الأسطورة في شعر المقالح

الأسطورة في شعر المقالح

الأسطورة في شعر المقالح، مسارٌ فني مهمٌّ في تجربته الشعرية. من ذلك، استلهامه لأسطورة "صياد"، وأسطورة "زرقاء اليمامة"، وأسطورة "إيزيس".

الأسطورة في شعر المقالح

د. عبده منصور المحمودي

من سياقات تخصيب الشاعر عبد العزيز المقالح لتجربته الشعرية، ما نحى فيه منحى استلهام عددٍ من الأساطير الإنسانية. من ذلك، استحضاره للأسطورة اليمنية “صيَاد”، والأسطورة العربية “زرقاء اليمامة”، والأسطورة العالمية “إيزيس”.

[1]: أسطورة “صياد” في شعر المقالح

من السياقات الشعرية، التي ورد فيها توظيف المقالح لهذه الأسطورة (صيَاد)، قوله:

“(صَيادُ)

عجوزٌ منَ الإنسِ

أهملَها قومُها

وجفاها الشبابُ،

استفاضَ بها الشوقُ للحبِّ

فاصطادَها الخارجونَ منَ الجنِّ

صارتْ صديقتَهم،

وجهُها يتلألأُ في الظلماتِ

وسيقانُها خشبٌ،

كلُّ منْ تبْتَلِيْهِ

يغادرُ قريتَهُ

ويهيمُ على وجهِهِ

باحثًا عنْ بريقٍ رآهُ

لسيّدةٍ هيَ أجملُ مخلوقةٍ في النِّساءِ

وأعذبُ فاتنةٍ في الوجودْ“(1).

استوحى الشاعر مضامين الأسطورة المحلية ــ هذه ــ وجعل منها معادلًا موضوعيًّا رمزيًّا إلى الهجرة. بعد أن صارت الهجرة هي الهدف الرئيس لدى القروي اليمني؛ من أجل الحصول على المال. والشاعر ــ بذلك ــ يحاول أن يوحي بأن الهجرة مهما كانت فوائدها، فإنها في النهاية سراب يحسبه الظمآن ماء، حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا(2).

وقد كان للحزن المؤلم ــ الذي يترتب على آثار وتداعيات الغربة وهجرة الأوطان ــ فاعليته الاستدعائية لأبعاد ومضامين هذه الأسطورة. إذ استطاع الشاعر ــ من خلالها ــ تجسيد معاناة الهجرة وأحزانها، بأبعادها المخيفة، وتفاصيل حقيقتها الموحشة.

[2]: أسطورة “زرقاء اليمامة” في شعر المقالح

حينما أودعت السلطات الحاكمة الشاعر عبد الله البردوني السجن، بمعية عددٍ من المنتفضين عليها، تلقّى الشاعر عبد العزيز المقالح هذا الخبر بحزن وأسى. ثم انعكس ذلك في كتابته لنصّه الشعري “المعري السجين”، الذي استلهم فيه الأسطورة العربية “زرقاء اليمامة”؛ إذ يقول:

“لأنّهُ يصنعُ أعيناً جميلةً،

أجنحةً للصمتِ.. للكلامْ

زرقاؤُنا تطلُّ منْ لسانِهِ الحزينِ كلَّ عامْ”(3).

تمثل زرقاء اليمامة في استيحاء المقالح ــ هنا ــ رمزًا إلى الشعر وإلى القصيدة؛ إذ تتجلى حزينةً من لسان (الشاعر/ عبد الله البردوني)، مضطلعةً بوظيفتها الأسطورية. بمعنى أن للإبداع الشعري إمكاناته في الرؤية والاستبصار. ذلك؛ من خلال قدرته على قراءة تفاصيل الواقع المعيش، ومعطياته ومكوناته المختلفة؛ وصولًا إلى بناء الرؤى الاستشرافية، لما يمكن أن يكون عليه المستقبل.

وكما تطل الزرقاء المعاصرة من لسان الشاعر قادرةً على كشف الواقع، فإنها ــ قبل ذلك ــ تتشكل رؤىً شعرية، من خلال عملية تفكُّرٍ طويلة، ومقاربات مختلفة. يقول المقالح، من النص نفسه:

“عيناكَ مثلَ عينَيْ وطني

تنتظرانِ الفَجْرَ، تحلمانِ بالضياءْ

خلفَهُما زرقاؤُنا..

بالكلماتِ الخُضْرِ بالأشعارْ

تقرأُ حزنَنا

ترى تململَ الأشجارْ”(4).

يجعل المقالح من هذه الأسطورة رمزًا للرؤية الشعرية، التي تُبَلوِرها مكونات البصيرة لا البصر. لذلك لم تتأثر هذه الرؤية بعمى البردوني. بل تشكلت خلف عينيه، وأدت وظيفتها الأسطورية، في استشراف المستقبل (بالكلمات/ الشعر)، بدءًا من قراءة أحزان الوطن، وانتهاءً برؤية ما يحيكه الأعداء من أساليب تمويه وخداع.

اقرأ أيضًا: الرمز الأسطوري في الشعر اليمني المعاصر

لقد أضفى الحزن على هذه الأسطورة المستوحاة أبعاد الواقع الحديث. فاستوعبت التعبير عن مضامينه المعاصرة، وارتبطت بها؛ فهي ليست “زرقاء اليمامة”، وإنما زرقاء الحاضر المعيش، الذي كانت أكثر ارتباطًا برواد إبداعه الشعري (زرقاؤنا)؛ إذ استدعت أحزانُ شعرهم رمزية هذه الأسطورة؛ للتعبير عن دور الفكر والإبداع، في استشراف عوامل الحزن المستقبلية. ومن ثمّ، الحث على اتباع أساليب وإجراءات وقائية، قادرة على تعطيل فاعلية تلك العوامل، من خلال تعطيل مؤشراتها الحاضرة.

