالات التاريخية

وفي الحزن والمعاناة انصهر المُتّحِدان (الذات الشاعرة/ والوطن)؛ فما بكاء الوطن ودمعُه إلّا تلك الذات المتساقطة على راحة الحزن، المسافر بها إلى عصور الكآبة والألم السرمدي. ولاستحالة انفصام عرى اتّحاد هذه الذات بالوطن، يعيدها إليه الحزن نفسه على أحد زوارقه. وفي ارتحال الوطن مظهرٌ آخر لهذا الاتحاد، يتجسّد من خلال صيرورة دم الذات أشواقًا ولوعة. كما تتجلى فاعلية التشارك ــ بين الذات والوطن في خلق هذا التوحد ــ من خلال دخول الذات في الوطن، وانحشار الوطن في تضاريس وجهها.

وحدة الوجود/ اتِّحاد الإنسان بالإنسان

تأتي عالمية الإنسان ــ أو الإنسان الكامل عند ابن عربي ــ امتدادًا إلى فكرة وحدة الوجود؛ فابن عربي ينظر إلى الإنسان بعيدًا عن الدين واللون والعرق. ويراه من حيث حقيقته الإنسانية، من حيث كونه آدم النشء الدائم الأبدي، الكلمة الفاصلة، ولا يزال العالم محفوظًا ما دام فيه هذا الإنسان الكامل فظهر جميع ما في الصورة الإلهية من الأسماء في هذه النشأة الإنسانية، فهو روح العالم وعلته وسببه. وهو أحق الموجودات بسريان روح الله فيه(9).

اقرأ أيضًا: المقالح وشعرية الرمز الطبيعي حيوية الطبيعة في التجربة الشعرية.

هذه العالمية الإنسانية، هي جوهر الفكرة الصوفية، التي تقوم على صوفية اتحاد الإنسان بأخيه الإنسان. وهي الفكرة التي تشكّلت بها بعضٌ من أنساق الرمزية الصوفية، في تجربة الشاعر عبد العزيز المقالح، من مثل قوله:

“يتملَّكُني حزنُ كلِّ اليمانيينَ

يفضحُني دمعُهم ..

جرحُهم كلماتي

وصوتي استغاثاتُهم

يتسوَّلُ في الطُّرقاتِ الصَّدى”(10).

أهم سمة تتميز بها مجموعة الشاعر عبد العزيز المقالح “الخروج من دوائر الساعة السليمانية” ــ التي منها هذه السطور الشعرية ــ هي سمة الحزن. وهو الفاعل في تخصيب هذه السطور بهذه الرمزية الصوفيّة؛ كونه “الحزن العام أو الحزن الجماعي وليس الحزن الخاص أو الحزن الفردي”(11). وبذلك؛ اتضحت محورية التوحد الإنساني، بين الشاعر وأبناء وطنه، الذين كان دمعهم النازف هو المعاضد لهذا التوحد، من خلال استثارته شاعرية الشاعر، فكانت كلماته هي جرحهم، وكان صوته هو استغاثاتهم التي يظل صداها يستجدي مبتغاه. وعلى أن الشاعر ــ هنا ــ لم يحدد ماهية هذا المبتغى، إلّا أنّ المتلقي لشعره، يدرك طبيعة هذا المبتغى، المتمثل في إرادة الخلاص(12).

اتحاد الباقي بالمغادر

من جماليات الرمزية الصوفية ــ في تجربة الشاعر عبد العزيز المقالح ــ ما قامت عليه صوفية الاتحاد بين الإنسان وأخيه الإنسان ــ لا على الاتحاد بين ذوات الأحياء فحسب ــ بل على الاتحاد بين الذات الباقية، والذات التي تغادر مسرح الحياة. من ذلك، قول الشاعر، مُتحدثًا عن لحظة توديع رفيق فارق الحياة:

“يخرجُ من دمي ..

هذا الذي في النَّعشِ”(13).

وعلى ذلك، لا يشكل حدث الخروج ــ هذا ــ انفصالًا بين المتَّحِدَين؛ فاستمرارية الوحدة الوجودية بينهما، لا تزال مُتجَسِّدةً، فيما توالى من صورٍ تحيل على مركزية هذه الوحدة الوجودية، من مثل قول الشاعر:

“لم أكنْ في النعش.

النعشُ كان في دمي”(14).

إذ تضمنت هذه الرمزية حلولًا مؤكدًا للمفقود، في دم (الشاعر/ الباقي)، الذي يسير متحدًا بـ(المغادر) في موكب التشييع. وموكب التشييع بالضرورة يصل بصاحبه إلى قبره، إذ يُمثّل القبر آخر مكانٍ، لمادية الوحدة الوجودية، بين صاحبه والمحزونين عليه.

