تجار العقيلات والتقنيات السردية في رواية فيلق الإبل
منذ الصفحة الأولى ــ في رواية الكاتب أحمد السماري “فيلق الإبل”(1) ــ لفت انتباهي الحضورُ البارز للسياق البيئي، وما يتعلق به من إسهامٍ فاعلٍ في تسريد أحداث الرواية، وصياغة أفكارها، وبناء رؤيتها السردية.
وبعد صفحاتٍ من الانجذاب والتداعي مع انسيابية اللغة السردية، في هذه الرواية ــ التي تُعدّ واحدة من أهم مُنجزات الرواية السعودية المعاصرة ــ تجلّتْ شبكةُ العلاقات الحيوية، التي تربط رؤيتها السردية بفضاءاتٍ متنوعة، أضفت على العمل نسقًا من التقاطعات، التي انفتح من خلالها على عوالم مختلفة. لعل من أبرزها، تلك التي تحيل على ممكناتِ إسهام الأدب السرديّ، في تعزيز السياق البيئي، وامتداده الفاعل في الاستدامتين: الثقافية والأدبية.
كما أن من تلك التقاطعات ما تشابكت ــ من خلاله ــ السياقاتُ السردية، مع محطات تاريخية، ذات أثرٍ محوريّ في إحداث تحولات فكرية وتاريخية فارقة؛ إذ تنامى هذا التشابُك بحيويةٍ، اعتمدتْ على مرجعية الثقافة السردية، ومشاربها المتعددة، التي غلب عليها موروث البيئة المحيطة وثقافتها الشعبية.
[1] ــ من القصيم إلى نيويورك
تعاطت الرواية مع حدثٍ تاريخي مهم، أفضى التواصلُ الحضاريُّ فيه إلى إعادة صياغة الواقع، وتشكيل مساراته الفكرية، على اختلاف أبعادها وسياقاتها الإنسانية. هذا الحدث التاريخي الاستثنائي، لم يكن طارئًا، وإنما مُتخلِّقًا من رحم إشكالية التفكك، التي كادت أن تعصف بنسيج الوحدة الأمريكية، في النصف الأول من القرن التاسع عشر؛ بسبب ما ظهر من صعوبةٍ، في إجراءات نقل الإمدادات، التي كانت تحتاج إليها السلطات، في تنفيذ خطواتها الإجرائية، الهادفة إلى القضاء على خطر التمزُّق، حينها لم يكن أمامها إلّا الاستعانة بالإبل، والعربية منها على وجهٍ خاص.
قام التعاطي مع هذا الحدث التاريخي على معالجة سرديةٍ، لسلسلة من السياقات المتعلِّقة بحياةِ عددٍ من الشخصيات، لا سيما شخصيات: مناور، والحاج علي السالم، وسليمان. هذه الثلاثية التي ارتبطت ارتباطًا جوهريًّا بالفكرة الروائية، من خلال علاقتها المباشرة، مع الإبل العربية، التي لعبت دورًا استثنائيًّا، في تذويب المسافات، بين حضارتي المشرق والمغرب.
ولارتباط أحداث الرواية بخط ارتحالٍ مُتعدد الجغرافيا، اتّسع حيّزها المكاني، فامتدّ من مدينة بريدة “المركز الحضري الأكبر في أقاليم القصيم“(2)، إلى أمكنة متعددة في: الشام، ومصر والعراق، وفلسطين، والأردن. ومثلها أمكنة أخرى، في كلٍّ من: إسبانيا، وبريطانيا، وأمريكا.
وإذا كانت طبيعة الفكرة السردية قد حتّمت هذا الامتداد المكاني، إلّا أنها ــ في الوقت نفسه ــ قد اكتفت بحيّزٍ زمني محدود، اتّسقت مساحتُه مع ما تهدف إليه تلك الرؤية من تسريدٍ مكثفٍ لمساراتها المتعددة؛ إذ تمحور هذا الحيّز بين عامي 1859 ــ العام الذي بدأت فيه المرحلة الأولى من العمل على حفر قناة السويس ــ وعام 1935، الذي انتهى إليه نسيج السياقات السردية(3).
كما يظهر نوعٌ من التداعي الاسترجاعي، لزمن سابق لهذا الحيّز الزمني، لم يتجاوز ثلاث إشاراتٍ سردية، جاءت على صيغة: “قبل سبعين عامًا …”(4)، و”حصل منذ حوالي تسعين سنة…” (5)، و”منذ حوالي ثلاثمائة سنة…”(6).
