تقنية الكتابة بأسماء مستعارة

تقنية الكتابة بأسماء مستعارة

من خلال الاستئناس بتقنية الكتابة بأسماء مستعارة، يتمكّن الكُتّاب من التعبير عن رؤاهم، تحاشيًا للوقوع في بعض المحاذير السائدة في مجتمعاتهم.

تقنية الكتابة بأسماء مستعارة

د. عبده منصور المحمودي

تقنية الكتابة بأسماء مستعارة، لم تكن في الرؤية القديمة من أنساق الإعلام وأساليبه(1). لكن الأمر اختلف في العصر الحديث؛ إذ صارت هذه التقنية واحدة من وسائل التعبير والكتابة فيه. ومثلها تقنيتا: الاستئناس بعناوين مؤلفات مستعارة، أو مضامين مستعارة.

[1] ــ أغراض الكتابة بأسماء مستعارة

تتمحور أغراض الكتابة بأسماء مستعارة، في سياقين اثنين، يتمثّل الأول في أن يريد الكاتب من خلالها، أن يعبر عن أفكارٍ يتحاشى أن تنسب إليه؛ لموانع اجتماعية وغير اجتماعية. لاسيما في الأعمال الإبداعية، التي لا يريد الكاتب أن تؤوَّلَ فيها الأفكار تأويلًا شخصيًّا مرتبطًا بحياته. لذلك؛ يلجأ الكُتّابُ إلى الأسماء المستعارة؛ للتعبير عما يريدون. تقول الكاتبة نادية الكوكباني عن ذلك: “الاسم المستعار هو الحل، لأقول ما أريد وأكتب كل ما يخطر على بالي، [من] دون خوفٍ من تلك النظرة التي قد لا تهتم بي ككاتبة وتتجاهل إبداعي وتهتم بتأويل السطور وما وراء السطور”(2).

أمّا السياق الثاني، فيتمثّل في أن يستأنس الكاتب بتقنية الكتابة بأسماء مستعارة؛ لغاية أدبية جمالية خالصة، نابعة من رؤى الكاتب وفلسفته الخاصة، في تعامله مع الفن والإبداع. لذلك؛ يكتب تحت اسمٍ مستعارٍ، فترةً زمنيّةً محددة. ثم يظهر ــ بعد ذلك ــ باسمه الحقيقي.

[2] ــ عباس السوسوة وتقنية الكتابة بأسماء مستعارة

من نماذج تقنية الكتابة بأسماء مستعارة، ما يتجلى نسقًا أسلوبيًّا في بعضٍ من كتابات الأستاذ الدكتور عباس السوسوة. لا سميا ما ورد من ذلك، في كتابه “شرح المشعططات السبع”، من أقول وأفكار منسوبة إلى أسماء أعلامٍ مستعارة؛ فمن العتبة الأولى، يأتي مؤلف الكتاب اسمًا مستعارًا. ثم ترد  في المتن عددٌ من  أسماء الأعلام المستعارة.

[2ــ1] ــ الشيخ أبو هاشم ضياء الدين بن جمال الذماري

هذا اسمٌ مستعارٌ. استعاره السوسوة، ونسب إليه تأليفَ كتاب “شرح المشعططات  السبع”؛ إذ وردت تحت عنوانه العبارة: “تأليف الشيخ الأجل ضياء الدين بن جمال الذماري”. وبعدها العبارة: “تحقيق وتعليق عباس علي السوسوة”، على اعتبار السوسوة محققاً فحسب. ولذلك؛ استهل الكتاب بمقدمتين: الأولى، “مقدمة المحقق”(3)، والثانية “مقدمة المؤلف”(4).

وإذا كان من الكُتَّاب والمؤلفين في العصر الحديث، مَنْ يبدأ نشره باسمٍ مستعار، ولا يفصح عن نفسه إلا فيما بعد، فإن السوسوة في هذا الكتاب، قد أفصح عن نفسه في الكتاب نفسه؛ يقول في مقدمة المحقق:

“اسم المؤلف: الشيخ أبو هاشم ضياء الدين بن جمال الذماري، اسم مستعار إمعانًا في السخرية. وإن كان يتضح من خلال الشرح أنه معاصر لنا فهو يتحدث عن رونالد ريجان ومحمود الخطيب وغيرهما من المعاصرين”(5).

