إلى السدرة الحانية
أيَا أريكةَ قَلبٍ ــ فيكِ إِمْعانا ــ
قَدِ ابْتَلاهُ الهوى؛ فالتذَّ ما عانى
.
يا بَسْمَةَ الحُبِّ، يا معنى الجمالِ، ويا
أُغْنِيَّةً تزدهي بالسُّعْدِ ألحانا
.
إنّي عشِقْتُكِ والوجدانُ عَتَّقني،
إليكِ يعْصرُني شِعْرًا وأوزانا
.
مرعى الأحِبَّةِ، قَلْبٌ أنتِ: تَسْكُنُهُ
أحلامُهمْ، يصطفي العُشاقَ سُكّانا
.
أَقَمْتُ فيه؛ فكان الحبُّ معتقدي،
وكنتِ: للحبِ، للتِّحْنانِ، أوطانا
.
فكمْ تَجَوَّلْتُ فيكِ، والحياةُ بها،
قلبي شغوفٌ، يُغنِّي الحُبَّ نشوانا
.
كَمِ اغْتَرَفْتِ لقلبي ماءَ بهجتهِ،
وكمْ كُؤوسَ الهوى أقريْتِ خِلَّانا؟
.
.
واليومَ يَسْتَلُّني منكِ الفراقُ، وفي
قلبي يُكدِّسُ، في التجريحِ، أشجانا
.
فلو أتيتُكِ بعدَ اليومِ ـــ غانيتي ـــ
سيرْتَديني غريبٌ تاهَ حيرانا
.
مِن بَعْد ما كُنتِ: أهْلِي، مُلْتقى رَحِمِي،
وأُلْفَةً تُمْطِرُ الأرجاءَ تِبْيانا!
.
ستُعْشِبِينَ بوِجْداني وذاكرتي،
ما دمتُ في ماءِ نَهْرِ الحُبّ عَطْشَانا
.
وَدُمْتِ للحُبِّ قَلْبًا، دُمْتِ رَوْضَتَهُ،
وللجمالِ، لمعنى السِّحْرِ عنوانا!
.
.
يا “دارَ عافيةِ الأحلامِ”، دُمتِ لنا،
في باقةِ الضوءِ مِعْراجًا لِمَسْرانا!
.
في عَصْرِ “قلبَيكِ” كمْ طابتْ “مقايِلُنا”!
وفي “المسامرِ”، كمْ أنْعَمْتِ ممسانا!
.
الصبْحُ تَعزِفنا أنسامُ رِقَّتِهِ،
وقد تقَلَّدَهُ الإشراقُ مُزْدانا
.
في العِطْرِ نسْبحُ أحْلامًا مُبارَكةً،
إلى ضيائِكِ، أقصانا، وأدنانا
.
قلوبُنا قبلنا، تهفو؛ فتسبِقنا
إلى الرّبى، حيثُ ينمو النورُ أغصانا
.
هناك يَحْضَنُنا روضُ الضياءِ، ومِنْ
زهْرِ المحبةِ نجني الشَّهدَ ألوانا
.
فكمْ بنا لاحتِ الأيّامُ باسِمَةً!
وحارةُ “الشوقِ”، كمْ أصغتْ لنجوانا!
.
وكمْ “مطاعِمُها” رقَّتْ بِأُلْفتِنا،
واستَقطبَ “العشبُ” تحْتَ “النورِ” ممشانا!
.
كمْ طابَ تِجْوالُنا في دِفْءِ أوردةٍ
لِفلْذةِ الأرضِ، في أحضانِ مأوانا!
.
كمْ أسْعَدَتْنا حياةٌ في مرابعها!
وكمْ تضجُّ حناياها بذكرانا!
.
كمْ في النعيم تساقينا عُصارتَهُ،
وها هو البينُ يلهو بالذي كانا!
.
.
ماذا أقولُ، لِمَنْ أُطْعِمْتُ نُبْلَهُمُ،
في جوقةِ السِّحْرِ، أتْرابًا وجيرانا؟
.
يا منْ نَزلْتمْ حنايا ضَيْعَتِي، سَكَبَتْ
عينُ التمزق دمعَ الحزْنِ هتّانا
.
وسامحوا الشوكَ منّي، في معاشرتي
لكمْ، وكنتمْ لِرَبِّ الشوكِ إخوانا
.
فما بَلَغْتُ سَماءً مِنْ مكارِمِكمْ،
ولا مَوَدَّتَكمْ، شُكْرًا وعِرفانا
.
هذا اعْتذاري؛ فإمّا خضَّني أَرَقٌ،
أو غفْلةٌ عنْ تنائي اليومِ، أحيانا
.
ونازلي ضَيْعَةٍ ــ أُخْتٍ لِضَيْعَتنا ـــ
جودوا بمغفرةٍ؛ فالصفحُ قد آنا
.
جميعُكمْ، أَسْكِنوني النُبْلَ/عَفْوَكُمُ،
وفي فؤادي انْزلوا، في الروحِ أخْدانا
.
.
هذا النحيبُ وداعٌ، والقلوب بها،
حُزْنُ الفراقِ استَوى في الدَّمْعِ أمزانا
.
هذا الوداعُ، وفي الذكْرى شواطئُنا،
مِنها سَتَرْتَشِفُ الأيامُ سُلْوانا
.
فادعوا معي الله جَمْعًا في ضيافَتهِ،
في روضَةٍ عُشْبُها يخْضَرُّ وِجْدانا
***


