مخضودٌ بالتَّنائي
أيا ليلُ، بَدْرٌ في ضيائكَ مُسْهِبُ،
وفي نَأْيِها ـــ الأقمارُ ـــ مَضْنىً أُعَذّبُ
.
نسيمُكَ يُدمي في الفؤادِ جراحَهُ،
وطولُكَ بالذكرى الكسيرةِ مُتْعَبُ
.
يَخُضُّ منامي طيفُ كُلِّ فراشةٍ،
لِقاءً بها نجوى الخيالِ تُرَتِّبُ
.
لأطيافِ وردٍ، كم أباتُ مناجيًا،
صَدىً عاطرَ الإيحاءِ فِيَّ يُغَيَّبُ!
.
أُسَامِرُ إِخْلاصَ الأَحِبَّةِ والنّدى،
وسِحْرًا لذيذًا في الحنينِ يُنَقِّبُ
.
أُسامِرُها الذكرى: سُطُورَ أناملٍ؛
قُطوفًا مِنَ المعنى المُعَتَّقِ أُوْهَبُ
.
أنامِلُ تُهْدِيني السطورَ، وهمْسُها
إليَّ عَنِ الفنِّ اعْتِذارٌ مُهَذَّبُ
.
أَيَمْحُو جَمالَ الحرْفِ هَمْسُ اعْتِذارِهِ؟!
مُحالٌ؛ بها قلبُ التّثَاقُفِ مُعْجَبُ
.
ويقرأُ قبل العينِ كلّ إحالةٍ،
وما ليسَ، بالحبرِ المُلَوَّنِ، يُكتَبُ
.
.
وفيْ حَوَرٍ منها، أُسامرُ: كيفَ لي
حنانًا تذوبُ حينَ تهْفو، وتَقْرُبُ!
.
تَصُبُّ إلى قلبي الهوى حَدَقاتُها
برِقَّةِ صوتها، المُلَطَّفِ أُطْرَبُ
.
خليلَتُها ــ مثلَ انْسيابِ ودادِها ــ
إليَّ، وفاءً، في اللقاءاتِ تَسْكُبُ
.
بِلَهْجَتِها، تَلُوكُ “قافَ” سُؤالِها،
جَوابيْ: نَعِيْمٌ ليْ هواكِ وَمَكْسَبُ
.
.
وَمِنْ ذاتِ خالٍ، كلُّ سِفْرٍ ـــ مُدَوَّنٌ
على القلبِ نورًا ـــ أصْطفيهِ وأذهبُ
.
إذا لامستْ بين التَّأَرْشُفِ غايَتي،
تُشِيرُ: لدَيَّ ما ارْتِيادُكَ يَطلبُ
.
وإنْ ـــ مِنْ حِماها ـــ النورُ عاد بِوَمْضَةٍ،
أعادتْ إليَّ الوَمْضَ، ما فيهِ يَرغَبُ
.
وإنْ لمْ تَجِدْ ما جِئْتُ أَرْجُو اصْطفاءهُ،
أتتْني بهِ مِنْ حيثُ لا أَتَرَقَّبُ
.
تعالتْ عنِ النِّسيانِ أمزانُ صيفها،
بها أَوْرَقَ الحبرُ، انْزِياحُهُ مُعْشِبُ
.
كما أعْشَبتْ أَخْلاقُها وطِباعُها،
وفاءً، بإخلاصِ النقاءِ، يُطَيّبُ
.
تقاصرَ عنهُ نُبْلُ رَدِّي، تلَعْثَمتْ
حُرُوفي، وما النُّبْلُ الأصيلُ سيعْتِبُ
.
.
أُسامرُ ـــ مِنْ عِطْرِ التَّنَسُّكِ ـــ نَسْمةً،
إليها تَجُرُّ القلبَ منِّي، وتسحبُ
.
أُذَوِّبُها إذا سَبَرْتُ عُيونَها،
ونظْرةُ عينيها فؤادي تُذَوِّبُ
.
فأَلْحاظُها قالتْ: بأنّ فؤادَها،
أَسِيْرُ الهوى، وما العيونُ سَتكذِبُ
.
لقد أسرتْ قلبي العيونُ، وإنّها،
على رِمْشِها، قلبي الأسير، ستَصْلِبُ
.
.
بأغصانِ واحاتي، الظنونُ نَقِيَّةٌ؛
متى الظنُّ في غصنِ الضياءِ يُخَيَّبُ؟!
