ليلة الحناء في رواية آشا الجعران والقمر للكاتبة سمر نور

ليلة الحناء في رواية آشا الجعران والقمر للكاتبة سمر نور

تجلّى في رواية آشا الجعران والقمر، نوعٌ من المركزية السردية للثقافة الشعبية، كمركزية الحكاية والأسطورة وأبعاد مختلفة من الموورث الشعبيّ.

ليلة الحناء في رواية آشا الجعران والقمر للكاتبة سمر نور

د. عبده منصور المحمودي

في روايتها آشا الجعران والقمر(1) ــ الفائزة بجائزة كتارا للرواية العربية 2026، الدورة الثانية عشرة، فئة الروايات العربية المنشورة ــ تعاطت الكاتبة المصرية سمر نور، مع سياقات مختلفة من الموروث الشعبيّ والأسطوري، في قرية “الشباك”، إحدى قرى النوبة جنوب جمهورية مصر العربية.

ومن أبرز خصائص آلية التعاطي السرديّ مع ذاك الموروث ــ في هذا العمل ــ ما أضفى عليه نسقًا من المركزية السرديًّة، التي تجلّت في مركزية  الحكاية والأسطورة الشعبية. كما تجلّت في الاستئناس، بأبعادٍ مختلفة من الثقافة الشعبية، السائدة في المحيط الاجتماعي. ذاك المحيط، الذي استند إليه تأطيرُ الحيّز السرديّ في رواية آشا الجعران والقمر، سواء في حيّزه المكاني المقصور على تلك القرية النوبية “الشباك”، أو حيّزه الزمني المنتمي إلى النصف الأول من القرن التاسع عشر.

هذه المركزية السرديّة ــ التي قام عليها حضور الثقافة الشعبية في هذه الرواية ــ هو ما سأقف عليه في هذه المقاربة النقدية التحليلية، في محورين: يتعلّق الأول منهما بسردية المشكلة ومركزية الحكاية الأسطورية، والآخر بسردية ليلة الحنّاء.

أولًا: سردية المشكلة ومركزية الحكاية

قرية بلا ذكور

تمحور موضوع الرواية، في تلك المشكلة الاجتماعية، التي تمثّلت في قصر القدرات الإنجابية لدى سكان قرية الشباك على الإناث من غير الذكور؛ عقابًا على ما أقدم عليه حكيمهم نوريّ، من إلحاقٍ للضرر بنوعٍ خاص من الكائنات الماورائية. تلك الكائنات، التي غضبت منه، فانتقمت منه ــ ومن أهل قريته ــ بهذه المصيبة الإنجابية.

تناولت السياقات السردية هذه المشكلة الاجتماعية، من خلال الشخصية الرئيسة آشا، ابنة نوري الوحيدة، وغيرها من الشخصيات التي تبلورت من خلالها سردية أحداث الرواية، منها: شخصية فاتي أم آشا، ومثلها شخصية زوجة أبيها الثانية ديوانة، التي لم ينجب منها، وشخصيتا كُلٍّ من: كرم الذي تزوج من آشا، وجمال حبيبها المغدور، الذي لم يتمكن من الوصول إليها؛ بسبب الفارق الاجتماعي بينهما.

مركزية الحكاية الشعبية

تكمن مركزية الحكاية الشعبية ــ في رواية آشا الجعران والقمر ــ من خلال ما اضطلعت به فاتي ــ أم آشا ــ من دورٍ حيويّ فاعلٍ في تجسيد هذه المركزية؛ إذ قدّمها السياق السرديّ امرأةً قويةَ الشخصية، اعتاد أبناء القرية على الاجتماع حولها؛ لسماع ما ترويه لهم من حكاياتٍ شعبية، والاستفادة مما تقدمه إليهم من تفسيرٍ لمروياتها. ذاك التفسير، الذي تحرص فيه على أن تسقط تلك الحكايات على واقعهم الاجتماعي، بشكلٍ يفضي إلى أن تبدو مضامينها قريبةً، أو مُتّسقة مع إشكالات حياتهم، ومتوائمة مع تحوّلاتها المتناقضة.

اقرأ أيضًا: الحكاية الشعبية في الشعر اليمني المعاصر

كما يأتي في سياق مركزية الحكاية الشعبية ــ في تسريد أحداث الرواية ــ ما يتعلّق منها، بطريقة آشا، التي كانت تستوعب من خلالها ما تسمعه من حكايات أمها؛ إذ تجاوزت السياق الاجتماعي الذي اعتاد عليه سكان القرية، في تعاطيهم مع تلك الحكايات، محاوِلةً من خلال ما تسمعه منها بناءَ عالمها الخاص.

أسطورة الجعران والقمر

استندت الرواية إلى “أسطورة الجعران والقمر”، التي تشير إلى أنه “كان القمر والشمس معًا في السماء، يطلان على البشر طوال اليوم معًا، في كل الفصول، وفي كل أنحاء الأرض، فلا يعرف البشر ليلًا من نهار، وكانت الخنفساء مُغرمةً بالقمر، تسرح مع طلّته المتعالية، وتتمنى أن تصعد إلى سمائه، حتى طلبت الخنفساء يد القمر وناجته: “يا قمر مكتمل، يا سارح في السماء مع شمس ذهبية، أرغب في الزواج بك””(2).

