سردية الشك في رواية خطوات الأعمى
استهدفت رواية “خطوات الأعمى”(1) معالجة فكرة المعاناة، في حياة بعضٍ من المصابين بحال شكٍّ مرضيٍّ، تصطلح عليه دائرة الطب النفسي بـ”الوسواس القهري”. وقد قام تسريد هذه الفكرة على معالجة موضوع هذا المرض، في حياة شخصية العمل الرئيسة ليان، ومعها شخصية أسامة، ثم شخصية الراوي المشارك يوسف. وتجلّى الحيّز السردي المكانيّ مفتوحًا على فضاء عام، ظهرت بعضٌ من الأمكنة التفصيلية فيه. من مثل: الشارع، والمصحة، ومنزل ليان. وعلى ذلك، لم تظهر إحالة مباشرة عليه، عدا ما يمكن تأويله من خلال جملةٍ، ورد فيها لفظ “العاصمة”، الذي أحال بدوره ــ إحالةً تأويلية ــ على مدينة صنعاء. أمّا الزمن السردي، فلم تظهر إشارات إليه، باستثناء تضمين إشاراتٍ إلى أزمنة غير محددة بتاريخ معين، ارتبطت بفصول السنة، وبعضٍ من شهور السنة الميلادية.
حياة الشكّ القاسي
قدّمت الرواية شطرًا من حياة ليان، وبوجه خاص ذاك الذي عايشت فيه الشكّ المزمن، في صورة وسواسٍ قهري. كما قدّمت موقف أسرة ليان وزملائها من اضطرابها النفسي، مع ورود إشارات سردية إلى مهنتها، ودور هذه المهنة في تعافيها من عدمه.
من سياقات تسريد هذه المعاناة، ما أشارت فيه ليان إلى ماهية هذا المرض، وهيمنته التي تتصاعد في وعي الذات، بدءًا بتسلُّله إليها، حتى الاستحواذ على عقلها:
“الوسواس ليس فكرةً.
هو تسللٌ.
ثم اجتياح.
زحف بطيء
يخرّب المساحات النظيفة في الرأس”(2).
وعلى لسان ليان ــ أيضًا ــ وردتْ كثيرٌ من التفاصيل والمواقف، التي تتجلّى من خلالها طبيعة هذه المعاناة. من ذلك، ما تضمّن مقاربةً لعلاقتها مع الباب. تلك العلاقة القائمة على الشك الدائم في نظافة مقبضه:
“أنظر إلى مقبض الباب،
وأتخيّله:
كم يدًا لامسته قبلي؟
كم احتمالًا للعدوى يسكن بصماته؟
أركض إليه.
أرشّ عليه الماء والملح،
لأخدع رأسي ببعض الطمأنينة المؤقتة”(3).
مضت الرواية في تسريد حال ليان، وتكامُل وعيها بما هي عليه من اضطراب نفسي. وما أفضى إليه هذا الوعي من اتِّخاذها قرارَ التداوي، على يد واحدٍ من المختَصِّين في الطب النفسيّ. مرورًا بيأسها من العثور على من يتعاطى منهم معها، بوصفها إنسانًا يحتاج إلى تفهُّم حاله، ومراعاة ذاته المسحوقة بهذا البلاء. وصولًا إلى قرارها التوقُّف عن أية محاولةٍ في هذا المسار، واكتفائها بالقراءة ومداوة نفسها بنفسها.
غربة نفسية وشكٌّ محتدم
تمكّنت السياقات السردية، من الوصول إلى تشخيص حال ليان المرضية، وحاجتها إلى شخصٍ يتفهّم وضعها، ويأخذ بيدها إلى النجاة منه، فهي:
“بحاجة إلى وجود حقيقي،
إلى شخص يعترف بدوره،
ثم يقف إلى جوارها.
يجعل نجاتها أسهل”(4).
لكن هذا الوجود الحقيقي ــ الذي يحتاج إليه المصاب بهذا المرض ــ لا يمكن أن يتوافر إلّا في حال استيعاب أهله وزملائه خصوصية حاله. وهو ما لم تحظ به ليان؛ لذلك ربطت بين حالها ــ غير محاطة بمن يعتني بها ــ ودلالة صفة القهر في هذا المرض (الوسواس القهري)؛ إذ تتجاوز لديها هذه الصفة دلالتها النفسية ــ على المرض وطبيعته التي تقهر المصاب فلا يجد طريقًا إلى النجاة منه ــ إلى الدلالة على حال ليان، المقهورة بغربتها في أسرتها ومحيطها الاجتماعي. ذلك هو ما تضمّنه حديثُها، عن انسحاق المصاب بقسوة الوسواس المرضي، ثم انسحاقه بالقهر، تقول:
“القهر، وهو وسواس أكثر قسوة:
أين أهلك؟
أين أمك؟
أين اليد التي وُعْدِتَ بها؟
أين الأبوة؟
أين الأصدقاء؟
لا أحد”(5).
