تقنية الاستطراد باللطائف
تمثل اللطائف الواردة في كتاب الأستاذ الدكتور عباس علي السوسوة “شرح المشعططات السبع” ــ بما تحمله من جو الفكاهة والدعابة ــ مجالًا من مجالات الاستطراد فيه؛ إذ وردت عددٌ من صور الاستطراد متضمِّنةً هذه الروح الفكاهية الهازلة. منها ما تم تصديره باللفظ: “لطيفة”، مُمَيَّزًا بخطٍ بارزٍ، كغيره من العناوين الفرعية الواردة. ومنها ما تم تصديرُه بألفاظ أخرى، تؤدي، جميعها، ما يؤديه اللفظ “لطيفة”، من دلالةٍ على الهزل والتفاكه.
وقد وردت تلك الاستطرادات منسوبةً إلى عناوين مستعارة. ومنها ما ورد منسوبًا إلى أعلامٍ معاصرةٍ للشارح، أو جاء على لسان الشارح غير منسوبٍ إلى أحد.
[1] ــ الاستطراد بلطائف من عناوين مستعارة
من اللطائف التي استطرد بها السوسوة ــ المنسوبة إلى عناوين مؤلفاتٍ مستعارة ــ هذه اللطيفة الواردة في شرح الشطر: “والسوق سوق الربوع”(1)، من المشعططة الخامسة؛ إذ يقول مستطردًا:
“ذكر العالم الجليل عبد القوي بن عبد العال ركابي بن عبد العال في كتابه (الأيام السوداء) أن عيد المسلمين الجمعة، ولليهود السبت، وللنصارى يوم الأحد. وزادت بعض الدول بأن جعلت يوم الاثنين عطلة للحلاقين، وأجبرت الجزارين أن يتركوا البيع من ليلة الاثنين حتى مساء الخميس. وحكي أن أحد القسس كان يتشدد مع أبناء ملته في ترك العمل يوم الأحد وذات يوم فوجئ بحلاق قد وضع الصابون على دقن الزبون، فقال له: ضبطتكْ مُش قلْتْ لكْ ميتْ مرَّة أن دا حرامْ وحَتْخُش النار. إزَّاي تعملْ كِدَهْ. فأجابه الحلاق: أبدًا يابونا أصْلي حطّيتْ الصابونة على دقن الزبون امبارح، عشان تخمر، واحْلقها له يوم لتنين”(2).
ففي هذه اللطيفة، وردت إشارة إلى الأعياد الأسبوعية، عند المسلمين، وعند اليهود والنصارى. ثم بدت روح الفكاهة، في ورود عطلٍ رسمية للحلاقين والجزارين. وبلغت الفكاهة ذروتها، في الحوار الدائر بين القس وواحدٍ من أفراد ملته.
وتتضمن هذه اللطيفة، حديثًا عن الأيام: عطلًا، وأعيادًا. وقد وردت بعد استطرادٍ بفائدةٍ متضمنةٍ عددًا من الأعمال الأدبية والإبداعية والفنية، التي اتخذت من أسماء أيام الأسبوع عناوينَ لها. ويتضح أن هذين الاستطرادين قد وردا في إطار شرح الشطر الشعري السابق، الذي جاء مضمونه إشارةً إلى واحدٍ من الأسواق الشعبية في اليمن(3).
والحديث عن واحدٍ من أيام الأسبوع ــ الأربعاء ــ في الشطر الشعري، هو المعنى الأول الذي كان مُمهِّدًا للاستطراد والخروج إلى معنىً ثانٍ وثالث، مُتَمَثِّلين في الفائدة المتضمنة أعمالًا عناوينها بأسماء أيام الأسبوع، واللطيفة المتضمنة إشاراتٍ إلى أيامٍ اُتُخِذَتْ أعيادًا وعطلًا رسمية.
