مخضودٌ بالتّنائي

مخضودٌ بالتّنائي

مخضودٌ بالتّنائي

مخضودٌ بالتَّنائي

د. عبده منصور المحمودي

أيا ليلُ، بَدْرٌ في ضيائكَ مُسْهِبُ،

وفي نَأْيِها ـــ الأقمارُ ـــ مَضْنىً أُعَذّبُ

.

نسيمُكَ يُدمي في الفؤادِ جراحَهُ،

وطولُكَ بالذكرى الكسيرةِ مُتْعَبُ

.

يَخُضُّ منامي طيفُ كُلِّ فراشةٍ،

لِقاءً بها نجوى الخيالِ تُرَتِّبُ

.

لأطيافِ وردٍ، كم أباتُ مناجيًا،

صَدىً عاطرَ الإيحاءِ فِيَّ يُغَيَّبُ!

.

أُسَامِرُ إِخْلاصَ الأَحِبَّةِ والنّدى،

وسِحْرًا لذيذًا في الحنينِ يُنَقِّبُ

.

أُسامِرُها الذكرى: سُطُورَ أناملٍ؛

قُطوفًا مِنَ المعنى المُعَتَّقِ أُوْهَبُ

.

أنامِلُ تُهْدِيني السطورَ، وهمْسُها

إليَّ عَنِ الفنِّ اعْتِذارٌ مُهَذَّبُ

.

أَيَمْحُو جَمالَ الحرْفِ هَمْسُ اعْتِذارِهِ؟!

مُحالٌ؛ بها قلبُ التّثَاقُفِ مُعْجَبُ

.

ويقرأُ قبل العينِ كلّ إحالةٍ،

وما ليسَ، بالحبرِ المُلَوَّنِ، يُكتَبُ

.

.

وفيْ حَوَرٍ منها، أُسامرُ: كيفَ لي

حنانًا تذوبُ حينَ تهْفو، وتَقْرُبُ!

.

تَصُبُّ إلى قلبي الهوى حَدَقاتُها

برِقَّةِ صوتها، المُلَطَّفِ أُطْرَبُ

.

خليلَتُها ــ مثلَ انْسيابِ ودادِها ــ

إليَّ، وفاءً، في اللقاءاتِ تَسْكُبُ

.

بِلَهْجَتِها، تَلُوكُ “قافَ” سُؤالِها،

جَوابيْ: نَعِيْمٌ ليْ هواكِ وَمَكْسَبُ

.

.

وَمِنْ ذاتِ خالٍ، كلُّ سِفْرٍ ـــ مُدَوَّنٌ

على القلبِ نورًا ـــ أصْطفيهِ وأذهبُ

.

إذا لامستْ بين التَّأَرْشُفِ غايَتي،

تُشِيرُ: لدَيَّ ما ارْتِيادُكَ يَطلبُ

.

وإنْ ـــ مِنْ حِماها ـــ النورُ عاد بِوَمْضَةٍ،

أعادتْ إليَّ الوَمْضَ، ما فيهِ يَرغَبُ

.

وإنْ لمْ تَجِدْ ما جِئْتُ أَرْجُو اصْطفاءهُ،

أتتْني بهِ مِنْ حيثُ لا أَتَرَقَّبُ

.

تعالتْ عنِ النِّسيانِ أمزانُ صيفها،

بها أَوْرَقَ الحبرُ، انْزِياحُهُ مُعْشِبُ

.

كما أعْشَبتْ أَخْلاقُها وطِباعُها،

وفاءً، بإخلاصِ النقاءِ، يُطَيّبُ

.

تقاصرَ عنهُ نُبْلُ رَدِّي، تلَعْثَمتْ

حُرُوفي، وما النُّبْلُ الأصيلُ سيعْتِبُ

.

.

أُسامرُ ـــ مِنْ عِطْرِ التَّنَسُّكِ ـــ نَسْمةً،

إليها تَجُرُّ القلبَ منِّي، وتسحبُ

.

أُذَوِّبُها إذا سَبَرْتُ عُيونَها،

ونظْرةُ عينيها فؤادي تُذَوِّبُ

.

فأَلْحاظُها قالتْ: بأنّ فؤادَها،

أَسِيْرُ الهوى، وما العيونُ سَتكذِبُ

.

لقد أسرتْ قلبي العيونُ، وإنّها،

على رِمْشِها، قلبي الأسير، ستَصْلِبُ

.

.

بأغصانِ واحاتي، الظنونُ نَقِيَّةٌ؛

متى الظنُّ في غصنِ الضياءِ يُخَيَّبُ؟!