.
وفيها قلوبٌ، بالمَوَدَّةِ رِقّةً
تفيضُ سلوكًا بالحياءِ يُؤسْلَبُ
.
نَبيْذُ التماهي ـــ في الفضائلِ ـــ ماؤهُ
بكأسٍ، مِنَ الذوْقِ المُهَذَّبِ، يُشْرَبُ
.
.
كأنّا مع الأغصانِ بَحْرُ محبَّةٍ،
ونُورٌ لنا: راعٍ ونُبْلٌ مُهَذِّبُ
.
مشاعِرُنا، فينا تُمَوْسِقُ شَمْلَنا
سحابًا، بها “سقفُ الشموسِ” يُحجّبُ
.
فتهْطُلُ أمزانُ الودادِ، وترتوي
قلوبٌ، ووديانُ السعادةِ تُعْشِبُ
.
ونَرْعى معًا حُبًّا بأوديةِ الرؤى،
وفيهِ إلى أَعْراقِ “عُذْرةَ” نُنْسَبُ
.
.
حياةٌ بغير الوردِ: كهفُ تعاسةٍ،
ولا الروحُ في ضوءِ التَّغَرُّبِ تَرْغَبُ
.
مآبُ ظَهِيْرَتي بِجَوْقَةِ عُزْلتي؛
فيعصفُ شوقي بانزوائي ويصخَبُ
.
وحينَ يشعُّ الصبحُ: أرشفُ بسمتي،
أطيرُ إلى روضِ العبيرِ، وأطربُ
.
وفاصلةٌ بين الضفافِ وبعدها،
تُمَزِّقُني، أحصي الليالي وأحسبُ
.
إلى أن أرى الأُفْقَ الجديدَ، فأعتلي
مَداهُ وقلبي بالسعادةِ مُشْرَبُ
.
.
نُوَدِّعُ دَرْبًا بالدموعِ، ولمْ نطَأْ
مدارًا أخيرًا بالذهولِ سَيُكْتَبُ!
.
فكيفَ سَيَطْوِيْهِ أنينُ وداعنا؛
وكلٌّ إلى دهرِ الغيابِ سيذهبُ؟!
.
سَيَفْتَرِسُ الحزنُ انْشِطارَ غُرُوبِنا،
وقلبُ الهوى، يوم الذبولِ، سَيُنْكَبُ
.
سيُذْوي النفوسَ حُزْنُها وحَنِيْنُها،
سيُبْكي الليالي مَنْ يحنُّ ويندبُ
.
.
حياةٌ بصيفِ الحُبِّ تَقْطُرُ لَذَّةً؛
فأيُّ نعيمٍ، في الشتاءِ، سيَعْذُبُ؟!
.
وأيُّ بلادٍ، سوف تحْمِلُ كَرْبَنا؟!
إلى أيِّ جرْفٍ، في الفضاءِ سنَهرُبُ؟!
.
فيا دهرُ: قِفْ، لا تَحْتَفِلْ بِشُحُوبِنا،
وساعاتِهِ ــ يا دهرُ ــ ليتكَ تَشطُبُ!
.
وليتَ الذي سنّ النهايةَ حِبْرُهُ،
رمتْهُ المنايا، قبلَ قولهِ يُنْكَبُ!
.
وليتكَ ـــ يا يومَ القيامةِ ـــ صَيْحَةٌ
تهُزُّ الدُّنا يوم النوى، وتُخَرِّبُ!
.
.
أيا قلبُ، إنّ ذا النعيمَ مُوَدِّعٌ،
وإِشْراقُهُ في الداجياتِ سيَغْرُبُ
.
سَتَغْرُبُ أقمارٌ أذَقْتَ حنانَها،
غرورَ التعامي، لم يَلُحْ لكَ مَأْرَبُ!
.
سِوَاكَ، سيَحظى بالغصونِ ولونِها،
وفيكَ مساءاتُ الأنينِ ستنشبُ
.
وعينٌ تلوّتْ في هواكَ لحاظُها،
بدمْعٍ، ويأسِ النائحين سَتُكْرَبُ
.
.
فآهٍ ــ فُؤادي ـــ كمْ عذابُكَ شائكٌ!
زمانُكَ مُرٌّ، بالشقاءِ مخَصَّبُ!
.
سَتَبْلوكَ: أشواكُ الأسى، وشِعابُه،
وفيكِ بأحراجِ الغيابِ ستُعشبُ
***