[2] ــ الاستطراد بلطائف منسوبةٍ إلى أعلامٍ معاصرةٍ للشارح
من اللطائف التي استطرد بها السوسوة (الشارح/ المؤلف)، لطائف منسوبة إلى أعلامٍ معاصرةٍ له. من مثل هذه اللطيفة الواردة، في شرح الشطر: “واللبن إبَلبَقَر”(4)؛ إذ يقول مستطردًا إليها:
“ذكر سيدي محمد ناجي القدسي أن المرحوم محمد بن يحيى مطهر حضر حفل إفطار في استراحة(5) آل هايل سعيد(6) فسأل الشيخ عبد الجبار(7): ما هذا؟ قال عبد الجبار: هذا لبن. فقال السيد محمد: إنّا(8) لبن طبيعي، وِلّا(9) من حقكم المصانع؟”(10).
تضمنت هذه اللطيفة مشهدًا اجتماعيًّا ظريفًا، مرويًّا على لسان عَلَمٍ من الأعلام المعاصرة للشارح، عن أعلامٍ، أيضًا، معاصرة له.
وقد كان اللفظ: “اللبن” ــ في الشطر الشعري ــ هو الكلام الأول، الذي يحمل المعنى الأول، وهو الكلام الذي قاد إلى كلامٍ ثانٍ ومعنىً آخر، حمل مُلحةَ مقارنةٍ بين “الحليب الطبيعي”، ومنتج “الحليب الصناعي”، الذي ينتجه واحدٌ من المصانع التابعة لمجموعة شركات هائل سعيد أنعم في اليمن.
[3] ــ لطائف من استطرادات الشارح
وردت استطراداتٌ بلطائف على لسان الشارح، غير منسوبةٍ إلى أعلامٍ، أو إلى مؤلفاتٍ قديمةٍ، أو عناوين مستعارة.
من ذلك، هذه اللطيفة الواردة في شرح الشطر: “بالقُنطُرة السودا”(11)، من المشعططة الثالثة؛ إذ يستطرد إليها الشارح، قائلًا:
“ذهب رجلٌ لزيارة بنات أخته في العيد، فقال: يا أسفاه! نسيت أشتري لكِنْ بشامق(12) فقالت إحدى البنات: سهل ياعم وشّكم(13) أكبر بشمق”(14).
فهذه اللطيفة، محكية عن شخصٍ مجهول. وردت على لسان الشارح. وكان المعنى الأول متمثلًا في دلالة اللفظ: “قُنطرة”، الذي يعني الحذاء. والمعنى الثاني الذي استطرد إليه؛ دالًّا ــ أيضًا ــ على الحذاء بلفظٍ آخر، “بَشْمَق”.
وبذلك، استطرد الشارح بلطائف ذات مضامين هزلية، تبعث روح الفكاهة والدعابة، فاستطرد بلطائف من عناوين مؤلفاتٍ مستعارة، ولطائف على لسان أعلامٍ معاصرين للشارح، كما استطرد بلطائف على لسانه هو.
[4] ــ خصائص توظيف السوسوة لتقنية الاستطراد
[4ــ1] ــ الاستطراد المباشر من غير تصدير
لقد صدّر الدكتور عباس السوسوة ــ في كتابه “شرح المشعططات السبع” مجال الاستطراد بالفوائد باللفظ “فائدة”. كما صدّر مجال الاستطراد باللطائف باللفظ “لطيفة”. وعلى ذلك، فقد وردت صور من الاستطراد لديه غير مصدّرة بواحدٍ من هذين اللفظين.
[4ــ1ــ1] ــ الاستطراد بلطائف غير مصدرة
استطرد السوسوة إلى لطائف متعددة في كتابه “شرح المشعططات السبع”، من غير أن تأتي مصدّرة باللفظ “لطيفة”. من مثل تلك اللطائف التي وردت مُصدّرة بألفاظ أخرى، تؤدي ما يؤديه هذا اللفظ، من دلالةٍ على الاستطراد الهازل: فكاهة، ودعابة.
من ذلك، الاستطراد إلى لطيفة، مسبوقة باللفظ “حكاية”، الذي سبق استطرادًا بهزلٍ حسي(15). ومثله اللفظ “طريفة”(16). واللفظ “نادرة”، الذي تصَدَّرَ استطرادًا هزليًّا حسيًّاً(17)، واستطرادًا هزليًّا منتميًا إلى الهزل الحسي السياسي(18). وغير ذلك، من الألفاظ الدالة على الاستطراد، بمضامين هزليةٍ فكهة.