[3]: أسطورة “إيزيس” في شعر المقالح

اتّخذ الشاعر عبد العزيز المقالح من الأسطورة العالمية الفرعونية “إيزيس” رمزًا شعريًّا، في نصّه: “الليلة الأخيرة من حياة عمارة اليمني”؛ إذ يقول:

“كنتُ مبعوثَ (مأربَ) للنِّيلِ،

أسألُ (إيزيسَ):

كيفَ استطاعَتْ تلملمُ أوصالَ

معبودِها؟

عَلَّني أتوصَّلُ يومًا لتجميعِ أوصالِ

معبودتي”(5).

يقيم الشاعر ــ هنا ــ علاقات وأواصر بين الماضي والحاضر. من خلال الربط بين حدثين. حدث آني: هو لملمة أشلاء جسد وطنه الممزق. وحدث غابر: هو بحث “إيزيس” عن حبيبها المفقود، ومن ثم عثورها على أشلائه. وبذلك، يجتمع الحدثان على قارعة التمزق؛ إذ جاء اسم “إيزيس” بدلالتها الأسطورية، فهي مَن قام بجمع أشلاء زوجها وإعادته إلى الحياة. وقد استحضرها الشاعر لتؤدي الغرض نفسه، أيْ جمع أشلاء الوطن الممزق. وبذلك؛ فالنص يعالج فكرة التمزق، من خلال إيحاءات هذه الأسطورة. كما يصور مرارة الواقع الوطني، المتعطش إلى قيم الإخلاص والوفاء، في سبيل جمع أوصال المعبودة، وتحقيق الأمل في إعادة لملمة أشلاء الوطن الممزق.

[4]: إضاءة
[4ــ1]: “زرقاء اليمامة”

“زرقاء اليمامة” امرأة عربية كانت باليمامة تُبصر الشَعَرةَ البيضاء” في اللبن. وتَنْظُر الراكب على مسيرة ثلاثة أيام. وكانت تُنذر قومها الجُيوش إِذا غَزَتهم. فلا يَأتيهم جَيْشٌ إلا وقد استعدُّوا له. حتى احتال لها بعضُ مَن غزاهم، فأمر أصحابَه فقطعوا شجرًا وأمْسكوه أمامهم بأيديهم. نظرت “الزَرقاء”، فقالت: إنِّي أرى الشجر قد أقبل إليكم؛ قالوا لها: قد خَرِفْت ورَقّ عقلُك وذَهَب بصرُك، فكذَّبوها. وَصبّحتهم الخيلُ، وأغارت عليهم، وقُتلت “الزَّرقاء”. قال: فَقوَّرُوا عَينيها، فوجدوا عُروق عينيها قد غرِقت في الإثمد من كثرة ما كانت تَكْتحل به(6).

[4ــ2]: “إيزيس”(7).

في هذه الأسطورة نجد الإله “أوزوريس” بطلًا حضريًّا. يعلّم المصريين الزراعة والحصاد والأعمال اليدوية النافعة. تساعده في ذلك أخته وزوجته “أيزيس”. وفي إحدى المرات قام أخوه الإله “سيت” بحيلة خبيثة، جعلته سجين صندوق خشبي، فسمر عليه وقذفه في مياه النيل. طاف الصندوق حتى صب مع مياه النهر في البحر المتوسط. وهناك تدافعت الأمواج الصندوق، حتى وصل إلى مدينة “بيبلوس” الكنعانية، حيث علق بإحدى أشجار الشاطئ الوارفة.

اقرأ أيضًا: المقالح وشعرية الرمز المسيحي عذابات الإنسان والفضاء الرمزي

وقد راحت “إيزيس” تبحث في جميع الأنحاء عن حبيبها الضائع، حتى وجدته؛ فعادت بالصندوق إلى بلدها؛ لتعيد الحياة إلى ما فيه من جثة هامدة. لكن “سيت” عثر على الصندوق، فقام بتقطيع جسد “أوزوريس”، ووزع القطع في جميع أنحاء البلاد، حتى يكون من المستحيل إعادة الحياة إليها مرة ثانية. ولكن “إيزيس” ــ بدون يأس ــ تابعت البحث مرة أخرى، إلى أن وجدت الأجزاء جميعًا، عدا عضو الذكورة الذي بقي مفقودًا. ثم أعادت له الحياة بمعونة أختها الإلهة “نفتيس”.


  1. عبد العزيز المقالح، “الأعمال الشعرية الكاملة”. إصدارات وزارة الثقافة والسياحة، صنعاء، 2004م، جـ1/ ص: (651،650). ↩︎
  2. ينظر: أحمد قاسم أسحم، “الرمز في الشعر اليمني المعاصر”. مكتبة أبي حامد، تعز، د.ت، ص: (157). ↩︎
  3. عبد العزيز المقالح، “الأعمال الشعرية الكاملة”، مصدر سابق، جـ3/ ص: (163). ↩︎
  4. نفسه، جـ3/ ص: (165). ↩︎
  5. نفسه، جـ2/ ص: (663،662). ↩︎
  6. ينظر: أحمد بن محمد بن عبد ربه الأندلسي (ت328هـ)، “العقد الفريد”. تحقيق: عبد المجيد الترحيني، دار الكتب العلمية، ط1، بيروت، 1404هـ ـــ 1983م، جـ3/ ص: (10). ↩︎
  7. ينظر: فراس السواح، “مغامرة العقل الأولى دراسة في الأسطورة ـــ سوريا وبلاد الرافدين”. دار علاء الدين، ط11، دمشق، 1996م، ص: (364). ↩︎

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top