كما اتصل هذا الحيز الزمني ــ أيضًا ــ بمساحة زمنية معاصرة، لكنها منفصلة عن نسقية أحداثه، التي لم تتجاوز ذاك التأطير المحصور بين انتصاف القرن التاسع عشر، وانتصاف ثلاثينيات القرن العشرين؛ إذ يقتصر هذا الاتصال الزمني المعاصر، على زمن التدوين السردي، الذي تضمّنت الصفحة الأخيرة ــ من هذا العمل ــ إشارةً إلى أنه يقف عند تاريخ “5 مارس (رمضان) 2025م”(7).
[2] ــ عقيلات التواصل الحضاري
بدأ الاشتغال على حياة تجار العقيلات، من التعريج على محطةِ تحوّلٍ جوهريةٍ في حياة مناور، الذي مرّ بتجربة تشرُّدٍ قاسية، أجبرتْه حياة الصحراء على خوضها، حتى أدرك بعد سنوات أنها تجربة الفشل المطرّد في حياته؛ فتخلّى عنها. واتجه إلى العمل مع تجار العقيلات، أولئك الذين عادةً ما يقال عنهم بأنهم “تجارٌ خارج الحدود، بضاعتهم الحلال والخيل والدهن والتمر وغيره، يتنقلون بالقوافل وعلى الركائب، من بريدة إلى العراق والشام وفلسطين وحتى مصر”(8). ويستقرون في مدينة بريدة التي تُعرف بأنها “عاصمة العقيلات”(9).
[2ــ1] ــ بين الحماية والتجارة
تضيء السياقات السردية شطرًا من تاريخ هؤلاء العقيلات، الذين لم تكن بداية حياتهم حياةً تجارية، بل حياة مجموعةٍ كبيرة من أبناء نجد، التي كانت واحدًا من المكونات الاجتماعية الوافدة إلى مدينة بغداد، وعُرفت فيها بـ”فرقة أعقيل”، وعاصرت وفاة والي بغداد عبد الله باشا، وما تلاها من احتدام الخلاف بين اثنين من وزرائه، على الأحقّ منهما بتولي الحكم من بعده، وما ترتب عليها من أعمال شغب وسلب ونهب.
استدعت تلك الأحوال اجتماع كبار بغداد، وسعيهم إلى الصلح بين المتخاصمين، فاتفق الفريقان المتنازعان على تفويض “فرقة أعقيل التي كانت واقفة على الحياد بين الفريقين، بفرض الهدنة والوقوف بين المتنازعين، وتتولى حفظ الأمن في بغداد… أفلح من خلالها العقيلات في المحافظة على النظام، وصانوا أعراض وأموال أهل بغداد، وكسبوا بها سمعة وثقة طيبة، أهّلتهم فيما بعد ليكونوا يد الوالي القوية التي تضرب العابثين والخارجين على السلطان”(10).
وبذلك، علت مكانة فرقة أعقيل، وتولّى أفرادُها رئاسة القوافل التجارية. ثم عادوا إلى ديارهم في نجد، “وخصوصًا أهل بريدة، [الذين] أخذوا يمارسون التجارة التي خبروها في تلك البلدان، واكتشفوا فوارق الأسعار في المواشي والإبل والخيل التي تتوفر بكثرة في الجزيرة العربية وخصوصًا عند البادية عن أسعارها في تلك البلدان، فتطورت الأمور حتى صارت لهم قوافل سنوية، وشبه ثابتة على مدار العام”(11)؛ إذ يذهبون “بالإبل والخيل والسمن والتمر، ويعودون بالأطعمة وخصوصًا الحبوب والقهوة، والملابس، والأدوات المنزلية، وغيرها مما يحتاجه الحضر والبدو”(12).
[2ــ2] ــ قيمٌ وأخلاقياتٌ متوارثة
لم يكتف السياق السردي، بإضاءة هذا التحول في حياة تجار العقيلات، وإنما كشف عن العامل الرئيس في ازدهار تجارتهم واستمرارهم فيها. ذاك العامل المتمثّل في اشتهارهم بصفات “الصدق والأمانة، حتى صار يضرب بهم المثل عند البيع والشراء (خلك عقيلي)”(13). هذه الصفات التي زكّاها صرّاف بغداد، متحدثًا عن “أنّه يتعامل منذ مدة طويلة مع تجار العقيلات، يبدّل لهم العملات ويقرض من يحتاج بعض المال من التجار، وأنه طوال تعامله معهم لم يضع عليه قرش واحد في ذمة عقيلي، وكلهم صدق ووفاء”(14).
وفي سياق متصل بهذه القيم ــ التي اشتهر بها تجار العقيلات ــ يأتي إسهامهم في بعض الأعمال، الهادفة إلى إصلاح طرق التجارة. من ذلك ما اضطلعوا به من دور مهمّ، في أعمال واحدٍ من أهم الطرق التجارية في الأردن. وكذلك إسهامهم التاريخي في أشغالِ حفرِ قناة السويس؛ إذ “تمظهر وجود العقيلات [فيها] من خلال تقديم وسائل النقل من الإبل، والإشراف على العمال”(15).