كما أن من هذه الاستطرادات إلى اللطائف ما ورد غير مصَدَّرٍ بأي لفظ. من مثل هذا الاستطراد، الوارد في شرح التركيب: “”نُصَلِّي”(19)، من المشعططة الأولى، التي مطلعها(20):
هزلّي يا هزلّي
ونزلنا اليوم نصلِّي
تحت رمانة كبيرة.
إذ يستطرد الشارح، قائلًا:
“قال أبو هاشم: وعندي أن ذلك مصدره (الدناوة) في الأكل، فإذا غضب الشرقيون أكلوا، وإن فرحوا أكلوا، وإن حزنوا أكلوا، ولذلك وردت أشعارهم مملوءة بالخضر والفواكه”(21).
فهو هنا، لم يُصدِّرْ استطرادَهُ، بواحدٍ من اللفظين ــ فائدة أو لطيفة ــ واكتفى بإيراده قولًا منسوبًا إلى المؤلِّف المستعار أبي هاشم. وهذا الاستطراد ليس بعيدًا عن الاستطراد باللطائف؛ إذ يتضمن بُعدًا هزليًّا بارزًا، متمثلًا في السخرية الاجتماعية الهازلة من سمةٍ اجتماعيةٍ سلبيةٍ، تجعل من شراهة الأكل سلوكًا ملازمًا لكل مظاهر الحياة الشرقية.
وكذلك هو الأمر مع الاستطراد الوارد في شرح الشطر: “قدْ معي مَشْقُرْ”(22)، من المشعططة السادسة؛ إذ يقول الشارح، مستطردًا:
“قال أبو هاشم: لا علاقة بين الشقر، المعروفة قديمًا باسم شقائق النعمان، والمشاقرة(23) بمعنى التلصص أو التجسس”(24).
[4ــ1ــ2] ــ الاستطراد بفائدة غير مصدَّرة
كما وردت استطراداتٌ غير مصدّرة ــ بواحدٍ من اللفظين “فائدة” أو “لطيفة”، ولكنها ليست بعيدة عن الدلالة الهزلية المتسقة مع معنى اللفظ “لطيفة” ــ فقد وردت استطراداتٌ غير مصدّرة بواحدٍ من هذين اللفظين، لكنها أكثر قُربًا من دائرة الدلالة على الفائدة. من ذلك ما ورد من استطراداتٍ بأبيات وقصائد شعرية طويلة، من شعر العامية في اليمن، لعددٍ من شعراء هذا النوع من الإبداع الشعري، أبرزهم الشاعران: الخفنجي، وأحمد شرف الدين القارة(25). وقد جاء في مقدمة تحقيق الكتاب، أن كثيرًا من شعرهما، وشعر غيرهما، غير موجودٍ إلا في هذا الشرح؛ لأن دواوينهما ودواوين غيرهما لا تزال مخطوطة(26).
[4ــ1ــ3] ــ التصدير بلفظ “استطراد”
استخدم الدكتور عباس السوسوة ــ في كتابه “شرح المشعططات السبع” ــ اللفظ “استطراد” تصديرًا لعددٍ من نماذج الاستطراد في هذا الكتاب. من ذلك ما ورد ضمن شرح شطرٍ من المشعططة الثانية؛ إذ يقول:
“(استطراد) ذكر العباسي في (معاهد التنصيص) أن شرف الدين بن عنين هجا فقيهين كانا بدمشق، يدعى أحدهما (بالبغل) والآخر (بالجاموس) فقال…”(27).
كما استخدم اللفظ “استطراد”، في عباراتٍ وتراكيب، تؤدي دلالة القصدية في قطع الاستطراد، والعودة إلى الكلام الأول. من ذلك قوله في بعض المواضع:
“ولو شئنا الاستطراد في هذا المجال لملأنا منه المجلدات، وكفاك من القلادة ما أحاط بالعنق”(28).
و”… لو شئنا الاستطراد لملأنا عشرة أرطال من الورق بهذا الكلام. فلنعد إلى الشرح…”(29).
و”… لو استطردنا لما كفانا مجلد”(30).
