مريم الزرعوني وثروة التراب الأحمر في رواية سنوات المَغَر ـ موقع الدكتور عبده منصور المحمودي

مريم الزرعوني وثروة التراب الأحمر في رواية سنوات المَغَر

من أهم السياقات في رواية الكاتبة مريم الزرعوني سنوات المَغَر، تسريد التحول الاقتصادي الخليجي قبل الطفرة النفطية، من اللؤلؤ إلى تراب المَغَر.

مريم الزرعوني وثروة التراب الأحمر في رواية سنوات المَغَر

د. عبده منصور المحمودي

في روايتها “سنوات المغر هوامش من سيرة الغريب”(1)، اتخذت الكاتبة الإماراتية مريم الزرعوني من التحولات الاقتصادية ــ التي كانت سائدة في منطقة الخليج العربي، قبل الطفرة النفطية ــ موضوعًا سرديًّا، تعاطت من خلاله مع المكانة الاقتصادية، التي وصلت إليها تلك النوعية الخاصة من التراب الأحمر (المَغَر).

تجلّت مركزيةُ الحيز السرديّ المكانيّ في جزيرة أبو موسى، وتنوعّتْ خيوطه التي امتدت منه إلى أمكنة أخرى: دبي، الشارقة، الكويت. أمّا الزمن السردي، فقد امتد من الفترة التي ازدهر فيها اقتصاد هذه المادة الترابية ــ التي يمكن مقاربتها في النصف الأول من القرن العشرين ــ إلى مطالع عقد السبعينيات، الذي انتهت فيه حياة الشخصية الرئيسة غريب. وبمعية حياة الشخصية الرئيسة ــ هذه ــ استوعب العمل سياقاتٍ مختلفة، من حياة شخصيات متعددة، كان لها حضورها الفاعل في إثراء المسارات السردية، وتضفير ارتباطاتها بالشخصية الرئيسة. من أهم تلك الشخصيات: سهيلة أم غريب، وشقيقته آمنة، وأبوه صالح بكر الأعرج. وحبيبته جوديث، وزوجتاه: عنايت خاتون، ومنيرة. ورئيس عمله المباشر المهندس مستر ديفيدسن، رئيس عمله في شركة مناجم أكسيد الحديد في أبو موسى.

“غريب” وثروة المَغَر

يبدأ الاشتغال على تسريد أهمية المَغر في البلدان الخليجية، بتأثيث الانتقال إليه ــ بوصفه موردًا اقتصاديًّا مهمًّا ــ من خلال الإشارة إلى محطة التحوّل من اصطياد اللؤلؤ وبيعه إلى اقتصاد أكسيد الحديد (المغَر)؛ فـ”بعد كساد اللؤلؤ، بات هؤلاء [الشباب] يسعدون بالأسفار، وتغويهم الأراضي الجديدة”(2). ومن تلك الأراضي الجديدة جزيرة أبو موسى، التي اشتهرت بوفرة هذه المادة فيها، حيث “يطلق أهل الجزيرة اسمًا آخر على [ذاك] التراب الأحمر، يسمونه المَغَر”(3). وقد آلت إلى المَغَر فاعلية الاقتصاد الخليجي، الذي اتجه إلى الاهتمام باستخراجه وتصديره؛ وفقًا لما تحيل عليه تلك الإشارة السردية، إلى “سفينة بضائع، كانت تحمّل المغر من الجزيرة… تأخذه إلى بريطانيا العظمى”(4).

ولد غريب في جزيرة أبو موسى، وعاش مع أسرته فيها. وحينما اتخذ أبوه قرار مغادرة الجزيرة إلى مدينة الشارقة والإقامة فيها، غادر معه. لكنه بعد سنوات فضّل العودة إلى مسقط رأسه، ليعمل فيه؛ إذ “استدار إلى الجزيرة، لم يكن الصبح قد أسفر بعد، بدا كما لو أنه  يعرف طريقه، ألقى النعل وأدخل فيه قدمين ممحّلتين بحفنة تراب، وسلك طريقًا صوب منجم المَغر”(5).

