طبائع النساء في سيرة المكان مقاربة نقدية في رواية ة النسوة
في رواية الكاتبة السعودية فاطمة عبد الحميد “ة النسوة”(1) تجلّت المرأةَ، في عددٍ من الصور، التي منها ما استوعبَتْها سياقاتُ توصيف طبائع النساء، على ألسنة عددٍ من شخصيات العمل، ومنها ما تعلّق بحياة هذه الشخصيات وتجاربها العاطفية.
وقبل أن ألج إلى تفاصيل ذلك، في هذه المقاربة النقدية، لا ضير من إلقاء الضوء على السرد النسوي في الرواية السعودية، في سياق اطّراد هذا النوع من السرد، في الرواية الخليجية.
[1] ــ الرواية النسوية السعودية
برز في الرواية الخليجية نسقٌ من الوعي على اشتغالات الحداثة والتجديد السردي، الهادف إلى استيعاب تفاصيل الواقع المعيش، ومعطيات الحياة ومتغيراتها ومستجداتها. وهو ما يحيل على حال من التثاقُف، والتداعي المتوائم مع حتمية التطور المتسارع في الواقع الإنساني، على اختلاف مساراته الفاعلة في حيوية التواصل: الفكري، والمعرفي، والفني، والثقافي.
وفي هذا السياق، يأتي الحضور الملموس للتجربة النسوية في الرواية الخليجية، التي منها ما تجلى في الرواية النسوية السعودية؛ إذ يشير كثير من الباحثين والنقّاد إلى أن عقد الستينيات من القرن العشرين، هو السياق الزمني، الذي ظهرت فيه البداية الأولى لتاريخ الرواية النسوية في المملكة العربية السعودية. تلك البداية، التي تمثّلت في تجربة الكاتبة سميرة خاشقجي، وما توالى من تجارب مماثلة، في عقدي الستينيات، والسبعينيات. كتجارب الكاتبات: فوزية أبو خالد، وهند باغفار، وشريفة الشملان، وهدى الرشيد.
أمّا عقد الثمانينيات، فقد مثّل مرحلةَ تحوُّلٍ مهمّة في الكتابة الروائية النسوية السعودية؛ إذ صدر فيه عددٌ من الروايات النسائية ذات الطابع الواقعي، الأكثر ارتباطًا بسياقات الحياة الاجتماعية والثقافية. من ذلك: رواية “غدًا أنسَى”، للكاتبة أمل شطا، التي صدرت عام 1980. ومثلها الروايات التي صدرت عام 1987، ولعلّ من أهمها: رواية “4 صفْر”، لرجاء عالم. و”درة من الإحساء”، لبهية بوسبيت، و”ضياع والنور يبهِر”، لصفيّة بغدادي. وكذلك هي الروايات، التي صدرت عام 1988، كرواية “وهج من بينَ رمَاد السِّنيْن”، للكاتبة صفيّة عنبر.
واستمر هذا الحضور المطّرد المتنامي، لتجارب الرواية النسوية السعودية، في العقود التالية لعقد الثمانينيات، بدءًا من عقد التسعينيات، حتى الربع الأول من الألفية الثالثة. ولعل من أهم الروايات النسوية السعودية، التي صدرت في هذه الفترة: رواية “الفردوس المفقود”، للكاتبة ليلى الجهني، الصادرة عام 1998. ورواية نورة الغامدي “وجْهة البوْصلة”، الصادرة عام 2002. ومثلها رواية رجاء الصّائغ “بنات الرِّياض”، التي صدرت عام 2005. وكذلك هو الأمر في كلٍّ من: رواية “الأرجوحة”، للكاتبة بدرية البشر. ورواية زينب حفني “هلْ أتاك حَديثِي”. ورواية “الآخرون”، للكاتبة صبا الحرز.
وفي السياق نفسه، تأتي تجربة الكاتبة السعودية فاطمة عبد المجيد، في رواياتها: “حافة الفضة”، و”ة النسوة”، و”الأفق الأعلى”. وقد مثّلت هذه التجربة موضوعًا لاشتغالنا على هذه المقاربة النقدية، التي استقرّ اختيارنا فيها على رواية “ة النسوة” من هذه التجربة. وذلك؛ لما تقوم عليه سياقاتها من فاعلية المكان، في الوصول إلى توصيفٍ لعددٍ من خصائص النساء وطبائعهن، وما يرتبط بذلك من تعاطٍ سرديٍّ خاص، مع المرأة وخصائصها، وسلوكياتها، وتجاربها العاطفية.
