الرمز الطبيعي في شعر البردوني إيحاءات المكان والزمن

الرمز الطبيعي في شعر البردوني: إيحاءات المكان والزمن

كيف وظف الشاعر عبد الله البردوني الرمز الطبيعي، في التعبير عن بعضٍ من مضامين تجربته الشعرية، من خلال إيحاءاته الزمنية والمكانية؟

الرمز الطبيعي في شعر البردوني: إيحاءات المكان والزمن

د. عبده منصور المحمودي

يشمل الرمز الشعريّ الطبيعي كلَّ ما يحيط بالشاعر من طبيعة حية، متمثلة في الإنسان، والحيوان، والنبات. وكذلك كل ما يحيط به، من طبيعة جامدة(1). ومنذ القديم دار جدلٌ واسعٌ حول سؤالٍ وضعه (هوراس)(2): هل القصيدة الناجحة نتاج الطبيعة أم الفن؟(3). ووصل الأمر إلى ذروته برؤية (إيبوليت تين)(4)، التي يقول فيها إن للتربة والمناخ تأثيرًا حتميًّا في إنتاج الأديب. ومن سياقات تأييد هذه الرؤية أن للبيئة أثرها الكبير على الشاعر مهما كان اتجاهه؛ إذ “لا غرابة في أن تؤثر مظاهر البيئة الطبيعية في خيال الشاعر أو أن يستوحي الفنان من البيئة الطبيعية آيات فنّه”(5).

اقرأ أيضًا: أنواع الرمز الشعري

ومن خلال تأمل الشعر الجاهلي ــ على سبيل المثال ــ يتّضح أن الشاعر فيه، قد حصر تجربته بالبيئة التي يعرفها، فأثّرت فيه، وجاء شعره زاخرًا بتصوير حركة رياحها، وحياة حيوانها، ونزول أمطارها(6). كما تقيّد بما يعرفه عن بيئته ــ تلك ــ فإذا حلّ ببيئة جديدة، كان تأثيرها بارزًا في شعره، من خلال ما يتضمّنه من صور الحياة والجماد السائدة فيها.

وفي هذا السياق، نجد أن التوظيف الرمزي في تجارب الشعراء العرب المعاصرين، قد تمثّل هذا النسق، من تأثير البيئة والطبيعة في التجربة الشعرية. وهو ما تجلّى في عددٍ من العناصر الطبيعية، الفاعلة في تشكيل الرمزية الطبيعية في القصيدة اليمنية المعاصرة. ومن سياقات هذا الرمز ــ في التجربة الشعرية اليمنية المعاصرة ــ ما قامت عليه اشتغالات الرمزية الطبيعية في شعر عبد الله البردوني. لا سيما ما يتعلق منها بمسارات استثمار تجربته الشعرية للرمز الطبيعي، في سياقيه المكاني والزمني.

رمزية المكان في شعر البردوني

من عناصر الرمزيّة المكانية، في تجربة الشاعر عبد الله البردوني، ما اتصّل منها بتوظيفه لرمزية القبر. كقوله مخاطبًا صديقه، وهو في قبره(7):

مُتَّ يومًا يا صديقي، وأنا ** كلَّ يومٍ والردى شربي وزادي

أنتَ في قبرٍ وحيدٍ هادئٍ ** أنا في قبريْن: جلدي وبلادي

جاء قبر الشاعر ـــ الذي لا يزال على قيد الحياة لحظة قوله هذين البيتين الشعريين ــ رمزًا ذا مسارين إيحائيين: الأول يرمز إلى جلد الشاعر، والثاني يرمز إلى بلاده. وقد تجلّت ــ من خلال إيحاءات هذه الرمزية ــ قسوةُ المأساة، التي عصفت بالشاعر، وتغلغلت في أصداء نفسه. تلك النفس المُعذّبة، التي غيّبها واقعها البائس، في قبرين: الأول (جلد الشاعر)، وما يلاقي فيه من عذابات يومية، وقهر وحرمان؛ فهو مقبور في داخله، لا هو منعم بالحرية، ولا هو مرفه بالحياة(8). والثاني (بلاده)، التي عبثت بها أيادي الجلادين، وسيوفهم، وسياطهم(9).

اقرأ أيضًا: الرمز التاريخي في الشعر اليمني المعاصر الحاضر في مشكاة الماضي

لقد جسدت رمزية القبر ــ في هذين المسارين الإيحائيين ــ مشاعر الحزن، التي تتوالد من الغربة النفسية. تلك الغربة، التي تعزل الذات عن الوجود المحيط بها؛ فتصير قبرًا لصاحبها، يعيش فيها نهايته وعذابه. وما هذه الصيرورة للذات قبرًا إلا امتدادٌ لصيرورةٍ أعم، تشمل بلاد الشاعر بمن فيها. وهي صيرورةٌ تحيلُ عليها رمزية القبر بالمعاني نفسها، مع عموميةٍ وشمولٍ في دلالاتها الإيحائية.

وبنى الشاعر رمزية القبر في صياغةٍ ممايزة بين القبر رمزًا والقبر حقيقة. بين رمزية القبر محتويًا الشاعرَ، وحقيقة القبر محتويًا صديقه؛ فأضفت هذه الصياغة جمالياتٍ فنية، جسدها تجاوز القبر رمزًا، في كثافة أحزانه وعذابه، لماهية القبر الحقيقي، الذي لم تبلغ معاناةُ مَنْ فيه ذروة الألم، التي انسحقت بها الذات الحية. تلك الذات المقبورة خارجه، في جلدها، وبلادها. كل ذلك، يحيل على شدة المعاناة، التي تصل بمشاعر الأحياء، إلى الإحساس بشقاوة الحياة، وسعادة الخلاص منها.