لقد كانت الرغبة في العمل لدى هذا المنجم هي ما أغرى غريب بالتوجه إليه، متقدِّمًا للعمل في الشركة الإنجليزية (Sun Valley Colour Company)، التي تتولّى هناك استخراج أكسيد الحديد وتصديره، تحت إدارة المهندس مستر ديفيدسن، الذي وصل إليه غريب، فسأله عن سبب مجيئه إلى الجزيرة، فرد عليه بالقول: “إن الشارقة مكتظّة، يعزّ فيها العمل المُجزي، وهو يطمح إلى أجر وافٍ يكفيه عن والده. وأنه من أهل الجزيرة، وُلِد فيها، وهي موطن أبيه، لكنّه رحل مع أسرته قبل ما يزيد على السنوات العشر إلى الشارقة، وقد نصحه عتيق النوبي بمنجم أكسيد الحديد فيها، لوفرة الفرص، وقلة تكاليف المعيشة”(6).

وافق مستر ديفيدنس على انضمام غريب إلى عمال المنجم، فأخلص الولد في عمله، وتفانى فيه؛ إذ “كانت حفرة الصبي الجديد [غريب] إحدى أعمق الحُفر”(7)، كما كان “يحفر بهمّة لا تفتر، كالذي في سباق مع حفّار في الجهة الأخرى من الأرض، يبحثان عن كنزٍ، يخشى أن يصل الآخر إليه قبله”(8).

بعد سنوات من العمل الشاق في شركة أكسيد الحديد ــ هذه ــ وصل غريب إلى حالٍ انعدمت فيها رغبته في الاستمرار؛ فهو “لا يريد المزيد من الحفر، سئِمَتْ عيناه التراب الأحمر، والشاطئ الأحمر، والشفق الأحمر، والخدوش الحمراء التي تغطي جسده إثر العمل. كَرِهَ طعم الحديد الذي يشوب الماء والطعام، كره ثوبيه الملطخين بالحُمرة وهما يتعاقبان على جسده، شعر أنه اكتفى من برد الجزيرة وحرّها”(9). ومن ثم انعكست هذه الحال على سلوكه، الذي لفت انتباه زملائه في العمل، فبدأوا في التساؤل عن السر في تغيّر حاله، من الحماس للعمل إلى الضيق به.

وقفت السياقات السردية على تداعيات هذه الحال، وما ترتب عليها من تساؤل زملاء غريب. تلك الحال، التي أفضت إلى مناقشتهم إيّاها فيما بينهم، محاولين الوصول إلى تفسير لها: “”فترت همة غريب”، بعضهم قال ذلك، “جمع ما أراده من المال، ولعله عازمٌ على العودة إلى أهله” البعض ردد ذلك”(10).

لم يكن هذا التفسير بعيدًا عن الحقيقة الكامنة وراء ذاك التغير، الذي لاحظوه على زميلهم غريب “الحفار الماهر، جامع المغر لسنوات”(11)، الذي أخلص للعمل في منجم هذه الجزيرة، حتى “استحالت في يده حفنةٌ من ترابها الأحمر ثروةً”(12). وبذلك؛ شجّعتْه هذه الثروة على التفكير في استثمارها، فغادر الجزيرة متنقِّلًا بين أماكن مختلفة، غير متناسٍ ماضيه، الذي ظل مُعتدًّا به؛ إذ صار لديه ذاك العمل في منجم الجزيرة واحدًا من أبعاد سيرته، التي يتحدث عنها في مواقف تستدعي الإشارة إليها. من ذلك موقف صادف فيه شخصًا، سأله عن هويّته وعمله، فكان ماضيه من مضامين ردّه عليه قائلًا له: “عملتُ في شركة المغر، التراب الأحمر، أكسيد الحديد”(13).

وظف غريب ثروته خارج الجزيرة، مستثمرًا إيّاها في التجارة، وتجارة الأقمشة منها على وجه خاص. وبعد سنوات شعر بحنينه إلى أبيه، فقام بزيارته إلى منزله في الشارقة. فوجئ بالحال المأساوية، التي وصلت إليها حياة والده، فتألم، وذرف الدمع في مواقف متعددة، كان فيها يعانق أباه، باكيًا حاله، وفي الوقت نفسه، كان يبكي “المغر الذي خلفه في أبو موسى”(14). وهنا تحيل حال غريب ــ في هذا الموقف ــ على ارتباطه الوجداني، بذاك المكان وذاك العمل القديم.