كما قد يرد معنى الاستطراد ضمنًا، في تراكيب متضمنة معنى القصدية في إيقاف تدفق استطرادٍ من الاستطرادات، كأن يقول:
“…ولو تركنا العنان لنفسنا ما توقفنا”(31).
[4ــ2] ــ آلية التوثيق
المُلاحظ أنّ كثيرًا مما ورد من الاستطرادات في كتاب “شرح المشعططات السبع”، قد ورد غير موثقٍ. وقد يكون تعليل ذلك أن المؤلف/ الشارح أراد لكتابه ــ هذا ــ أن يكون محاكاة لشروح الشعر القديم، وأنه مخطوطة، هو مَنْ قام بتحقيقها، على سبيل الاستعارة الساخرة. لكن على ذلك، فإن من مهام المحقق تخريج ما في المخطوطة من أقوالٍ وآراء، ونصوص… وتوثيق ذلك(32) التحقيق؛ على اعتبار أن السوسوة محققٌ للكتاب فحسب، وأنه “جعل كتابته كما ارتضاها المحققون المحدثون”(33).
وإذا كان كثيرٌ مما حشده السوسوة، لا يمكن تخريجه، ولا توثيقه ــ لأنه ورد على لسان أسماء مستعارة، أو من عناوين مستعارة، أو جاء مضامينَ مستعارة ــ فإنه في جانبٍ آخر أورد من مؤلفات قديمة، بطريقةٍ جادة؛ فالكتاب ــ وإن كان قائمًا على الهزل، والمحاكاة الساخرة ــ فقد كان جادًّا في نقله من المؤلفات القديمة؛ إذ يقول في مقدمة التحقيق: إن “هذه المحاكاة الساخرة في عناوين المؤلفات وغيرها لم تدفعه إلى الاختلاق عندما يتحدث بجدية ناقلًا عن كتب قديمة”(34).
لذلك؛ فإن ما ورد من هذه المؤلفات بطريقةٍ جادة، هو ما كان ينبغي توثيقه، وفقًا لإجراءات التحقيق المتبعة. وعلى ذلك فإن المؤلف/ الشارح قد وثّق بعضًا من مضامين الكتاب، إمّا توثيقًا كليًّا، وإما توثيقًا جزئيًّا.
[4ــ2ــ1] ــ توثيق كلّيّ
ورد توثيقٌ كلّيٌّ متضمّنًا بيانات النشر كلها، التي تستلزمها عملية التوثيق، في نموذجين اثنين. الأول منهما تمثّل في شرح الشطر: “في جحر من”(35)، من المشعططة الرابعة، إذ استطرد بفائدةٍ من تفسير الطبري، ووثقها توثيقًا كليًّا؛ وقد أورد في المتن: عنوان الكتاب، واسم المؤلف، ورقم الجزء، ورقم الصفحة. وفي الهامش، أورد: أسماء المحققين، والطبعة، ودار النشر، ومكان النشر.
يقول في المتن:
“وجدنا في تفسير الطبري كلمة (جحر) بمعنى ثقب، وذلك في تفسير قوله تعالى:
)حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ((36) قال السُّدّي: سَمّ الخياط هو جحر الإبرة. (وانظر جامع البيان12/463)”(37).
ثم يقول في هامش الصفحة:
“بتحقيق أحمد محمد شاكر ومحمود محمد شاكر، ط دار المعارف بالقاهرة”(38).
أمّا النموذج الثاني، فقد ورد في شرح الشطر: “والشعير والبر”(39)، من المشعططة السادسة؛ إذ يستطرد بحكاياتٍ نقلها من كتاب “صفة بلاد اليمن” لابن المجاور، موثقًا بيانات نشر الكتاب في هامش الصفحة(40)، وذكر فيه رقم الجزء، ورقم الصفحة التي نقل منها كل حكايةٍ من تلك الحكايات، التي استطرد بها في شرح هذا الشطر الشعري(41).