تنوّعت المسارات الجمالية، التي تقوم عليها شعرية الرمز الصوفي في تجربة الشاعر عبد العزيز المقالح. منها ما ينحو منحى المناجاة الموَجَّهَة إلى الذات الإلهية. ومنها ما ينحو منحى اتِّحادٍ وجوديّ، ذي سياقات مختلفة. من أهمها تلك السياقات، التي تنتمي إلى صوفية الاتحاد بين الإنسان والوطن، وصوفية الاتحاد بين الإنسان وأخيه الإنسان.

الهوامش والإحالات

(1) ينظر: آمنة يوسف، “مدار التصوف في شعر المقالح”. صحيفة الثقافية، تعز، العدد: (191)، 12 مايو 2005م، ص: (21).

(2) ينظر على سبيل المثال: عبد العزيز المقالح، “الأعمال الشعرية الكاملة”. إصدارات وزارة الثقافة والسياحة، صنعاء، 2004، جـ2/ ص: (236،209،204،198،194).

(3) أحمد قاسم أسحم، “الرمز في الشعر اليمني المعاصر”. مكتبة أبي حامد، تعز، د.ت، ص: (107).

(4) للاستزادة حول لغة التصوف في هذا الديوان، ينظر على سبيل المثال:

  • ابتسام علي سيف نعمان المقطري، “شعر المقالح دراسة أسلوبية، ديوان أبجدية الروح أنموذجًا”، رسالة ماجستير (غير منشورة)، جامعة صنعاء ــ كلية اللغات، 1425هــ ـــ 2004م، ص: (71).
  • عبد الحميد سيف أحمد الحسامي، “الحداثة في الشعر اليمني المعاصر 1970ـــ2000م”، إصدارات وزارة الثقافة والسياحة، صنعاء، 1425هـ ـــ 2004م، ص: (85).
  • صبري مسلم، “الآفاق والجذور، فضاءات الأدب اليمني المعاصر، الشعري ــ السردي ــ المسرحي”. ط1، اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين، ومركز عبادي للدراسات والنشر، صنعاء، 1424هـ ــ 2004م، ص: (55).
  • عبد السلام الكبسي، “تجربة القصيدة لدى الشاعر اليمني عبد العزيز المقالح”، إصدارات وزارة الثقافة والسياحة، صنعاء، 1425هـ ــ 2004م، ص: (118).
  • وليد الحسام، “قلق القصيدة لدى الدكتور عبد العزيز المقالح، في ديوانه “أبجدية الروح””. ملحق صحيفة الثورة الثقافي، صنعاء، العدد: (16112)، 22 ديسمبر 2008م، ص: (15).
  • علي حمود السمحي، “داخل آزال خارج صنعاء، دراسة لخطاب المدينة في الشعر اليمني المعاصر”. إصدارات وزارة الثقافة والسياحة، صنعاء، 2004، ص: (93).
  • حيدر غيلان، “من وحدة الوجود إلى وحدة الوطن (قراءة في ديوان أبجدية الروح للمقالح)”. صحيفة الثقافية، تعز، العدد: (485)، 3 مايو 2009م، ص: (18).
  • محمد أحمد النهاري، “عبد العزيز المقالح الشاعر المعاصر”. ط1، إصدارات الهيئة العامة للكتاب، صنعاء، 1424هـ ـــ 2003م، ص: (24،23).
  • محمد أحمد النهاري، “نص وقراءة”. صحيفة الثقافية، تعز، العدد: (455)، 19 أكتوبر 2008م، ص: (19).
  • خديجة المغنج، “استلهام التراث في شعر المقالح”. إصدارات وزارة الثقافة والسياحة، صنعاء، 2004، ص: (123).

(5) ينظر: محمد عبد المنعم خفاجي، “الأدب في التراث الصوفي”، مكتبة غريب، القاهرة، د.ت، ص: (190).

(6) نفسه، ص: (87).

(7) عبد العزيز المقالح، “الأعمال الشعرية الكاملة”. مرجع سابق، جـ2/ ص: (703،702).

(8) محمد مسعد العودي، “الصورة في شعر عبد العزيز المقالح”. ط1، مركز عبادي للدراسات والنشر، صنعاء، 1425هـ ــ 2004م، ص: (104).

(9) ينظر: نهلة السوسو،”الندوة الدولية لتراث محيي الدين بن عربي”. مجلة التراث العربي، العدد: (69)، دمشق، جمادى الآخرة 1418هـ ــ أكتوبر 1997م، ص: (110،109).

(10) عبد العزيز المقالح، “الأعمال الشعرية الكاملة”. مرجع سابق، جـ2/ ص: (455).

(11) جاسم كريم حبيب، “في النقد التحليلي للأدب، المضامين السايكولوجية في شعر (عبد العزيز المقالح)”. منشورات الهيئة العامة للكتاب، صنعاء، 1994م، ص: (89).

(12) نفسه، ص: (90).

(13) عبد العزيز المقالح، “الأعمال الشعرية الكاملة”. مرجع سابق، جـ2/ ص: (569).

(14) نفسه، جـ2/ ص: (570).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top