لم يقتصر إحساس غريب بهذه الرابطة الوجدانية ــ بينه ومنجم عمله السابق ــ على التجلّي في مثل هذه المواقف. وإنما كان هذا الإحساس فاعلًا في إقدامه، على محاولة إطفاء بعضٍ من تلك اللهفة إليه؛ إذ سافر إلى المكان نفسه، وطيلة مسافة الرحلة كان الشوق يصهر وجدانه؛ إذ كان “يرى الكويت من الطائرة، تذوب في سحابة من غبار أغسطس الأحمر، ويقفز إلى ذهنه طعم الصدأ، ذلك الحديد المنسحق في التراب الأحمر، المَغَر كما يعرفه أهل جزيرته، جزيرة أبو موسى التي ولد فيها، شعر بتوق شديد للتماهي مع الحمرة القديمة التي تملؤه، حتى لو تطلّب الأمر أن ينصهر في جفنة كالمعدن”(15). وإلى ذلك، كان ــ في الرحلة نفسها ــ مسحوقًا بالخوف من عدم الوصول إلى ذاك المكان؛ إذ “شعر بانقباض شديد حين هجس في ذهنه أنه لن يتمكّن من وطء التراب الأحمر ثانية”(16). وعلى ذلك، فقد تمكّن من زيارة المنجم، والعاملين فيه. كما تمكن من قضاء ليلة مع مدير الشركة مستر ديفيدسن، أطلعه فيها على بعضٍ من مكنونات تجربته الوجدانية. ولأن الزيارة كانت حنينًا إلى المكان، لا رغبة في العودة إلى العمل فيه، فقد غادره غريب، إلى حيث استقرت حياته التجارية الجديدة.

من “جوديث” إلى “منيرة”

وردت عددٌ من السياقات السردية، على لسان جوديث. تلك الممرضة الايرلندية، التي كانت تعمل في “المركز الطبي الملحق بالطيران الملكي البريطاني في الشارقة”(17). نشأت علاقة وجدانية بينها وغريب، الذي استمتع بهذه العلاقة، فاستمرت بينهما، بحيويةٍ تجدّدتْ بما تكرر من لقاءاتهما، وما جمع بينهما من سفرٍ على متن سفينة تشاركا فيها نسائم البحر وآهات المحبة. كما تنامت هذه العلاقة، بمشاركتها إيّاه همّها، في البحث عن أخيها إيمانويل، الذي اختفى ولا علم لأحد من أهله بمصيره.

بعد زمن من البحث عن الأخ الغائب بمعية الحبيب المخلص، وصل إلى جوديث خبر وفاة أخيها، فتمزق قلبها بهذا النبأ الكارثي، واتخذت بعده من العبادة ملاذًا تهرب إليه. كما انعكس هذا التحوّل في حياة جوديث سلبًا على علاقتها مع غريب؛ إذ وضعت حدًّا لتجربتهما العاطفيّة ــ هذه ــ و”انقطعت إلى الرهبنة في كنيسة سانت جورج على مقربة من مكتب المقيم البريطاني”(18). و”اختارت العزوف عن حياة البشر وفضّلت التألّه، وانقطعت تُمارسه في الكنيسة”(19).

لم يجد غريب مناصًا من التعايُش مع واقعه الجديد بعيدًا عن جوديث، متخفِّفًا من ثقل التجربة التي قررت جوديث الاكتفاء منها بالذكرى. ومثلها اكتفى غريب، متواصلًا معها بين الحين والآخر كلما احتاج إلى مساعدتها، لا سيما في ما يتعلق من ذلك، بإشكاليات حصوله على وثائق إثبات هويته.

من جانب آخر، انفتح لغريب ــ بعد انتهاء علاقته بجوديث ــ بابُ علاقةٍ جديدة، مع امرأة غنيّة، فقدت البصر قبل زواجها من كهل، توفّي، فعاشت بعده حياة الوحدة والحاجة إلى من يعتني بها. كان غريب هو مَن سدّ حاجتها تلك؛ إذ تزوج منها، وعاش معها شطرًا من حياته، حتى حانت لحظة تخلّيه عنها، مسافرًا إلى الكويت.

بعد وصول غريب إلى الكويت، استقر فيها؛ إذ استهلت حياته العاطفية ــ هناك ــ علاقة ثالثة، مع مُنيرة، التي تزوج منها، وأرّقها عدمُ ارتزاقها منه بمولود. مضت بهما الحياة إلى محطة فراق كارثي، انتهت فيه حياة منيرة غرقًا في البحر. حينها اضطربت حياة غريب؛ فاستكمل ترتيبات سفره إلى الإمارات. غادر الكويت على متن طائرةٍ، لم تصل إلى وجهتها؛ إذ تعرّضت لحادثة سقوط مفاجئ، في البحر الذي لفظت فيه منيرة أنفاسها الأخيرة. وهناك استقبلت روحها روح غريب، ليعيشا حياة مغايرة لما سبق أن عاشوه قبل انتقالهما إلى هذا العالم الروحي.