وبذلك؛ فالسوسوة هو المؤلف الحقيقي للكتاب، وليس المحقق فقط. وكان قد صَنَّفَ هذا الكتاب قبل ما يزيد عن عقدين من الزمن، وطُبعَ ووُزِّعَ توزيعًا محدودًا. يقول عن ذلك، في مقدمة التحقيق نفسها:

“النص موجود مطبوعًا طبعة سقيمة على الآلة الكاتبة في القاهرة عام 1986م = 1406هـ،  ووزع توزيعًا محدودًا على بعض أصدقاء المؤلف. والمحقق أبقى النص كما هو وإن حرر جملة من أخطاء الناسخ، وجعل قواعد كتابته كما ارتضاها المحققون المحدثون. وقام بعمل بعض الهوامش التوضيحية وقام بتقطيع المشعططات عروضيًّا حتى يسهل على كل قارئ أن يقرأها”(6).

لقد كانت الطبعة الأولى ــ من هذا الكتاب ــ سقيمة، لذلك كان تحقيق السوسوة تحقيقًا لهذه الطبعة، وإصلاحًا لما فيها؛ ليأتي الكتاب في طبعته الحالية أكثر دقة ووضوحًا. وقد اعتبر السوسوة الطبعة الأولى هي مخطوطة الكتاب؛ لذلك كانت الطبعة الحالية، هي الطبعة الأولى، بحسب ما ورد في بيانات نشر الكتاب(7).

[2ــ2] ــ أبو هاشم، ونسق الشروحات القديمة

ذهب هذا الاسم المستعار (أبو هاشم) ــ في شرحه لمشعططات الكتاب ــ مذهب شروح الشعر القديم، مُوْرِدًا أفكاره ورؤاه، وأقوالًا لغيره، وتعليقاته، وغير ذلك مما يفعله الشارحون للشعر القديم.

ومن ذلك، ما جاء في حديثه عن تسمية الشيء القبيح بغير اسمه الحقيقي، تعليقًا على الأداء السينمائي والمسرحي العربي:

“قال أبو هاشم: وعندي أن ذلك من البعد عن تسمية الشيء القبيح باسمه الحقيقي وتسميته بشيءٍ لا يثير في الذهن ما يثيره المسمى الحقيقي”(8).

وعلى هذا المنوال، أورد السوسوة كثيرًا مما يريد قوله في هذا الكتاب. على لسان هذا الاسم المستعار. إما بكنيته ــ وهو الغالب ــ فيقول: “قال أبو هاشم” ، وإمّا باسمه، فيقول “قال الشيخ ضياء الدين”.

[2ــ3] ــ أسماء مستعارة على لسان أبي هاشم

على لسان اسم المؤلف المستعار (أبو هاشم)، وردت أسماء أعلامٍ مستعارة في شرحه لمشعططات الكتاب. وما ينسب إلى هذه الأسماء المستعارة، هو في الحقيقة للسوسوة. وبذلك؛ تكون في المرتبة الثانية، بعد اسم المؤلف المستعار، وجميعها تعبر عما يريد السوسوة قوله.

[2ــ31] ــ (كارل بن مرقص)

من ذلك، الاسم المستعار (كارل بن مرقص)، الوارد في شرح الشطر: “والنَّجارْ يشْتي لَبَنْ”(9)، من المشعططة الخامسة؛ إذ يقول الشارح: “وقال (كارل بن مرقص) بل إن المقصود من ذلك كله…”(10).

والمُلاحَظ أن هذا الاسم المستعار مركبٌ من اسمين: عربي، وأعجمي. فالاسم الأول (كارل)، اسم أعجمي، غير عربي. والاسم الثاني، (مرقص)، اسم عربي، وإن كان غير متداول بكثرة.

وهناك نوعٌ من الارتباط بين مضمون الحديث عن نظريةٍ نقديةٍ معاصرة ــ نظرية الانعكاس ــ واسم مَنْ يتحدث بهذا المضمون (كارل)، غير العربي. ومن المتعارف عليه أن هذه النظرية متأتية في الثقافة العربية؛ بفعل تأثير التلاقح الثقافي مع الآخر. و(كارل) فردٌ من مجتمع هذا الآخر، بل الراجح أن المقصود بهذا الاسم، هو صاحب الفلسفة الاشتراكية التي تستند إليها هذه النظرية، فهو أكثر دراية بهذه النظرية النقدية؛ لذلك تقدم اسمه على الاسم العربي، كما كان رأيه حاسمًا للخلاف القائم حول المقصود من (اللبن)، الذي يريده (النجار)، في هذا الشطر من المشعططة.