وبذلك كله، كانوا هم الأجدر بأن يُهدي الكاتب عمله السردي ــ هذا ــ إليهم: “إلى رجالٍ نقشوا أسماءهم في سجلات المجد، تُجّار العقيلات، أولئك الفرسان الذين عبروا الفيافي والقفار، حاملين الإيمان في القلوب، ورسالة الصدق في الأسواق. كانوا جسورًا بين الجنوب والشمال والمشرق والمغرب، وأعلامًا في ميادين العطاء والمروءة”(16). كما أشار في السياق نفسه، إلى أن إهداءه ــ هذا ــ موصولٌ إلى أبناء تجار العقيلات، الذين توارثوا عن آبائهم هذه المهنة، وحافظوا على ما رسخّوه فيها من قيَمٍ وأخلاقيات نبيلة.
[2ــ3] ــ تمَوْضُعُ الرؤية الاجتماعية سرديًّا
بعد وصول الاشتغال السردي ــ على حياة هذه الفئة الاجتماعية (تجار العقيلات)، إلى هذا المستوى من إعلاء شأنهم ــ يتبادر إلى الذهن تساؤلٌ عن الرؤية الاجتماعية، في هذه النوعية من العمل (تجارة المواشي). تلك التجارة، التي لا تزال من الأعمال الموسومة بالدونية، في كثير من المجتمعات العربية، إن لم تكُن في جميعها. كما ينطوي هذا التساؤل على رغبةٍ في الكشف عن موقع هذه الرؤية الاجتماعية من السياق السرديّ في هذا العمل، الذي تحيل آلية الكتابة السردية فيه، على أنه لم يُقيّد مساراته بهذا الموقف الاجتماعي، وأنه في الوقت نفسه، لم يغفل عنه، ولم يقفز عليه؛ إذ لو كان فعل ذلك، لترك ثغرةً كانت ستكون مأخذًا عليه.
وهنا يتشكل التساؤل في صيغة أخرى، تستهدف الوصول إلى معرفة الكيفية، التي استطاع من خلالها العمل استيعابَ موقفٍ اجتماعيٍّ، في نسقٍ غير مُقيّد بهذا الموقف؟
لقد كان الحس السردي أكثر يقظة، في التعاطي مع هذه الرؤية الاجتماعية وجوهرها الإشكالي؛ إذ تطرّق إليها بطريقة غير مباشرة، ذكيّة ولمّاحة، فقدّمها من خلال إشارتين سرديتين، كلتاهما أحالتا على دونية تجارة المواشي في الذهنية الاجتماعية السائدة. وردت الإشارة الأولى على لسان صُلبي، صديق مناور الجديد، الذي بيّن له مقومات حياته العملية، التي عزم على الانتقال إليها؛ إذ أوصاه بعدم التعالي على أي عمل غير مشين، قائلًا له: “ما تحتقر أي عمل شريف”(17). أمّا الإشارة الأخرى، فقد تضمّنت الوصية نفسها، في الحديث عن أول فرصةِ عملٍ عُرِضت على مُناور، فلم يفرط فيها، واستهل بها حياته التجارية في سوق المواشي؛ إذ “تذكر كلمة صلبي (لا ترد أي عمل يعرض عليك أو تقول عيب)”(18).
لقد كانت هاتان الإشارتان كافيتين لاستيعاب الرؤية الاجتماعية في هذه النوعية من العمل؛ إذ غلب عليهما تضمينهما معنىً مغايرًا، يُعلي من كلّ عمل شريف، في سياق سرديّ مختلف، غير متداعٍ مع السائد من صور التضامن مع هذه الفئة، ولا مع ما يتردد من تأكيد إنسانية أصحابها. وإنما انطلق من أرضيةٍ متصلةٍ بالجوهر الإنساني لا بأعراضه التاريخية والاجتماعية؛ ذاك الجوهر الساعي إلى صهر التمايُزات، والعمل على تكاملها في تشييد الأنساق الحضارية. تلك الأنساق، التي احتفت بتجار العقيلات، ليس إشفاقًا عليهم، ولا تضامنًا معهم، وإنما استثمارًا لما يملكونه من خبرةٍ وقِيَمٍ عملية، كانت فاعلةً في تجسير التواصل بين ثقافتين: ثقافة الصحراء وثقافة العالم الجديد، من خلال مُكَّونٍ صحراويٍّ بحتٍ، لم يترك مجالًا للتشكيك في دوره الملموس، الذي أسهم من خلاله في صياغة مرحلة حضارية جديدة.