وعلى ما في هذه الإشارة من إحالة على تعدد العوامل الفاعلة في هذا القهر، إلّا أنه يتمحور ــ بدرجة رئيسة ــ في سلوك أفراد أسرة ليان معها؛ إذ لم تجد مهم من يعتني بها، أو يبدي أية محاولة في إنقاذها. يبدأ هذا السلوك الأسري القاسي، من علاقة ليان مع أمها، التي تخلّت عنها لصالح أختها:
“كانت تعاملها برقةٍ كاملة، بلا شروطٍ، بلا حساب.
أما أنا، فكنت تحت المراقبة الدائمة.
العقاب حاضر دائمًا، حتى حين لا أفعل شيئًا.
وأختي؟ تفعل ما تشاء، وتمضي،ربما لأنها تشبهها”(6).
وهنا، يقدم السياق السردي تأويلًا تفسيريًّا، لهذه المفارقة في علاقة الأم مع ابنتيها. واحتفائها بإحداهما الأكثر شبهًا بها، متخلّيَةً عن الأخرى الأشبه بأبيها:
“قالتها وهي لا تنظر في عينيّ.
كأن الجملة حكمًا نهائيًّا.
“أنت تشبهين أباكِ””(7).
وعلى ما في هذا التأويل من خيوط موضوعيةٍ، إلّا أن الأمر عائدٌ إلى طبيعة الأم باردة الأمومة، وهو ما تؤكّده ليان مشيرة إليه بالقول:
“حين أقترب منها الآن، لا أجد أمًّا. أجد امرأة.
نظرتها باردة. لمسَتُها بلا حرارة”(8).
وفي سياق تشكيل الشخصية الرئيسة ــ بعناصر فاعلة في تعزيز إصابتها المرضية ــ يأتي طلاق الأم عنصرًا محوريًّا في إذكاء هذه الإصابة:
“طلق والدي أمي. لم يكن انفصالًا، كان انكسارًا
لبيتٍ كنت أظنه ثابتًا. بعد ذلك، تنازلت أمي عني وعن
أختي لأبي”(9).
وهنا يبلغ شعور الفتاة بالغربة النفسية مستوى بعيدًا، زاد من قسوته مغادرة أمها، التي حلّت محلها امرأة أخرى زوجة لأبيها:
“زواج أبي لم يكن خبرًا، كان اهتزازًا طويلًا في البيت.
شيئًا تصدّع في أمي، وانتقل صداه إليّ”(10).
لم يكن ذاك الصدى سوى مزيدٍ من معاناة الشك النفسي، الذي بدأت أعراضه تظهر على الفتاة. كما بدأ إحساسها بجفاف عاطفة أبيها نحوها؛ إذ اكتفى بالقول لها جملة واحدة: “خذي الدواء، كل شيء سيكون بخير”(11). فتعلّق على هذه الجملة بما يناقض معناها:
“لم يكن بخير.
جلستُ قربه،
أبحث عن دفء
لم يعد يعرف كيف يُمنح”(12).
لم يقف جفاف عاطفة الأب عند حرمانه لها من دفئه، بل امتدّ إلى تماديه في ضربها بقسوةٍ وإهانة دمّرت ذاتها:
“يد أبي كانت أسرع من صوته.
الضرب لم يكن موجعًا بقدر ما كان مهينًا.
أمام إخوتي، أمام أعينهم المتسعة، وصمتهم المرتبك،
وأسئلتهم التي ظلت معلقة في الهواء”(13).
وبمعية قسوة الأب تأتي قسوة زوجته، على صور متنوعة. منها تشكيك هذه الزوجة في حال ليان:
“زوجته قالتها بوضوح قاسٍ:
“أنت تمثّلين… فقط لتلفتي الانتباه””(14).
ومن تلك الصور، ما عمل على تعزيز غربة الفتاة؛ إذ حذرت تلك الزوجة أولادها من الاقتراب منها:
“”لا أحد يقترب منها”.
اختفوا. واحدًا تلو الآخر. صرتُ وحدي. شيئًا لا يُلمس. اسمًا يُتجنّب. تحمّلت الخوف. الوساوس. الليل.
البيت حين يتحوّل إلى ساحة عزلة يصبح الألم مضاعفًا”(15).
وكذلك هو الأمر في قسوة زوجة الأب، التي تجلّت في سياقٍ من الانتقال بتعذيب ليان من البيت إلى خارجه، والحديث عن حالها مع كل من يتساءل عن أمرها:
“كانت تقولها أمام الآخرين بنبرة باردة:
“عندها وسواس”
الكلمة كانت تُلقى عليّ كوصمة
كأن المرض شتيمة”(16).