[2ــ3ــ2] ــ مسعود بن برجوان

ومثل ذاك الاسم ــ المركب من اسمين: عربي وأعجمي ــ هو الاسم المستعار، الوارد ضمن شرح الشطر: “بالمشدة والقبوع”(11)، من المشعططة نفسها؛ إذ يقول الشارح:

“قال مسعود بن برجوان: ويقال قبع فلان صلاته: إذا أداها بخفة”(12).

وقد تقدّم ــ هنا ــ الاسم العربي (مسعود) على الاسم الأعجمي (برجوان)؛ لأن مضمون القول جاء بلهجةٍ من لهجات المحكية العربية. بينما اختلف الأمر مع الاسم المستعار (كارل بن مرقص)؛ إذ تقدم الاسم الأعجمي على الاسم العربي؛ لأن مضمون القول نظرية نقدية، ليست من مكونات ثقافة الاسم العربي (مرقص)، وإنما من مكونات ثقافة الاسم الأعجمي (كارل)، لذلك تقدم الاسم الأعجمي على الاسم العربي. وإن كان المؤلف لا يقصد ذلك؛ إلا أن ورود هذين الاسمين المستعارين، مع مضمون قوليهما بهذه الطريقة، فيه مجالٌ للحديث عن ذلك.

[2ــ4] ــ أسماء مستعارة منسوبة إلى أسماء مناطق يمنية

من الأسماء المستعارة ــ الواردة في كتاب “شرح المشعططات السبع” ــ أسماء منسوبة إلى أسماء مناطق يمنية. من مثل ما ورد في شرح الشطر: “من الجَنيبْ جنيبةْ”(13)، من مشعططة الكتاب الثانية. إذ إن هذا الشطر ــ  في شرح الشارح ــ من المشكل الشعري، الذي حارت فيه الظنون، لذلك يورد شيئًا مما قيل فيه، فيقول:

“قال الحوباني(14): الجنيب أصابته الجنابة ووجب عليه الغسل، وقال الخولاني(15): الجنيب الذي يقف بسيارته (على جنب)(16) حـين يطلب  الشرطي  ذلك. ليأخذ (حق ابن هادي)(17) وقال اليريمي(18): الجنيب الحيوان الذي يمشي على جنبه وليس له قوائم”(19).

هذه الأقوال المختلفة في ذاك المُشْكَل، لا تدل على معنىً واضح؛ فالشطر من المشكل الشعري فعلًا؛ إذ شُرحَ من خلالها الشطر الشعري بطريقةٍ ساخرة، فترتبط دلالته بمصطلح فقهي (الجنابة) عند الحوباني. وعند اليريمي، كانت الدلالة على حيوانٍ غريب، يمشي على جانبه؛ لعدم امتلاكه قوائم يسير عليها.

وعلى لسان الخولاني، جاء الشرح لهذا البيت مرتبطًا بظاهرةٍ سائدةٍ بين بعض (أفراد شرطة المرور)، الذين يحاولون بأية طريقةٍ الحصول على الرشوة من السائقين، متخذين من العبارة: “على جنب”سبيلًا للإلماح بذلك؛ فكان شرح الخولاني شرحًا متضمنًا سخريةً مِنْ أمثال هؤلاء، الذين يُناطُ بهم تنظيم حركة السير، لا عرقلتها.

ويمكن القول إن ظاهرة الرشوة ــ هذه ــ غير مقصورةٍ على هذا الصنف من الناس، بل وجدت طريقها إلى كثيرٍ من المعاملات؛ إذ يقول السوسوة في شرح الشطر: “لابن الهادي”(20)، من المشعططة السابعة، ساخرًا من هذه الظاهرة:

“ابن هادي رمز للرشوة في اليمن، استغفر الله بل الدمغة التي لا ينصلح بدونها عمل”(21).

[2ــ5] ــ منصور علي جعلل

إذا كانت هذه الأسماء المستعارة ــ التي لا وجود لها في الواقع، وأراد السوسوة الإتيان بها، معبرًا من خلالها عما يريد ــ فإنه في المرحلة الثانوية من دراسته، قد أُطْلِقَ عليه اسمٌ مستعارٌ بغير إرادته. يقول عن ذلك، في إطار حديثه عن المرحلة الثانوية من دراسته:

“في آخر الإعدادية وأول المرحلة الثانوية، كان هناك مكتبة “المركز الثقافي العراقي”، قرأت فيها كتبًا كثيرة… وهناك سُمِّيتُ باسم: “منصور علي جعلل””(22).