[3] ــ فيلق التكامُل الحضاري
قدّمت السياقات السردية ــ في هذا العمل ــ صورةً حيّة لتجار العقيلات. كشفت من خلالها عن جوهرهم الإنساني، الذي يستند استنادًا رئيسًا إلى العمل؛ بوصفه مسارًا سالكًا إلى أنسنة الأزمنة والأمكنة. ومن خلال معطيات هذه الصورة، تمكّنت الرواية من التأسيس لاشتغالها على فكرتها السردية الرئيسة. تلك المتمثّلة في مركزية الإبل العربية، ودورها الفاعل في تعزيز التواصل الحضاري، ومن ثم تكامله في تشكيل مسارات الحياة الإنسانية الجديدة.
[3ــ1] ــ الإبل نبض الحياة الصحراوية
تنوّعت مسارات استيعاب هذه الفكرة سرديًّا، منها ما أحال على مركزية الإبل في حياة الصحراء؛ كون “الإنسان في الصحراء بدون إبل مثل الإنسان المقيد الرجلين”(19). كما تجلّت مركزية الإبل ــ هذه ــ من خلال الإشارة إلى مكانتها، المستندة إلى ما تُمثّله من قيمةٍ وجدوى، بشكلٍ لا يصل إلى مستوى الاهتمام المُرهِق في حال العناية بغيرها من المواشي، التي عادةً ما تكون “قيمتها أقل وتحتاج إلى اهتمام أكبر في الرعي والسقاية”(20). وبذلك، فإن هذا الكائن الحيواني هبة الله للصحراوي، ولتجار العقيلات، الذين تُعدّ “(الإبل) أثمن بضائعهم”(21).
وتأسيسًا على هذه الإشارات السردية ــ إلى مركزية الإبل في حياة ابن الصحراء وفي حياة تجار العقيلات ــ يمضي العمل في التعاطي مع الإبل؛ بوصفها كائنَ اتصالٍ إنسانيّ حضاري، من خلال تلك القصة، التي تروى عن رحلة الإبل من الشرق إلى الغرب؛ بدءًا من صفقةٍ باع فيها العقيلي علي السالم مجموعةَ خيول عربية لعائلة أمريكية، أصرّتْ على أن يرافقها إلى بلادها، فوافق على ذلك، واضطر إلى أن يصطحب معه ما كان في حوزته من الإبل. وبعد وصوله إلى ذاك البلد، بدأ يقلق على إبله، فقرر بيعها.
وتزامن إعلان العقيلي علي السالم عن رغبته ــ تلك ــ مع ما اتخذتْه السلطات الأمريكية، من قرار الاستعانة بالإبل، في مواجهة صراع داخليّ؛ إذ التقط المُكلّفُ بتنفيذ القرار ذاك الإعلان عن الرغبة في بيع إبلٍ متواجدة آنذاك في أمريكا، فانطلق إلى علي السالم، الذي فوجئ به، وأبرم معه تلك الصفقة، التي يقول عنها: “اشتروا مني خمسة وثلاثين رأسًا، أي كلها، دفعوا قيمتها مضاعفة عمّا كنت أنوي بيعها به”(22).
ولأن هذا العدد قليلٌ؛ عرض عليه الرجل توقيع عقدٍ بمرافقته إلى بغداد، ومساعدته في شراء العدد الكبير الذي يحتاج إليه من الإبل، ومن ثم العودة بها إلى نيويورك. وافق العقيلي على هذه الصفقة، وأنجزها على أكمل وجه؛ إذ يشير إلى دوره في تأسيس هذا النسق الجديد، بالقول: “تمت الأمور بسلاسة وسرعة، وسلمت لهم الإبل التي في حوزتي إلى قاعدة أخرى تبدو قد جهزت حديثًا، وقرأتُ لوحة مكتوب عليها (Kamel corps us) فيلقُ الإبل”(23).
[3ــ2] ــ رحلة البر والبحر
أولتْ السياقات السردية عنايةً ملحوظةً، بتفاصيل رحلة الإبل العربية من الشرق إلى الغرب؛ إذ تجلت هذه العناية، من خلال تسريد مواقف ومشاهد متعلقة بها، بدءًا من مسار الرحلة الصحراوي، ثم البحري، وصولًا إلى وجهتها الأخيرة، في الولايات المتحدة الأمريكية.
من أهم ما التقطه المخيال السرديّ ــ من المسار الصحراوي لهذه الرحلة ــ ما تضمّن من إشارةٍ إلى جمالياتها، التي تشكّلت من “حركة النوق واهتزاز أجساد مَنْ يعتليها في حركة بديعة لا يعرف متعتها إلّا من ربّته الصحراء، فعشقها وعشق تلك الدابة المسخرة له ليعبر بها كل أرض بكل جسارة وفرح”(24)؛ إذ “كان منظر القافلة وهي تسير في خط مستقيم وكل جمل يتبع الآخر مثل حبات المسبحة، مشهدًا مهيبًا يلفتُ العيون ويخطف الأفئدة”(25).