رمزية الزمن في شعر عبد الله البردوني

تمثل الأزمة اللامتناهية، بين الإنسان والزمن، انعكاسًا لعلاقة الارتباط الوجودي بينهما. وقد أبدى الإنسان اهتمامه بهذه العلاقة منذ القدم، فحاول تفسيرها؛ وفقًا للمستوى المعرفي السائد في كل مرحلة من مراحل نموه الفكري.

وتنتمي التجربة الإبداعية عمومًا، إلى التجربة الإنسانية؛ لذلك كان للزمن حضوره الفاعل فيها، فكان مكونًا من مكونات التجربة الإبداعية الشعرية. وتأسيسًا على هذا التواشج بين الزمن والتجربة؛ كان الزمن محورًا من محاور الرمز الطبيعي، في شعر عبد الله البردوني. من ذلك استخدامه للدُّجى؛ ليحيل به على عماه، في قوله(10):

كان الدجى يمتطي وجهي ويرتحلُ ** وكنتُ في أغنياتِ الصمتِ أغتسلُ

وكان يبحث عن رجليه في كتفي ** وكنتُ أبحث عن صخري وأحتملُ

وكان يهذي السكارى في عباءتهِ ** وتحتَ جلدي حيارى بالدم اكتحلوا

لقد جعل الشاعر ــ هنا ــ من الدجى المظلم رمزًا لمأساته في عماه. تلك المأساة، التي لا تفارقه، ولا تحل عنه، ولا يستطيع الفكاك منها. وفي ذلك إيحاءٌ بحدّة الشعور بالغربة النفسية، التي كان الابتلاء بالعمى سببها الرئيس؛ فكان الدجى معادلًا موضوعيًّا لهذه المأساة، التي وصلت بالشاعر إلى ذروة الإحساس بالغربة النفسية، الحائلة دون شعوره بالجانب السار من الحياة.

اقرأ أيضًا: الرمز في شعر شوقي شفيق

وبذلك تبلورت جماليات التوظيف لـ(الليل) ــ في هيئته الداجية ــ رمزًا لمعاناة الشاعر أحزانَ مأساته، التي فيها تتجلى عمومية ما يوحي إليه، والمتمثل في معاناة الوطن البائس عتمةَ واقعه المثخن بأحزانه المتنامية. ومن خلال هذا الشمول الإيحائي لـ(الزمن/ الرمز) تبلورت ــ أيضًا ــ القيم الجمالية، في توظيف الليل توظيفًا رمزيًّا لدى شعراء اليمن المعاصرين؛ إذ جعلوا منه رمزًا للواقع الاجتماعي، الذي غرق الوطن في أحزان بؤسه وشقائه.

وبمثل هذه النماذج ــ من تجربة الشاعر عبد الله البردوني ــ يتجلّى توظيفه، لبعضٍ من عناصر الرمزية الطبيعية، في استيعاب ما يختلج في نفسه من معانٍ شعرية، يحيل عليها، بما يستطيع تمثّله، من عناصر الطبيعة، ومظاهر الحياة والجماد فيها.

الهوامش والإحالات

([1]) ينظر: أحمد قاسم أسحم، “الرمز في الشعر اليمني المعاصر”. مكتبة أبي حامد، تعز، د.ت، ص: (48).

(2) هوراس Horace (65 ـــ 8 ق.م): شاعر روماني. يعتبر أحد أبرز الشعراء الغنائيين اللاتين. كان ابنَ عبدٍ مُعْتَق، وقد سطع نجمه في عهد الإمبراطور أغسطوس Augusrus (27ق.م ـــ 14م). في شعره بساطة حلوة. وهو أول من نظم القصيدة ode في الأدب اللاتيني؛ وقد أدار كثيرًا من قصائده على محور الحب والصداقة والفلسفة.

(3) ينظر: أحمد قاسم أسحم، “الرمز في الشعر اليمني المعاصر”. مرجع سابق، ص: (48).

(4) تين، هو: تين، إيبوليت أدولف Hippolyte Adolphe Taine (1828ـــ1893): مفكر وناقد ومؤرخ فرنسي. حاول أن يطبق المنهج العلمي في النقد والدراسات الجمالية والنفسية، وأكد أن جميع الظواهر الإنسانية وليدة عوامل ثلاثة: العِرق، والبيئة، واللحظة التاريخية. من أشهر آثاره: “تاريخ الأدب الإنكليزي” (عام1863).

(5) أحمد سيد محمد، “الشخصية المصرية في الأدبين الفاطمي والأيوبي”. دار المعارف، القاهرة، 1979م، ص: (13).

(6) ينظر: خالد الزواوي، “الصورة الفنية عند النابغة الذبياني”. ط1، مكتبة لبنان ـــ بيروت، الشركة المصرية العالمية لونجمان ـــ القاهرة، 1992م، ص: (3).

(7) عبد الله البردوني، “الأعمال الشعرية”. ط1، إصدارات الهيئة العامة للكتاب، صنعاء، 1423هـ ـ 2002م، جـ2/ ص: (1114).

(8) ينظر: وليد مشوح، “الصورة الشعرية عند البردوني”. ط1، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1996م، ص: (272).

(9) ينظر: عبد الله الدحملي، “عمق الحزن وكبر المأساة عند البردوني”. صحيفة 26سبتمبر، صنعاء، العدد: (1278)، 21 أغسطس 2006م، ص: (6).

(10) عبد الله البردوني، “الأعمال الشعرية”. مرجع سابق، جـ2/ ص: (978).  

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top