إشكالية الهوية

مثّلتْ إشكاليةُ الهوية واحدًا من أهم السياقات السردية في هذا العمل، إذ عانى غريب صعوباتٍ جمّة في إثبات هويّته؛ بسبب عوامل مختلفة، أفضت مُجتمِعَةً إلى إلصاق صفة الغريب به. تلك الصفة التي لازمتْه في حلّه وترحاله.

بدأت هذه الإشكالية في حياة غريب، من تلك اللحظة التي اختلف فيها مع أبيه، ورفض البقاء معه في الشارقة. غادره، غير مكترثٍ لأوراق إثبات هويّته، لا سيما بعد أن وصل إلى جزيرة أبو موسى، ويَسّر أحد المعارف التحاقه فيها بالعمل لدى شركة استخراج أكسيد الحديد.

بعد زمنٍ من عمل غريب في جزيرة أبو موسى ــ وتمكّنه فيها من تجميع ما قامت عليه ثروته ــ قرر الخروج منها لاستثمار أمواله، فواجهتْه في طريقه إشكالية الهوية، لكنه تمكّن من تجاوزها بإجراءات مؤقتة، غير مهتمٍ بضرورة العودة إلى بلده الإمارات، لاستخراج أوراق إثبات هويّته؛ إذ “تاه في جميع الدنيا وأضاع طريقه إلى الإمارات”(20)، مُنشغلًا بتفاصيل تجارته. وحينما كان يذكّره أحد المقربين منه بأنه لا يمتك أوراق الهوية، كان يردّ عليه بالقول: إن “أمر إثبات هُويّته سهلٌ وليس مُلحًّا، وأنّ لا وقت لديه يبذّره في التعقيدات الإدارية”(21).

لم يدرك غريب تبعات هذه الإشكالية إلّا حينما فكّر في العودة إلى بلده، فلم يستطع استخراج وثيقة رسمية، تسمح له بالسفر إليه؛ إذ إن كل ما تمكّن من الحصول عليه، لا يزيد على وثيقة رسمية، تسمح له بالسفر إلى الكويت، لا إلى مكان آخر.

وصل إلى الكويت، عازمًا السفر منها إلى بلده الإمارات، لاستخراج وثائق إثبات الهوية. لكن عزمه هذا بدأ بالفتور، لا سيما بعد زواجه هناك من منيرة، التي ترتب على غرقها في البحر مصيرٌ خسف بحياته؛ إذ تم استدعاؤه إلى مكتب التحقيق معه في الحادثة، والاشتباه فيه. وهناك أطبقت عليه إشكالية الهوية بشكل أكثر حدّة وشراسة، لم يتجاوزها إلّا من خلال بقايا معرفة به، احتفظت بها ذاكرة المحقق، الذي أشار إلى ذلك بالقول: “حاول غريب بكل ما لديه من أوراق أن يثبت هويته وكينونته، لكنّ الإشكال كان في المستندات التي لم تكن تحمل صفة رسمية خالصة، بعضها مُبايعات، وبعضها بالية، لا يمكن استبانة تواريخها بوضوح، وأحدها صادر من إيران، تدخّلتُ حينها أنا وصديقٌ يعرف أسرة غريب، استدعيته للشهادة، وشهدنا بصحة المستندات، وأنه من الإمارات، سافر باكرًا إلى أماكن كثيرة إلى أن استقر به الحال هنا، خرج غريب بعدها بكفالة محل إقامته”(22).

وعلى ذلك، لم يستطع غريب الخروج من إشكالية الهوية، التي تُحْكِمُ قبضتها على حياته؛ إذ بدأ في الإعداد للسفر من الكويت إلى بلده الإمارات. وفي سياق إجراءات السفر، وقفت في وجهه تلك الإشكالية مرّةً أخرى؛ إذ كان عليه الاستعانة بمَنْ يُمْكِنُ الاستنادُ إليه؛ “كي يحصل على ورقة رسمية تُخرجه من الكويت وتسوّغ دخوله الإمارات”(23). وهو ما تمكّن غريب من إنجازه، فحصل على جواز سفرٍ إلى بلده.