كما تأتي ــ في سياق هذا المسار ــ الإشارة إلى ما تتميّز به بعض النوق من مَلَكَةٍ إدراكيّة للمكان الذي يتواجد فيه الماء، في حال نفاده من قِرَب المسافرين. تلك الحال، التي مرّت بها هذه الرحلة؛ فتوقفت، و”أطلق أمير القافلة بعض مساعديه من الأدلاء للبحث عن مورد… عاد أحدهم بالبشارة، إنه مناور! إنه الفرح! أتى كالغيث بعد عاصفة رملية، والفضل لناقته (العوصاء) التي تشم الماء من مسافة بعيدة”(26).
ثم يأتي تسريد بعضٍ من تفاصيل المسار البحري؛ إذ انطلقت “الرحلة البحرية التاريخية لثمانية عشر من الجمالة العرب مع ثمانمائة رأس من الإبل، برئاسة الحاج علي، مُتجهين إلى ميناء برشلونة كمحطة ترانزيت، ثم الانتقال إلى سفينة أخرى تبحر بهم إلى ميناء نيويورك في الولايات المتحدة الأمريكية”(27).
وتضمّن تسريدُ مسارِ الرحلة البحري ــ هذا ــ إشاراتٍ إلى العناية الملحوظة، التي حظيت بها الإبل من أصحابها؛ فكان “يتعجب البحارة من حرص الجمالة على إبلهم، إذ يتفقدونها آناء الليل وساعات النهار، مهارتهم ملحوظة في ترويض الجمال، وتسكين روعها حتى بقيت هادئة برغم حركة السفينة”(28).
ويبدو هنا نوعٌ من النباهة، في اختيار المضامين السردية المتسقة مع كلا المسارين؛ إذ تجانست البيئة الصحراوية، مع ما التُقط من مشاهدِ مرورِ القافلة فيها. كما تجانست البيئة البحرية، مع ما ورد من إشاراتٍ إلى عناية الجمّالة بإبلهم المسافرة على متن إحدى السفن. ولأن الصحراء مملكة الإبل وعالمها الأثير، فقد تجلّت وهي مسافرة في فلواتها نسقًا جماليًّا، في سياق استيعابها السردي. أمّا البيئة البحريّة فعالمٌ آخر، غريب على الإبل، وفيه تتراجع هيمنتها عليه؛ فـ(الناس/ الجمّالون) هم سادة البحر والسفُن، وهم من التقط المخيال السردي نُبْلَهم، في الوفاء لعلاقتهم مع كائناتهم الصحراوية.
لم تنقطع علاقة الجمّالة ــ هذه ــ مع إبلهم، بعد وصولهم بها إلى الولايات المتحدة الأمريكية؛ إذ امتدت هذه العلاقة إلى هناك، فاستمرتْ من خلالها الألفة التي تجلّت بين الإبل وأصحابها. كما تجلّت في استيعاب هذه الإبل توجيهاتهم وهي في قلب الصراع، الذي شاركت فيه بجسارة، فكان دورها فاعلًا في حسم الأمر، لصالح السلطات الاتحادية التي استعانت بها، وعبّرت عن امتنانها، فكرّمتْها وكرّمت الشخصية الأولى التي نجحت في إدخالها إلى العالم الجديد؛ إذ “خصّص حاكم أريزونا بنيامين مور نصبًا تذكاريًّا تخليدًا للحاج علي وفيلق الإبل، نصَبه فوق قبره في مقبرة كوارتزسيت، وهو عبارة عن هرم من الحجارة، يعلوه مُجسّمُ جملٍ نحاسيّ”(29).
ومن خلال الاشتغال السردي على هذه الرحلة ــ وصولًا إلى تلك اللحظة التكريمية ــ يتجلّى دور الإبل الفاعل في تأسيس عالمٍ جديدٍ، لم يقتصر على حسم الصراع، وإنما شمل قيمًا إنسانية جديدة، تشكّلت بها منظومة الأُطر السياسية والثقافية، التي لا تزال سائدة حتى اللحظة المعاصرة. في نسقٍ من التجسير بين التجارب الإنسانية، التي يفضي التواصل بينها إلى تكامُلٍ حضاريّ، يستند إلى مرجعية إنسانية، ويسعى إلى غاية سامية، ذات علاقة مباشرة بالرغبة الإنسانية المشتركة، في الوصول إلى ما يرتقي بالحياة البشرية على اختلاف جوانبها ومجالاتها.