[2] ــ الشخصية والحيّز السردي
انطوت خصوصية الحيز السردي المكاني في رواية “ة النسوة” على نوعٍ من الخصوصية، الكامنة في حيويّته الفاعلة في الكشف عن طبائع النساء، اللواتي يترددن على المحلات التجارية، الخاصة بتوفير احتياجاتهنّ. كمحلات أدوات التجميل، والإكسسوارات، والملابس، وما في سياق ذلك، من البضائع الخاصة بالمرأة.
[2ــ1] ــ الشخصية الروائية
ارتبطت أحداث هذه الرواية ارتباطًا مركزيًّا بثلاث شخصيات، هي: أزهار، ورنيم، وغالية. مع ملاحظة استحواذ أزهار على النصيب الأكبر من السياقات السردية؛ اتساقًا مع مركزية صوتها، في تسريد الأحداث على لسانها. باستثناء ما ورد على لسان غالية، وما أفضى إليه، من إضفاء سمة تعدد الأصوات السردية على تقنيات تسريد سياقات هذا العمل. ولابد من الإشارة إلى أن هذه السمة قد كانت محدودة ومقصورةً على صوت غالية، التي وردت كثيرٌ من التفاصيل المرتبطة بها على لسان أزهار. وكان الاعتناء بتقنية تعدد الأصوات، سيمدّ العمل بنوعٍ من الحيوية في تسارد أحداثه. لا سيما لو كانت شخصية رنيم قد مُنحتْ مساحةً موازية لمساحة أزهار في الاضطلاع بتسريد الحكاية؛ إذ ترتبط حياة كلٍّ منهما، بتفاصيل وأفكار يغلب عليها التناقض، الذي يمكن تكثيف الإحالة عليه في: انفتاح رنيم، وانغلاق أزهار.
قدّمت الرواية صورًا من حياة المرأة وطبيعتها، من خلال هذه الشخصيات الثلاث، اللواتي عايشن يوميات عملهنّ في مول تجاريّ. كما تأتي ــ بمعية هذه الشخصيات ــ شخصيات أخرى، ذات طبيعة ثانوية في تسريد الأحداث. منها ما يرتبط بالحيز المكاني الخاص بعمل شخصيات الرواية (المول التجاري)، من مثل: خيرية التي تعمل بائعةً في محل “زينتي”، وجواهر التي تعمل في محل بيع العباءات النسائية. ومن تلك الشخصيات ــ أيضًا ــ ما يرتبط عائليًّا بالشخصيات المركزية في هذه الرواية، كشخصيات عائلة أزهار: أمها، وأختها أحلام، وأخواها محسن ويوسف. والشخصيات العائلية ذات العلاقة برنيم: زوجها الأول ماجد، وابنها إياد، وزوجها الثاني حامد.
[2ــ2] ــ الحيّز السرديّ
أطّر الاشتغال السردي ــ في هذا العمل ــ حيّزه المكاني العام بمدينة جدّه، التي انتمى إليها عددٌ من الأمكنة التي استوعبت أحداثه، وبوجه خاص المول التجاري، الذي تعمل فيه أزهار ورنيم في محل “سدرة”، الخاص بالإكسسوارات وأدوات التجميل. والمحل المقابل له “غسق”، الذي تعمل فيه غالية، والخاص ببيع الملابس الداخلية النسائية.
ثم يأتي الحيز المكاني المتمثّل في منزل أزهار. يليه البحر، الذي تجلّى حيزًا مكانيًّا مفتوحًا، أحالت عليه بعض السياقات السردية، كحديث أزهار عن اتِّخاذها إيّاه مكانًا لقضاء إجازتها؛ إذ تقول: “البحر هو وجهتي يوم إجازتي”(2). وحديث الفتيات الثلاث، عن مشهد اجتماعهن على طاولة من طاولات أحد المطاعم فيه، وما تطرقن إليه من تخمينٍ لقصص الحب المحتملة التي احتفت ــ وتحتفي بها ــ طاولات ذاك الحيّز المكاني(3).