لكن القمر ــ في هذه الأسطورة ــ كان ماكرًا؛ إذ استغل حبّ الخنفساء، واتّفق معها على الزواج، مُشتَرِطًا عليها ــ قبل ذلك ــ أن تقوم بتطهير الأرض من فضلات الإنسان والحيوان. قبلت بشرطه، فقضت سنواتٍ طويلة في إنجازه. ثم عادت إلى محبوبها، الذي فاجأها بشرطٍ جديدٍ، طالبًا منها أن تقوم بجمع آثام البشر وخطاياهم، فقضت سنوات أخرى في الوفاء بهذا الطلب، لكنه تمادى في التعالي عليها، مستحدثًا شرطًا آخر؛ إذ “طلب منها القمر بلؤم أن تدفع قرص الشمس بعيدًا عنه كل يوم، حتى يستطيع رفعها إلى السماء بجواره، وظلت الخنفساء المُحبة تدفع قرص الشمس بعيدًا عن القمر حتى اختلف الليل والنهار، وفاز القمر باكتماله ونقصه وحيدًا في سمائه، ولم يلتق الشمس ولا الخنفساء حتى يومنا هذا”(3).

اقرأ أيضًا: الأسطورة والبنية السردية في رواية “يوريديس في ليلة الرازم”

وتتجلّى مركزية هذه الأسطورة في تسريد سياقات الرواية، من خلال ما حظيت به من توظيفٍ رمزيٍّ، كان فاعلًا في التجسير بين مضمونها وما يتّسق معها من مسارات الواقع الاجتماعي. لا سيما ما يتعلّق من ذلك بشخصية جمال، العبد المغرم بسيدته آشا، الذي عاش حالمًا بالفوز بها؛ ليصل بذلك إلى اكتمال قمر عاطفته، لكنه تعثّر بتلك المسافة الاجتماعية الفاصلة بينهما.

ثانيًا: سردية ليلة الحنّاء

في نسقٍ أنثربولوجي مُتجانس مع مركزية الحكاية والأسطورة الشعبية ــ في رواية آشا الجعران والقمر ــ يأتي إثراء سياقاتها بتضمينها أبعادًا متعددة من الموروث الشعبي، السائد في حيّزها السردي. من مثل استحضار عددٍ من العادات والتقاليد الشعبية، التي من أهمها عادات الزواج وتقاليده، التي يكفي أن نقف على واحدٍ من طقوسها الخاصة بـ”ليلة الحناء”، التي تُعد من المشترك الشعبي بين ثقافاتٍ إنسانية متعددة، أبرزها ثقافة المجتمعات العربية، التي يغلب عليها أن تتشارك هذه الطقوس، مع نوعٍ من التمايُز في تفاصيلها من مجتمعٍ إلى آخر؛ وفقًا لما يتميز به كل مجتمع، من خصوصية ثقافية مقصورة عليه.

رقصة الحناء

ورد تسريد بعضٍ من تفاصيل طقوس ليلة الحناء ــ في هذا العمل السرديّ ــ ضمن الحديث عن مناسبة زواج آشا من كرم. لا سيما في ما تضمّنتْه الإشارة السردية، إلى ما توالى من مراسيم هذه المناسبة، كمراسيم العشاء، الذي أسهم في إعداده كثيرٌ من أبناء القرية، حيث “ذُبحت الذبائح ووزّع الطعام على ضيوف العريس وضيوف القرى المجاورة، وجميع أهالي القرية المتجمّعين، ثم بدأ الرقص في ليلة الحنة ثم ليلة الزفاف”(4).

أحالت هذه الإشارة السرديّة على أهم التفاصيل، التي يقوم عليها هذا التقليد الاجتماعي، الذي تُعدّ ثنائية الغناء والرقص ثنائية مركزيةً فيه. ومن تجلياتها السردية ذات العلاقة بفن الغناء، ما ورد من تضمينٍ لكلمات أغانٍ شعبية، ترنّم بها جمال، في ليلة الحنّاء الخاصة بمناسبة زفاف آشا. منها هذه الأغنية، التي توّجه سياقَ خطابها إلى الفتاة العروس:

“تدللي أيتها الدلوعة..

فالليلة لك والصباح أيضًا لك..

ما دمتِ أنت الدلوعة

فتمخطري في جناح الديوان..

لا يشاركك فيه أحد.

فتدللي وتمخطري وحدك..”(5).

أمّا الرقص، فقد كان من تجلياته السردية، ما ورد من تفاصيل رقصتي (الكفّ/ والأراجيد)، اللتين وردت الإشارة إليهما، في سياق تسريد هذه المناسبة الاستثنائية ــ زواج آشا من كرم ــ في ليلة الحناء. تلك الليلة، التي اشترك فيها الرجال والنساء في أداء هاتين الرقصتين؛ ففي رقصة الكفّ، “يشكل الرجال نصف دائرة وتشكل النساء نصف الدائرة الأخرى… يصفّق الرجال بأيديهم بإيقاعٍ منتظمٍ ويتبادلون الدب على الأرض بالأقدام مع التصفيق بالأيدي، وتنزل النساء إلى منتصف الحلقة في ثنائيات يتمايلن بإيماءاتٍ واهتزازاتٍ خفيفة حتى إذا بلغن أمام المغنّين تراجعن إلى الخلف دون استدارة”(6).