[4] ــ التقنيات السردية
استأنس هذا العمل بعدد من التقنيات السردية، التي تمكّن من خلالها من استيعاب أحداثه، والتشبيك بين مساراتها. تلك المسارات، التي اتسمت بنسقٍ من التوالي والتتابع، الهادف إلى إضاءة الفكرة السردية من زواياها المحورية. ولعلّ من أهم تلك التقنيات، ما تضمّن منها توظيفًا فنيًّا للحكاية لفظًا وسياقًا، أو استبق المستقبل في لحظة استشرافٍ ونظرة ثاقبة.
[4ــ1] ــ الحكاية تقنيةً سردية
لا أعني بتوظيف الحكاية توظيفًا فنيًّا توظيف تلك الحكاية الرئيسة، التي عادةً ما يقوم عليها متنُ أيّ عمل سردي، على ما في هذه الحكاية من نسقٍ فني عامٍ، تشتبك فيه الخيوط السردية، التي يتعاطى معها الاشتغال على أي مُنجزٍ روائيّ.
إنّ ما أعنيه ــ تحديدًا في هذا السياق ــ هو حضور الحكاية في العمل الروائيّ بُنيةً سرديةً، وسياقًا ذا مضامينَ متصلةٍ بفكرته المحورية ونسق الحكاية الرئيسة فيه.
وإذا كانت الحكاية الرئيسة في هذا العمل هي تلك التي تتبلور من خلال تسريد مواقف وأحوال مختلفة، تتعلّق برحلة الإبل من الشرق إلى الغرب ــ وما يتصل بهذه المواقف والأحوال من تفاصيل ومضامين فاعلة في تكامل أبعاد الفكرة الروائية ــ فإن الحكاية التي تم توظيفها توظيفًا فنيًّا هي تلك الحكايات الجزئية، التي وردت مسبوقةً بما يحيل على جوهرها، بوصفها حكايةً سردية، أفضت إليها بعضٌ من أحوال الحيّز الروائيّ، سواء تلك التي تخلّقت فيه، أو تلك التي استدعاها وتداعى معها.
من تلك الحكايات، ما ورد على لسان صرّافٍ في بغداد، وهو يتحدث إلى مناور ورفيقه لحظة تبديلهما العملات في مصرفه؛ إذ “شرع يحكي لهما أعجب القصص له مع تاجر عقيلي حدثت قبل سنوات عدة: “كان هذا العقيلي ….”(30).
يشير مضمون حكاية ذاك العقيليّ إلى أنه تعرض لخسارة فادحة في تجارته، فاقترض من هذا الصراف مبلغًا، ثم سافر ولم يعد. حتى علم الرجل بوفاته، فتحسّر على ماله. لكنه فوجئ بعد سنواتٍ بوصول شابين إلى محلّة، كانا يبحثان عنه، وحين وجداه، أخبراه بأنهما أبناء ذاك العقيليّ، وأنهما قادمان إليه لتسديد دين أبيهم.
هذه الحكاية واحدة من تلك الحكايات، التي تتوالد من مواقف الحيّز السردي، وقد ارتبطت بذاك الموقف الذي تعارف فيه الصراف واثنان من تجار العقيلات، فاستدعى هذا الموقف حكاية الرجل مع ذاك العقيلي.
ومثل ذلك، هي الحكاية التي لا يكون الموقف السرديّ فاعلًا في استدعائها، وإنما عاملًا على تخلُّقها فيه. من مثل ما حدث في موقفٍ سرديّ، تعرّض فيه مناور لتنمُّر بعض الشباب جوار مخبز في بغداد. اشتبك معهم، فتغلّب عليهم، وهرب آخرون. تداول الناس الموقف، وما ظهر فيه من شجاعة مناور. ثم بدأ هذا التداول يمضي في صياغة ما حدث حكايةً مأهولة لمزيد من المبالغات في روايتها. تلك الرواية، التي لن تقف عند سياق الحكاية السردي، وإنما ستتجاوزه إلى الثقافة الاجتماعية، التي ستتناقل هذه الحكاية فيما بعد. ذلك هو ما تضمّنته هذه الإشارة إلى مصير ما حدث في ذاك الموقف؛ إذ “اصطفت حكاية مناور عند المخبز والمخفر إلى جانب حكايات العقيلات، ستردد على ألسنة العائدين إلى بريدة، وتوثّق في سجل حكاياتهم الشفهية، وسيزيد عددُ مَن ضربهم مناور إلى خمسة عشر، وربما إلى عشرين، وربما أكثر”(31).
ومن خلال نسقٍ شفافٍ من البناء السردي، يتجلّى الربط بين حال المبالغة في تداول هذا الموقف، وأحوالِ مبالغةٍ في تداول مواقف مشابهةٍ له. منها موقفٌ كان فيه أعضاء رحلة الإبل العربية ــ وهم على متن السفينة ــ يتحدثون عن حكايةِ سفينة خديجة، التي قيل إنها اختفت قبل أن تصل إلى ميناء الإسكندرية، وإن عالم الجن هم من استحوذ عليها.