[4ــ2ــ2] ــ توثيق جزئيّ
مثلما ورد التوثيق الكلي في نموذجين، ورد توثيق جزئي في نموذجين ــ أيضًا ــ جاء الأول منهما استطرادًا بفائدةٍ، من كتاب “الوحوش” للأصمعي؛ إذ يذكر عنوان الكتاب واسم المؤلف في المتن. وفي الهامش يضيف إليهما اسم المحقق، مؤكدًا أن ذلك من كتاب “الأصمعي”. من دون أن ترد باقي بيانات النشر: الناشر، ومكانه، ورقم الصفحة التي ورد منها الاستطراد. وقد ورد هذا الإجراء، في المتن حينما شرح الشطر: “واللبن إِبَلبَقَر”(42)، من المشعططة الخامسة، على النحو الآتي:
“البقر اسم جنس لهذا النوع من الحيوان، والمؤنث بقرة. والذكر ثور وكان يطلق قديمًا لفظ (الثورة) على البقرة وجاء ذلك في (كتاب الوحوش) للأصمعي”(43).
ثم يقول في هامش الصفحة، مؤكدًا ذلك:
“نعم ورد ذلك في كتاب الوحوش للأصمعي بتحقيق رودولف جاير، وأورد شواهد على ذلك من عصر الاحتجاج”(44).
أمّا النموذج الثاني فقد ورد في شرح الشطر: “والذُّرَةْ تِسْبُرْ”(45)، من المشعططة السادسة؛ إذ وثق توثيقًا جزئيًّا أبياتًا شعرية لأبي العتاهية(46). استطرد بها من كتاب “الأغاني” للأصفهاني، فأورد: عنوان الكتاب، واسم مؤلفه، واسم محققه، ودار النشر، ومكانها، ورقم الجزء. ولم ترد: الطبعة، وزمانها، ورقم الصفحة التي وردت فيها الأبيات؛ إذ يورد توثيقه هذا، في هامش الصفحة الأول، قائلًا:
“الأغاني للأصفهاني جـ2، تحقيق إبراهيم الأبياري ط دار الشعب بالقاهرة”(47).
هذه هي النماذج التي وثقها السوسوة، مما يستلزم التوثيق في كتاب “شرح المشعططات السبع”. ولم ترد نماذج غيرها موثقةً لا توثيقًا كليًّا، ولا توثيقًا جزئيًّا. باستثناء ما يرد من إشاراتٍ إلى اسم الكتاب، ومؤلفه، من دون ذكر تفاصيل بيانات النشر.
[4ــ3] ــ رؤية السوسوة في الاستطراد
للدكتور عباس السوسوة رؤيته في الاستطراد، بوصفه عيبًا من العيوب، التي يقع فيها بعض الباحثين. لأن كل جملةٍ أو إضافة، ترد في موضوعٍ ما، لابد أن يكون لوجودها أهمية واضحة فيه؛ لذلك كانت بعضٌ من ملاحظاتِ نقدهِ المنهجي في هذا الاتجاه. من ذلك، هذه الملاحظة التي وردت ضمن ملاحظاته المنهجية على صاحب كتاب “الصحافة التعاونية في اليمن”، عبد الوهاب المؤيد؛ إذ يقول فيها:
“في رأينا أن أبرز عيوبه بعض الاستطرادات، التي رأى فيها المؤلف أهمية، في حين أننا لا نراها كذلك”(48).
ويورد هذا النموذج لاستطراد المؤلف:
“والثاني: إعلان تجاري لعلاج اسمه “برومر” لأمراض الكلى، باسم المورد، شركة القائد التجارية…”(49).
فهذا الاستطراد، لا يتضمن أية أهمية مرتبطة بالموضوع الذي يتحدث عنه المؤلف، فكان مأخذًا من مآخذ السوسوة المنهجية عليه.
[4ــ4] ــ تقنية الإيجاز
لقد كانت سمة الاستطراد، سمة سائدة في كتاب “شرح المشعططات السبع”. وعلى ذلك، فإن السمة النقيض “الإيجاز” لم تغب غيابًا تامًّا؛ إذ ورد شرحٌ موجزٌ في مواضع من هذا الكتاب. كما في شرح الشطر: “يِسْقي ويمْطرْ”(50)، من المشعططة السابعة، الذي لم يرد فيه غير قول الشارح:
“يسقي ويمطر: الكلام فيه تقديم وتأخير، والأصل يمطر ويسقي، لأن السقي نتيجة للمطر، وقدم الشاعر الأمر الذي هو ببيانه مهتم لاسيما المساقي والسقايات تحْدُثُ بشأنها قضايا ومنازعات… وقد شرحنا المطر في أكثر من مشعططة”(51).