أمّا الحيّز السردي الزمني، فلم تظهر إشاراتٌ سرديّة تحيل عليه إحالةً مباشرة. وعلى ذلك، فبالإمكان مقاربة انتمائه إلى مطالع الألفية الثالثة. لا سيما أواخر العقد الأول منها، امتدادًا إلى النصف الأول من عقدها الثاني. ونستند في هذه المقاربة، إلى إشارات سردية، أحالت عليه، من مثل ما ورد من حديثٍ عن استخدام تقنية “الواتسآب”، التي تعد واحدةً من تقنيات التواصل الحديثة، المنتمية إلى ذاك الحيّز الزمني، الذي أشارت إليه هذه المقاربة التأويلية.
[3] ــ طبائع النساء
شكّل الحيّز السردي المكانيّ ــ المتمثل في محلات بيع أدوات التجميل والملابس النسائية ــ فضاءً، مكّن العاملات فيه من إسقاط عددٍ من الصفات والطبائع على النساء المترددات عليه. ذلك، هو ما تضمّنته إشارة سردية، وردت على لسان غالية؛ إذ تقول: “أستطيع أن أقول إنّ وقفتي الطويلة هنا علمتني أمورًا أكثر من غيري عن النساء”(4). تلك المعرفة، التي تصل إليها هؤلاء العاملات، من خلال تأملهُنّ في صور النساء، اللواتي يزرنَ المحلات التي يعملن فيها، والنظر في هيئاتهن، وتفضيلاتهن، ونوعيات مشترياتهن.
[3ــ1] ــ تفضيلات الحزينة والسعيدة
تتحدّث غالية عن استطاعتها الحكم على طبيعة المرأة الوجدانية، في حاليها: حزينةً كانت أو سعيدة. وذلك، من خلال النظر في نوعية ما تختاره من مشتريات، فتقول: إن “الحزينة منهن، وبدون قصد، ستختار عطرًا له رائحة أقرب للبهارات منها إلى الورود، تختاره خادشًا، عطر نصفه خشب يحترق، والنصف الآخر ماء. تختار طلاءً للأظافر مطفيًا بلا لمعة. تقتني ليديها كريمًا ذا رائحة هادئة، فاليدان مهمتان جدًّا لامرأة تشكو الوحدة. أما المرأة السعيدة منهن، فتريد أشياء كثيرة لا تدري ما هي: كُحل أسود، أزرق، أخضر… عطر بارد الرائحة أو دافئ. خليط ورد أوروبي، أو عطر شرقي معتق”(5).
[3ــ2] ــ أشكال ارتداء النقاب
التأمل في طريقة ارتداء المرأة لنقابها واحدٌ من سياقات الكشف عن طبيعة المرأة، لدى عاملات محلات الأغراض النسائية. ذلك هو ما تتحدث عنه أزهار إلى رنيم، حين تقول: “النقاب يشبه الأقنعة الأسطورية يا رنيم، فكل نقاب يخبر عن صاحبته شيئًا”(6).
وهنا تجد رنيم مجالًا يمّكنها من اختبار معايير أزهار. كما يُمكّنها من إسقاط تلك المعايير على طبائع النساء، اللواتي يدخلن إلى محل “سدرة”. لذلك، مضت في توجيه الأسئلة إلى أزهار، عن أنواع متعددة من طرق ارتداء النقاب. من مثل هذه الطريقة، التي تقول عنها: إنها متمثّلة في حال “سيدة يلامس طرفا النقاب من الأعلى والأسفل جفنيها، ها… هكذا… هاه، هاه، ولاحظي معي بالله عليك، حتى المسافة بين عينيها بالكاد تُرى، ولنقابها عقدة ظاهرة خلف الرأس، كحبة زيتون، ومن الضروري أن تكون بارزة”(7).