تتجلى المبالغة ــ هنا ــ نسقًا تشترك فيه الحكايتان: (حكاية مناور/ وحكاية سفينة خديجة)، من خلال تعقيبٍ ورد على لسان شخصية الحكاية الأولى (مناور)، في الموقف نفسه الذي كانوا يتحدثون فيه عن حكاية تلك السفينة؛ إذ فسر غرابة تلك الحكاية بالقول: “لدينا في الصحراء حكايات مماثلة، تبدأ بكذبة، وتنتهي بقصة يصدّقها الناس، ثم يرددونها”(32).
ويزيد نسق المبالغة ــ هذا ــ وضوحًا، في تكرار الحديث عن حكاية سفينة خديجة، على أكثر من لسان. من ذلك، إعادة تسريدها على لسان الحاج علي، الذي زاد على ما فيها من تفاصيل ومضامين، مؤكّدًا ذلك بالقول: “(بعض تفاصيل هذه الحكاية أضَفتُه من عندي.. هههه)”(33).
وتحيل هذه الإشارة ــ التي وردت على لسان الرجل مُؤكّدًا ما أضافه إلى تلك الحكاية ــ على الجوهر العام في أية حكاية؛ إذ يغلب على كل حكاية شعبية متداولة أن تبدأ صغيرة، ثم تتشعب تفاصيلها ومضامينها. كما أن هذه الإحالة متصلة بمحورية الحكايةِ، من زاوية حضورها تقنيةً سردية، سواء أكانت مركزية في العمل السردي، أو كانت جزئيةً متفرقة، في مساحاته التي تتسق مضامينُها مع استدعائها أو الإشارة إليها.
[4ــ2] ــ آلية استباقٍ واستشراف مستقبليّ
من سياقات البناء السرديّ ــ في هذا العمل ــ ما قام على توظيف الاستباق الاستشرافي. من ذلك، الحضور الفاعل لهذه الآلية في استيعاب حال مناور لحظة قراءة بخته؛ إذ “قالت [له] أم نهير (سوف تسافر إلى بلاد بعيدة، بلاد عجم وليسوا عرب، بيننا وبينهم بحر عظيم، فيها خير كثير، وفيها نار مشتبة، الله يعطيك من خيرها ويكفيك شرها)، هنا تبادر سؤال لذهن مناور (وهل سأرجع منها سالمًا غانمًا؟)، سكتت أم نهير وهي تقلب الحصى وقالت (الله أعلم.. يمكن ترجع.. ويمكن يكون لك فيها ذكر ما ينسى”(34).
هنا يستشرف السياق السردي المستقبل الذي ينتظر مناور، من خلال مسارين اثنين، أحال في الأول منهما على وضوح بعضٍ من ملامح مستقبل مناور، لا سيما تأكيد سفره إلى بلد بعيد.
أمّا المسار الآخر فقد أحال السياق السردي فيه على غموضٍ يكتنف ذاك المستقبل؛ إذ لم تتضح فيه معالم مصير مناور، أهو عودته إلى بلده، أم قضاؤه ما تبقى من حياته في بلد اغترابه؟ لفت هذا الغموض انتباه مناور، بعد أن تحققت النبوءة في قراءة بخته؛ إذ سافر إلى أمريكا، وهناك بدت له عودته غير ممكنة، و”كانت أم نهير حاضرة في عقل مناور، ويتذكر البخت الذي تنبأت به”: ستذهب إلى بلاد بعيدة وفيها مالٌ وفير، وفيها نار مستعرة”، كل ذلك لا يهم، المشكلة أنها لم تؤكد له العودة منها”(35). تلك المشكلة التي اتضحت له استحالةً لعودته من مصيره البعيد، إلى بلده وأهله.
كذلك هو الأمر في الاستئناس بهذه الآلية السردية، في التعاطي مع موقفٍ تجلّت فيه مشاعر السعادة باقتراب عودة رفقاء مناور إلى موطنهم في الشرق، باستثناء “الحاج علي السالم الذي لم يظهر عليه لا خوف ولا فرح، كمن يكتم سرًّا عمّا ينوي فعله، هل سيعود مع العائدين، أم لديه مخططاته الخاصة؟ وهذا الذي لم يبُح به لأحد من الجمالة”(36). وهنا يظهر الاستباق مُتّصلًا بسرٍّ لا يريد الرجل الإفصاح عنه. ذاك السرّ، الذي كشف عنه السياق السرديّ، في مساحةٍ سردية أخرى؛ إذ “بقي الحاج علي صاحب النظرة البعيدة والرغبات الكامنة… لينطلق إلى عائلة يُهمه أمرها هناك”(37).