.

وفيها قلوبٌ، بالمَوَدَّةِ رِقّةً

تفيضُ سلوكًا بالحياءِ يُؤسْلَبُ

.

نَبيْذُ التماهي ـــ في الفضائلِ ـــ ماؤهُ

بكأسٍ، مِنَ الذوْقِ المُهَذَّبِ، يُشْرَبُ

.

.

كأنّا مع الأغصانِ بَحْرُ محبَّةٍ،

ونُورٌ لنا: راعٍ ونُبْلٌ مُهَذِّبُ

.

مشاعِرُنا، فينا تُمَوْسِقُ شَمْلَنا

سحابًا، بها “سقفُ الشموسِ” يُحجّبُ

.

فتهْطُلُ أمزانُ الودادِ، وترتوي

قلوبٌ، ووديانُ السعادةِ تُعْشِبُ

.

ونَرْعى معًا حُبًّا بأوديةِ الرؤى،

وفيهِ إلى أَعْراقِ “عُذْرةَ” نُنْسَبُ

.

.

حياةٌ بغير الوردِ: كهفُ تعاسةٍ،

ولا الروحُ في ضوءِ التَّغَرُّبِ تَرْغَبُ

.

مآبُ ظَهِيْرَتي بِجَوْقَةِ عُزْلتي؛

فيعصفُ شوقي بانزوائي ويصخَبُ

.

وحينَ يشعُّ الصبحُ: أرشفُ بسمتي،

أطيرُ إلى روضِ العبيرِ، وأطربُ

.

وفاصلةٌ بين الضفافِ وبعدها،

تُمَزِّقُني، أحصي الليالي وأحسبُ

.

إلى أن أرى الأُفْقَ الجديدَ، فأعتلي

مَداهُ وقلبي بالسعادةِ مُشْرَبُ

.

.

نُوَدِّعُ دَرْبًا بالدموعِ، ولمْ نطَأْ

مدارًا أخيرًا بالذهولِ سَيُكْتَبُ!

.

فكيفَ سَيَطْوِيْهِ أنينُ وداعنا؛

وكلٌّ إلى دهرِ الغيابِ سيذهبُ؟!

.

سَيَفْتَرِسُ الحزنُ انْشِطارَ غُرُوبِنا،

وقلبُ الهوى، يوم الذبولِ، سَيُنْكَبُ

.

سيُذْوي النفوسَ حُزْنُها وحَنِيْنُها،

سيُبْكي الليالي مَنْ يحنُّ ويندبُ

.

.

حياةٌ بصيفِ الحُبِّ تَقْطُرُ لَذَّةً؛

فأيُّ نعيمٍ، في الشتاءِ، سيَعْذُبُ؟!

.

وأيُّ بلادٍ، سوف تحْمِلُ كَرْبَنا؟!

إلى أيِّ جرْفٍ، في الفضاءِ سنَهرُبُ؟!

.

فيا دهرُ: قِفْ، لا تَحْتَفِلْ بِشُحُوبِنا،

وساعاتِهِ ــ يا دهرُ ــ ليتكَ تَشطُبُ!

.

وليتَ الذي سنّ النهايةَ حِبْرُهُ،

رمتْهُ المنايا، قبلَ قولهِ يُنْكَبُ!

.

وليتكَ ـــ يا يومَ القيامةِ ـــ صَيْحَةٌ

تهُزُّ الدُّنا يوم النوى، وتُخَرِّبُ!

.

.

أيا قلبُ، إنّ ذا النعيمَ مُوَدِّعٌ،

وإِشْراقُهُ في الداجياتِ سيَغْرُبُ

.

سَتَغْرُبُ أقمارٌ أذَقْتَ حنانَها،

غرورَ التعامي، لم يَلُحْ لكَ مَأْرَبُ!

.

سِوَاكَ، سيَحظى بالغصونِ ولونِها،

وفيكَ مساءاتُ الأنينِ ستنشبُ

.

وعينٌ تلوّتْ في هواكَ لحاظُها،

بدمْعٍ، ويأسِ النائحين سَتُكْرَبُ

.

.

فآهٍ ــ فُؤادي ـــ كمْ عذابُكَ شائكٌ!

زمانُكَ مُرٌّ، بالشقاءِ مخَصَّبُ!

.

سَتَبْلوكَ: أشواكُ الأسى، وشِعابُه،

وفيكِ بأحراجِ الغيابِ ستُعشبُ

***

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top