وفي هذه المحطة من حياة غريب ــ التي امتلك فيها وثيقة السفر ــ أدرك معنى إشكالية الهوية، ومعنى الأوراق الرسمية التي تفتح له الطريق إلى موطنه. وانعكس هذا الإدراك المتأخر سلوكًا ملحوظًا في شخصيته، فكانت أولويته القصوى هي المحافظة على جوازه، والحرص على عدم ضياعه منه.

تلك الأولوية ــ التي ارتبطت بها سلوكيات غريب وتصرفاته ــ بلغت مستوىً متقدمًا من الهيمنة عليه؛ إذ تداعى معها بطريقةٍ مبالغٌ فيها، إلى الحد الذي أربكه، فأنساه المكان الذي وضع فيه الجواز. تجلّى موقف ارتباكه ــ هذا ــ بعد أن أقلعت الطائرة به وبالمسافرين من الكويت، وحلّقت في السماء باتجاه الإمارات. وبينما كان مطمئنًا على مقعده، مد يده لإخراج شيء من أغراضه، فانتفض فجأة، باحثًا عن شيءٍ ضاع منه، بعثر أغراضه مُدققًا في البحث عن المفقود. طلب مساعدة المضيف، الذي سرعان ما وصل وعرف أن الرجل يبحث عن جوازه، فأشار عليه بالبحث تحت مقعده، نزل غريب بجسده كله باحثًا عن وثيقته الأولى والأخيرة. نزوله بذاك الشكل، مكّن المضيف من الكشف عن مكانها، إذ لاحظ جواز الرجل في الجيب الخلفي لبنطلونه. فوجئ غريب بالمكان الذي احتفظ فيه بجوازه، ولم يستطع تذكره. ثم استعاد ما كان قد فقده من طمأنينة. ولم يكن في حسبانه أنه مسافر في طريق آخر، يمضي به إلى عالمٍ مختلفٍ عن عالم الحياة، عالمٍ بعيدٍ عن بلده؛ إذ توقف أحد محركات الطائرة، فاشتعلت النار فيها، وانتهت به ــ وبمن فيها ــ إلى البحر، الذي كان في انتظارهم.

لقد تمكّنت السياقات السردية ــ في هذا العمل ــ من استيعاب صورةً مهمّة من صور التحول الاقتصادي. ذاك التحوُّل المتمثِّل في الانتقال من اقتصاد اللؤلؤ إلى اقتصاد المَغَر. تجلّى ذلك، من خلال تناول الرواية ما أحدثه هذا التحوّل من نقلة نوعية في حياة غريب، الذي رافقتْه الغرابة في هيئة إشكالية الهوية. تلك الإشكاليّة، التي تصاعدت تداعياتها في حياته، فاتّسقت طريقة تسريدها بتصاعدٍ أفضى إلى تأكيد حتمية الهوية وأهمية المحافظة عليها؛ بصفتها حضنَ استقرارٍ، ونافذةَ نجاة، ومكوِّنًا جوهريًّا في شخصية الفرد، وعاملًا فاعلًا في تيسير مجريات حياته، ورفيقًا لا يتخّلى عنه حينما تترجّل روحه مُحلّقة في عالمها الآخر. 


  1. مريم الزرعوني، “سنوات المغر هوامش من سيرة الغريب”. دائرة الثقافة والسياحة، مركز أبو ظبي للغة العربية، 2025م. ↩︎
  2. نفسه، ص145. ↩︎
  3. نفسه، ص39.  ↩︎
  4. نفسه، ص91.  ↩︎
  5. نفسه، ص11.  ↩︎
  6. نفسه، ص17.  ↩︎
  7. نفسه، ص18.  ↩︎
  8. نفسه، ص19.  ↩︎
  9. نفسه، ص49.  ↩︎
  10. نفسه.  ↩︎
  11. نفسه، ص67.  ↩︎
  12. نفسه، ص8.  ↩︎
  13. نفسه، ص69.  ↩︎
  14. نفسه، ص104.  ↩︎
  15. نفسه، ص29،28.  ↩︎
  16. نفسه، ص31.  ↩︎
  17. نفسه، ص102.  ↩︎
  18. نفسه، ص171.  ↩︎
  19. نفسه، ص174.  ↩︎
  20. نفسه، ص13.  ↩︎
  21. نفسه.  ↩︎
  22. نفسه، ص190،189.  ↩︎
  23. نفسه، ص12.  ↩︎

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top