وعلى هذا الكشف عن سر الحاج علي السالم، إلّا أن الغموض لا يزال قائمًا، إذ لم تتضح هوية تلك العائلة التي يعنيه شأنُها. وعلى ذلك، لم يطُل هذا الغموض؛ إذ تلاشى من خلال تسريد أحداثٍ، أحالت على أن الرجل مهتمٌّ بتلك العائلة الأمريكية، التي سبق أن باع لها مجموعةً من الخيول العربية، وسافر معها إلى أمريكا، ثم عاد إلى بغداد، ليعود ثانية في رحلة الإبل العربية، ويستقر هناك، باحثًا عن هذه العائلة في منزلها ومزرعتها. لكنه لم يجد تحت ركام الصراع هناك سوى ابنة العائلة هيلين، التي كانت على وشك مغادرة الحياة مغادرة نهائية. أنقذها، وأشرف على علاجها حتى تعافت. صارحته بحبها وموافقتها على الزواج منه إن لم يكن لديه مانع. لم يكن لديه أي مانع؛ إذ كان ينتظر هذه اللحظة، التي لم يفرط فيها، مؤكِّدًا لفتاته سعادته بالأمر وموافقته عليه.
استكمل الحاج علي ترتيبات البقاء في مهجره؛ إذ أبلغ السلطات برغبته في الإقامة هناك، والزواج من هيلين، فحظي بالموافقة على ما يريد. استكمل مراسيم الزواج، ثم “عاد مع هيلين للمزرعة وأصلحها، ونشط في تشغيلها إلى أن توفّيَ سنة 1902م، ونُقِل جثمانه إلى مقبرة كوارتزسيت، ودفن بجوار قبر صديقه مناور”(38)، وهناك اكتمل تكريمه ــ وتكريم فيلق الإبل ــ بذاك النصب التذكاري، الذي خلّد إسهام الإبل العربية، في صناعة محطةِ تحوّلٍ جوهرية في التاريخ الإنساني.
لقد تجلّى ــ في هذا العمل ــ إخلاصٌ ملحوظ، في الاشتغال على تسريد فكرته المركزية، التي تعاطى في ضوئها مع كثير من المسارات والمضامين الفاعلة في تشكيلها.
كما قام هذا الاشتغال ــ المتفرّد في الرواية الخليجية المعاصرة ــ على عددٍ من التقنيات، الفنية، التي كانت فاعلة في استقامة تسريد أحداثه، لا سيما ما يتعلق منها بتوظيف الحكاية توظيفًا فنيًّا، ومثلها الاستئناس بآلية الاستباق، في ربط المضامين السردية ذات المساحات المتباعدة. وبذلك تبلورت الرؤية السردية، في واحدية الحضارة الإنسانية التي تتباعد معطياتها، وتتكامل حينما تنصهر في واحدية الحاجة الإنسانية، إلى ما يمضي بالحياة نحو تحقيق المُستطاع من فضاءات الرُّقي والتقدّم، استنادًا إلى واحدية الجوهر الإنسانيّ، الذي يتصل اتصالًا وجوديًّا بطبيعته البشرية الأولى.
- أحمد بن عبد العزيز السماري، “فيلق الإبل”. ط1، دار تشكيل، 2025م. ↩︎
- نفسه، ص47. ↩︎
- نفسه، ص13. ↩︎
- نفسه، ص91. ↩︎
- نفسه، ص88. ↩︎
- نفسه، ص90. ↩︎
- نفسه، ص177. ↩︎
- نفسه، ص46. ↩︎
- نفسه، ص48. ↩︎
- نفسه، ص89. ↩︎
- نفسه، ص90. ↩︎
- نفسه، ص91. ↩︎
- نفسه. ↩︎
- نفسه، ص110. ↩︎
- نفسه، ص127. ↩︎
- نفسه، ص5. ↩︎
- نفسه، ص47. ↩︎
- نفسه، ص52. ↩︎
- نفسه، ص18. ↩︎
- نفسه، ص32. ↩︎
- نفسه، ص57. ↩︎
- نفسه، ص69. ↩︎
- نفسه. ↩︎
- نفسه، ص80،79. ↩︎
- نفسه، ص80. ↩︎
- نفسه، ص36. ↩︎
- نفسه، ص132. ↩︎
- نفسه، ص134. ↩︎
- نفسه، ص173. ↩︎
- نفسه، ص110. ↩︎
- نفسه، ص107. ↩︎
- نفسه، ص131. ↩︎
- نفسه، ص137. ↩︎
- نفسه، ص45. ↩︎
- نفسه، ص101. ↩︎
- نفسه، ص143. ↩︎
- نفسه، ص159. ↩︎
- نفسه، ص173. ↩︎