ثم تبدأ أزهار في سرد صفات هذا الصنف من النساء، ردًّا على رنيم، فتقول: “طبعًا مَن تعقد نقابها هكذا، لا يعنيها شكلها الخارجي، ولا رائحتها، ولا تضع العطور من الأساس، ولا تكترث كيف يبدو حاجباها، واللذان من المؤكد، أنهما مصبوغان بمشقر حواجب فاقع، فهذا النوع يكون دائمًا ضد النمص طبعًا، تصبغهما بدرجتين مختلفتين، فاتح جدًّا أسفل الحاجب على الشعرات القصيرة، داكن جدًّا على الحاجب نفسه، لتظهر رسمة الحاجب غامقة وواضحة، [من] دون سواها من الشعر هناك”(8).
وتضيف أيضًا صفاتٍ أخرى لهذا النمط النسائي، فتقول: “هذا النوع منهن يسير شارد الذهن، بسراويل داخلية مشجرة، ومريحة جدًّا ومرتخية، ويفكرن ماذا يطبخن للوجبة القادمة، وغالبًا يرتدين الجزم الرجالية السوداء، لأنها مريحة أكثر في المشي”(9).
[3ــ3]: صفات المرأة البيتية
قد لا تتأتى معرفة العاملة ــ في تلك المحلات ــ بطبيعة المرأة من التأمل في مشترياتها، ولا في نقابها، وإنما من التأمل في جسدها، وصفاته، وما تحيل عليه من طبائع. ذلك، هو ما تضمّنه حديث غالية إلى أزهار ورنيم، عن امرأة وطفلها، مرّا على المحل الذي تعمل فيه؛ إذ تشير إلى أنها لاحظت على يدي تلك المرأة ما يحيل على ارتباط حياتها بمنزلها؛ فتقول: “كانت يد الأم تؤكد، أن فحوى حياتها هو البيت ولا شيء سواه، تعرفن هذا طبعًا من أظافرها المشققة، ومن لون يديها الباهتتين”(10).
[3ــ4]: المُدقّق في القمصان النسائية
لأن محلات بيع الملابس النسائية ومواد التجميل مفتوحة للنساء، كما هي مفتوحة للرجال الراغبين في شراء شيء لنسائهم، فقد كان التأمل في أشكال هؤلاء من مسارات الوصول إلى معرفة طبيعة نسائهم وصفات بعض منهن. بل كان التأمل في الرجل الباحث عن قميص نسائي سبيلًا إلى تقدير عمر زوجته. يتجلّى ذلك، في جلسة جمعت رنيم وأزهار وغالية، ومما تطرقن إليه فيها، حديث غالية عن أحد مرتادي محل “غسق”، الذي تعمل فيه، وعن طلبه قميصًا نسائيًّا، بطريقة كان فيها يدقّق في تفاصيل طلبه. لفت هذا الأمر انتباه رنيم التي علقت على كلام غالية بالقول: “هذا النحيل الهرِم المسلول، كان يريد أن ترتدي زوجته ثيابًا تجعلها أصغر مما تبدو عليه؟”(11).
لاحظتْ رنيم على غالية وأزهار استغرابهما مما أشارت إليه، وشكّهما في أن يكون ما قالتْه صحيحًا، فأضافت مؤكدة بثقة ما ذهبت إليه: “أوهووو..!! هذا النوع الذي يدقق في أمر القمصان النسائية، يكون شكله على هذا النحو دائمًا، هذه قاعدة، أنا أعرف بهذا منكن!”(12).
لقد كان لسيرة المكان دور فاعل، في إثراء الرؤية السردية. من خلال تخصيبها بأثر خصوصية محلات بيع المستلزمات النسائية، في الكشف عن طبائع عددٍ من النساء اللواتي يصلن إليها. وذلك؛ استضاءةً بالتأمل في اختياراتهن، وأحوال وطرائق ارتدائهن للنقاب، وخصائص وصفات أجسادهن.
وعلى ما في طبائع النساء ــ التي أفضت إليها تأملات العاملات في هذه الأمكنة ــ من ارتباطٍ بطبيعة الشخصية الروائية، وتأملاتها وتجاربها في الحياة، على اختلاف مجالاتها، إلّا أن ذلك، لم ينل من قيمة توصيف طبائع النساء، بقدر ما قدّم إضاءةً لخصائص الذات النسوية، التي تختلف من امرأة إلى أخرى؛ باختلاف أحوالهن، التي تنعكس في أشكالهنّ، وسلوكياتهُنّ، ونوعية الأشياء التي يُداوِمن على اختيارها.