وهذا الاسم ليس اسمًا وهميًّا، بل هو اسمٌ حقيقيٌّ، له وجوده في الواقع، فهو اسمُ شخصٍ، من سكان الحارة التي كانت تسكن فيها عائلة السوسوة آنذاك(23). كما أن هذا الشخص واحدٌ من المشاهدين، الذين شملهم التحقيق الصحفي لصحيفة “26 سبتمبر”: “التلفزيون والناس”، الذي أجراه السوسوة؛ إذ ورد فيه أن “منصور علي جعلل (50سنة) ومكرد عبد الحميد (34سنة)”(24) وغيرهم، يتفقون مع مَنْ يقترح تأخير بث برامج الأطفال التلفزيونية، إلى بعد المغرب؛ حتى لا يحرم أطفالُ الريف من مشاهدتها؛ لأن الكهرباء في المناطق الريفية لا تضاءُ إلا بعد المغرب(25).

وبذلك، كانت أسماء الأعلام المستعارة مجالًا من مجالات الاستعارة عند الدكتور عباس السوسوة؛ إذ أورد عددًا من هذه الأسماء، معبرًا على لسانها عن أفكارٍ ورؤى، وناقلًا معلوماتٍ وحقائق، وساخرًا من ظواهر لا تتسق مع المأمول الاجتماعي وغير الاجتماعي. وكل ذلك، بثوبٍ أدبيٍّ ساخرٍ، مثيرٍ للفكاهة والضحك.


  1. الزنجاني (عبد الوهاب بن إبراهيم بن عبد الوهاب الخزرجي)، “معيار النظار في علوم الأشعار”. تحقيق ودراسة وشرح: محمد علي رزق الخفاجي. دار المعارف، القاهرة، د.ت، ص: (29). ↩︎
  2. نادية الكوكباني، “باتجاهٍ أكثر استدارة”. مجلة غيمان، صنعاء، العدد (6)، شتاء 2008م،  ص: (200،199). ↩︎
  3. ضياء الدين بن جمال الذماري، “شرح المشعططات السبع”. تحقيق وتعليق: عباس علي السوسوة. ط1، مركز عبادي للدراسات والنشر، صنعاء، 1428هـ ـ 2007م، ص: (8،7). ↩︎
  4. نفسه، ص: (10،9). ↩︎
  5. نفسه، ص: (8). ↩︎
  6. نفسه. ↩︎
  7. نفسه، ص: (4). ↩︎
  8. نفسه، ص: (24،23). ↩︎
  9. نفسه، ص: (78). ↩︎
  10. نفسه،. ↩︎
  11. نفسه، ص: (88). ↩︎
  12. نفسه، ص: (89). ↩︎
  13. نفسه، ص: (30). ↩︎
  14. الحوباني: نسبة إلى الحوبان. والحوبان: هو القاع والهضاب الواقعة شرقي مدينة تعز. ↩︎
  15. الخولاني: نسبة إلى قبيلة خولان، أو إلى مديرية خولان؛ فخولان من القبائل اليمنية الكبرى، وهي ثلاثة اقسام: خولان الطيال، وخولان بن عامر، وقضاعة. وخولان، أيضًا، مركز إداري من أعمال مدينة حجة. ↩︎
  16. “على جنب”: عبارة تقال للسائق، حينما يُراد منه التوقف القصير. ومعناها: قف وقوفًا محاذيًا للطريق. ↩︎
  17. “حق بن هادي”: كناية عن الرشوة في المحكية اليمنية. ↩︎
  18. اليريمي: نسبة إلى يريم. ويريم: مدينة في قاع الحقل ما بين “ذمار” و”إب”، وهي مدينة مشهورة من أرض يحصب، وتقع بين جبلين، أحدهما جبل “يُصبح”، الذي يطل عليها من ناحية الشمال الشرقي. والآخر هو جبل “شَرْبُوب”، من الجنوب الغربي. وهي تابعة في أعمالها لمحافظة “إب”. ↩︎
  19. ضياء الدين الذماري، “شرح المشعططات السبع”. مرجع سابق، ص: (30). ↩︎
  20. نفسه، ص: (112). ↩︎
  21. نفسه. ↩︎
  22. من المقابلة التي أجراها معه الكاتب، في منزله بمدينة تعز، الأربعاء: 11 ربيع الأول 1429هـ ـ 19 مارس 2008م. ↩︎
  23. نفسه. ↩︎
  24. عباس علي السوسوة، “التلفزيون والناس”. صحيفة 26سبتمبر، صنعاء، العدد (392)، 10 رمضان 1410هـ ـ 5 إبريل 1990م، ص: (9). ↩︎
  25. نفسه. ↩︎

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top