كل هذه التفاصيل، وصلت بليان إلى أعلى مستوى من العذاب والمعاناة، فقررت البحث عن ملاذ آخر في حضن أمها، التي انتقلت إلى بيت أهلها بعد طلاقها، لكنها انصدمت بجفافٍ يتشاركه أفراد أسرتها كلهم:
“هربتُ من بيت والدي وزوجته. ذهبت إلى بيت جدي، إلى أمي. ظننت أنني وجدت ملاذًا لكن حضن الأم لم يكن حضنًا. كان وجودًا بلا دفء. كلماتها كانت أشد من المرض”(17).
ثم تعرج السياقات السردية على بيئة عمل ليان، فتستوعب بعضًا من صور التعاطي معها. منها ما انطوى على نوعٍ من الرأفة بها، والتفهُّم لحالها، من مثل ما لمسته في معاملة زميلتها غِنى:
“في العمل
لم يكن الجميع قساة.
كانت هناك “غِنَى”
لم تسألني كثيرًا.
لم تحللني.
لم تشفق”(18).
كما لمست الإحساس نفسه، في علاقتها مع زميلتها الأخرى آية؛ إذ تقول عنها:
“في البداية، كانت آية إلى جانبي. صديقتي التي تفهمني. دون شرح. كانت تأتي من بعيد، تسحبني من رأسي، تقول: أنت بخير
لا تصدقي ما يقوله المرض”(19).
مُتشاركة الألم مع مرضاها
ضمن آلية الاشتغال على المفارقة في تسريد حال ليان، تأتي العلاقة بين مرضها وعملها في القطاع الصحي، الذي بدأ في حياتها “منذ وقت مبكر”(20)؛ إذ روت بعضًا من المواقف التي مرت بها، وهي تداوي بعض مرضاها، مُقدِّمةً لهم الرعاية اللازمة، متفهّمةً أحوالهم وخصوصية حياتهم، متشاركة مع بعضٍ منهم الألم نفسه والمعاناة نفسها. من ذلك موقف توافقت فيه حال شكّها في نظافة اليدين ــ وفي إغلاق الباب من عدمه ــ مع مريضٍ تحدث معها عن معاناته، فقال:
“أغسل يديّ خمسين مرة في اليوم. أعد خطواتي. ولا أنام حتى أعود مرارًا لأتأكد أن الباب مغلق”(21).
وعلى ما كانت تُقدِّمه ليان ــ من رعاية ودعم نفسي لمرضاها ــ إلّا أنها لم تستطع أن تمنح نفسها بعضًا مما يجدونه لديها. تقول عن ذلك:
“أنا أتألم. ليس كما يتألم الآخرون. هذا الألم يسكن الروح. في مكانٍ لا تصل إليه الأشعة، ولا تبلغه يد. أعرف التشخيص. أعرف مسارات الأعصاب. أعرف متى يُعطى الدواء ومتى يُمنع. وحين أقف أمام نفسي، أقف عاجزة. أدرس ألمي كما يدرس الجراح نسيجًا مفتوحًا. أعود لطفولتي. للوراثة. للتفاصيل. ولا أجد إلّا المرايا”(22). فإن كان مرضاها يحظون عندها بتشخيص أمراضهم، فإن حالها لا مكان لها بينهم: “أشخص الآخرين بدقة، وأمر على نفسي كما لوكنت حالة مؤجلة”(23).
وإذا كان هذا النجاح في ميدانها العملي قد قابله فشلٌ في تخصيص بعض منه لنفسها، إلّا أنه قد وصل بها ــ فيما بعد ــ إلى ما لم تستطع الوصول إليه طيلة حياتها؛ إذ سمعت من أحد مرضاها تفاصيل تجربته مع المرض، وإيمانه بذاته وبقدرته على التعافي الذاتي، فوجدت في كلامه ما حفّزها على السير في الطريق نفسه؛ إذ آمنت بذاتها وبما تمتلكه من عزيمة على التعافي، الذي سرعان ما بدأت تلمسه يدبُّ فيها، فاتحًا لها باب السفر إلى خارج البلد؛ لاستكمال تعليمها في إحدى جامعات الولايات المتحدة الأمريكية.
شكّ أسامة
أفضت رغبة السارد (الراوي/ يوسف) في إثراء تفاصيل الكتابة السردية، إلى تواصله مع أسامة (صحفي حلقة البودكاست). كانت رغبة يوسف مقصورةً على الوصول إلى بعضٍ من تفاصيل حكاية ليان. لكنه فوجئ بأنه أمام حكاية مماثلة، متعلقة بأسامة نفسه، متحدثًا في رسالته إلى يوسف بالقول:
“إن رغبت، يمكنني أن أشاركك تجربة شخصية، قريبة من تجربة ليان”(24).