وبعد أن تتوالى رقصات ليلة الحناء، تأتي رقصة “الأراجيد”، التي تؤدّى “في صفوفٍ، السيدات في جانب، وفي الجانب الآخر الرجال متشابكي الأذرع، ويتمايلون يسارًا ويمينًا، يعودون جميعًا إلى الخلف ثم يتقدمون إلى الأمام في رقصة جماعية… وفي الوسط نيرانٌ متقدة يرقصون جميعًا حولها”(7).

نقشة الحناء

من المتعارف عليه أن جوهر الجمال ــ في استخدام مسحوق شجرة الحناء ــ كامنٌ في الإبداع بها نقوشًا جماليّة، على كفي العروس وقدميها، فتضفي هذه النقوش على مناسبة الزواج طابعًا جماليًّا، ذا نسقٍ ماديٍّ ملموسٍ بالرؤية البصرية.

وقد تجلّى هذا الطابع الجمالي ــ نقش الحناء ــ في سياقه السرديّ، الذي استوعب تفاصيل مناسبة زواج آشا من كرم، منذ لحظة إبداع هذا المسار الجمالي، في ليلته الخاصة به، التي سُمّيتْ به، وتفرّدت بتفاصيلها المحيلة على سياقه الزمني، بصورٍ مختلفة من الرقص والغناء.

اقرأ أيضًا: سيادة الزيف وانزواء الحقيقة مقاربة نقدية في رواية الكاتب المصري أشرف العشماوي “الجمعية السرية للمواطنين”

وإذا كانت ثنائية الرقص والغناء ــ في هذه الليلة العرائسية ــ مرتبطةً بجوهر البُعد الجمالي في نقش الحناء، فإن أداء هذه الثنائية مقصورٌ على سياقها الزمّني. أما جوهر جمالية النقش فممتدٌ من هذا السياق إلى ما يليه من أيامٍ وليالٍ، امتدادًا فاعلًا في استمرارية حيويته على كف العروس؛ إذ “ارتدت آشا يوم الزفاف فستانًا ملوّنًا، وفوقه الجرجار الشفاف الأسود، وعلى رأسها طرحةٌ من القماش الخفيف، وفوقه قطعة من قماش أبيض، وعليها شالٌ من الحرير، والحناء مرسومة على كفيها”(8).

ليلة الحناء والأنثروبولوجيا

يبرز ــ في سردية هذا العمل ــ نوعٌ من الحيوية، التي تفرّدت بها ليلة الحناء، من خلال ما تجلّى من دورها الفاعل، في إضفاء السعادة والجمال على عادة الزواج. سواءٌ في ما تعلق من ذلك، بتفاصيل الرقص والغناء، أو في ما ارتبط بطابع الاستمرارية الجمالية في نقوش الحناء، امتدادًا إلى أقصى مسافة زمنية ممكنة، بعد ليلة النقش الخاصة به.

اقرأ أيضًا: أنثروبولوجيا الثقافة والأمكنة في رواية رحلة مليون شلن خمسين دولارًا

ويندرج تسريد هذه الحيوية الفنية والجمالية ضمن مركزية أنثروبولوجيةٍ سرديّة، مثّلت سمةً رئيسة في هذه الرواية، بدءًا من مركزية الحكاية الشعبية، مرورًا بمركزية أسطورة “الجعران والقمر”، وصولًا إلى تسريد أنماطٍ مختلفة من الموروث الشعبي: عاداتٍ وتقاليد، وأغانٍ شعبية، وغير ذلك من المسارات، التي كانت فاعلة في تجسيد هذه السمة السردية، التي قامت على هذا البعد الحيوي، من توظيف الأنثروبولوجيا في تسريد متغيرات الحياة ومستجداتها، وتخصيب الأعمال السردية الروائية باستحضار الموروث الشعبي والأسطوري، بطريقةٍ فنيّة، لا تتوافر إلّا في ملكة سردية متمكّنة من تطويع الثقافة الشعبية؛ لاستيعاب معطيات الحياة ومستجداتها. تلك الملَكة، التي يمكن القول إنها قد توافرت بشكل ملحوظٍ، في الاشتغال على سياقات هذا العمل الروائي.


  1. سمر نور، “آشا: الجعران والقمر”. ط1، دار ديوان، القاهرة، 2025م. ↩︎
  2. نفسه، ص19. ↩︎
  3. نفسه، ص20. ↩︎
  4. نفسه، ص72. ↩︎
  5. نفسه، ص73،72. ↩︎
  6. نفسه، ص72. ↩︎
  7. نفسه، ص73. ↩︎
  8. نفسه. ↩︎

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top