وبذلك، انفتح هذا العمل السردي على قصة أسامة، فتضمّن بعضًا من تفاصيلها، التي وردت على لسان أسامة نفسه، الذي كان يميل إلى القراءة في أدبيات هذا المرض، حتى فوجئ بأنه مصاب به، يقول:
“لم أكن أعرف، وأنا أقرأ،
أنني لا أتعلم عن المرض،
كنت أتهيّأ للاعتراف به”(25).
ثم يمضي العمل في تسريد بعضٍ من تفاصيل معاناة أسامة، الذي أشار إلى غربته النفسية؛ فهو “الغريب بين إخوة لا يشبهونه”(26). وهو من يقسو عليه أبوه، إذ يقول عن ذلك: “والدي كان يضربني، كأن وجودي خطأ زائد”(27). كما كان هذا الأب أكثر قسوة، في عدم تفهُّمه حال ابنه المريض، صارخًا في وجهه: “بطل دلع!” (28).
وهنا يتجلّى التشابُه، بين حالي (ليان/ وأسامة)، في قسوة الأهل، وسخط الأب من حال طفلٍ لا ذنب له فيما أًصيب به. كما نجد هذا التشابه ممتدًا إلى واحدة من الأحوال، التي كشفت عن إشكالية هذا المرض في حياتيهما. تلك الحال المتمثّلة في شكوك إغلاق الباب من عدمه، التي أشار إليها أسامة، فقال عنها:
“كنت أدخل من الباب نفسه
ثم أخرج.
وأعود.
ألمس المقبض.
أعد النفس.
أقنع نفسي أن كل شيء كما ينبغي.
ولا شيء يثبت ذلك”(29).
تنوّعت السياقات السردية، التي قدّم من خلالها هذا العمل، حال الاضطراب النفسي، المتمثّلة في الشك المرضي، وتداعياتها في حياة المصاب بها، ودور المحيط الأسري والاجتماعي في تعزيزها أو الحد منها. ومن خلال ذلك كله، تتبلور رؤية تشخيصية للعوامل الفاعلة، في تأزيم حياة المُصاب باضطراب الوسواس القهري. لا سيما ما يتعلق منها بعلاقة الأسرة والمجتمع مع هذه الحال. يشير أسامة إلى ذلك، فيقول:
“حين أشعر أنني محبوب…
يتوقف كل شيء.
الوسواس يختفي”(30).
وبذلك، يأتي الحبُّ وتفهُّم الحال المرضية في صدارة أنساق المعالجة الفاعلة في تجاوز المرض. ذلك؛ لأن النبذ الأسري، وتعنيف المصاب، وتجاهله، والتقليل من خطورة شأنه، سلوكيات فاعلة في المضي به إلى مزيدٍ من المعاناة. ومن خلال ربط السياقات السردية بهذا النسق العلاجي، تتشكل الرؤية السردية في أحوال الشك المرضية والاضطرابات النفسية المختلفة، بوصفها أمراضًا قابلةً للتعافي منها، فيما لو حظي أصحابُها بما يعمل على تشافيهم. لا سيما ما يجب أن يلمسه هؤلاء من رقّة المعاملة الأسرية والاجتماعية، كونها الأرضية الصلبة التي تستند إليها مسارات إنقاذهم، وسُبُل نجاتهم من أزماتهم النفسية، بل وأزماتهم وأحوالهم غير النفسية، المتصلة بمجالات الحياة المختلفة.
- نجيب التركي، “خطوات الأعمى”. ط1، دار الكتب اليمنية، القاهرة، 2026م. ↩︎
- نفسه، ص169. ↩︎
- نفسه، ص108. ↩︎
- نفسه، ص106،105. ↩︎
- نفسه، ص170. ↩︎
- نفسه، ص132. ↩︎
- نفسه، ص136. ↩︎
- نفسه، ص173. ↩︎
- نفسه، ص131. ↩︎
- نفسه، ص172. ↩︎
- نفسه، ص39. ↩︎
- نفسه. ↩︎
- نفسه، ص137. ↩︎
- نفسه، ص39. ↩︎
- نفسه، ص85. ↩︎
- نفسه، ص139. ↩︎
- نفسه، ص167. ↩︎
- نفسه، ص41،40. ↩︎
- نفسه، ص167. ↩︎
- نفسه، ص27. ↩︎
- نفسه، ص165. ↩︎
- نفسه، ص169. ↩︎
- نفسه، ص197. ↩︎
- نفسه، ص46. ↩︎
- نفسه، ص50. ↩︎
- نفسه، ص51. ↩︎
- نفسه. ↩︎
- نفسه، ص88. ↩︎
- نفسه، ص61. ↩︎
- نفسه، ص89. ↩︎