كان الإيجاز سمة شرح هذا الشطر؛ إذ اكتفى الشارح، بالإشارة إلى مصطلحٍ نقديٍّ بلاغي ــ تقديم ما حقه التأخير ــ لاستحواذه على اهتمام وعناية المتكلم(52). ولم يرد استطرادٌ من هذا المصطلح إلى معانٍ أُخر، على أن فيه أكثر من مدخلٍ للاستطراد.
[4ــ5] ــ سمة أسلوبية
لم ترد في أبحاث الدكتور عباس السوسوة ودراساته، نماذج استطرادٍ، مثل ما ورد في كتابه “شرح المشعططات السبع”. وتفسير ذلك أن هذا الكتاب فيه مجالٌ لهذه السمة الأسلوبية؛ كونه محاكاة ساخرة لشروح الشعر القديم، التي سادت فيها مظاهر من هذه السمة. ولأن الاستطراد سمة قديمة؛ فقد وردت عند السوسوة، في كتابٍ يحاكي فيه مؤلفاتٍ قديمة.
أمّا أبحاثه ودراساته، فمنتمية إلى هذا الزمن. وهي أبحاثٌ علمية متخصصة، ومن ثم فهي ذاتُ منهجيةٍ علمية، ومحكومة بقواعد وإجراءات البحث العلمي، الذي ينشد الدقة في رسم الحدود الواضحة لكل ظاهرةٍ معرفيةٍ، أو موضوعٍ بحثيٍّ، فالبحث العلمي الممنهج ــ الذي تدور في دائرته أبحاث السوسوة ودراساته ــ ليس فيه مجالٌ للاستطراد خارج الحدود الدقيقة التي تؤطر كل موضوعٍ بحثي.
من زاويةٍ أخرى، جاءت استطرادات السوسوة ــ في كتابه “شرح المشعططات السبع” ــ انعكاسًا لموسوعيته العلمية المتنوعة، وتنوع بنيته الفكرية والثقافية؛ إذ “نجد المؤلف وهو المعروف بموسوعيته وطول باعه في علوم كثيرة قد تجلت قدراته ومواهبه في حشد كثير من الفوائد واللطائف والنوادر والملح والأخبار…”(53).
لذلك؛ فقد مثلتْ هذه الاستطرادات ملمحًا بارزًا، من ملامح الثراء الثقافي والفكري والمعرفي، الذي تتميز به بنية السوسوة الفكرية، والثقافية، والعلمية.
والسؤال الذي يمكن أن يطرح نفسه في هذا السياق: إلى أي مدىً يمكن للاستطراد باللطائف أن يمضي بالقارئ في التداعي مع ما يقرأ؟
وبالتالي: هل يُعدّ هذا الأسلوب الكتابي مما يمكن الاستئناس به في الكتابة الحديثة؟
.
تعليقكم، واشتراككم في النشرة البريديّة، من أهم الحوافز لمزيدٍ من العمل على التدوين، الذي يتّسقُ مع ما تسعون إلى الاستضاءة حوله، من أفكار ورؤى، نتشارك عبء التساؤل عنها.
- ضياء الدين بن جمال الذماري، “شرح المشعططات السبع”. تحقيق وتعليق: عباس علي السوسوة. ط1، مركز عبادي للدراسات والنشر، صنعاء، 1428هـ ـ 2007م، ص: (86). ↩︎
- نفسه، ص: (87). ↩︎
- في أرياف اليمن، تقام أسواقٌ شعبية أسبوعية، يأتي إليها التجار ببضائعهم، وتسمى السوق باسم اليوم الذي تُقام فيه. وتختلف الأيام التي تقام فيها الأسواق الأسبوعية، من منطقةٍ إلى أخرى؛ إذ تتوزع على أيام الأسبوع كلها، باستثناء يوم الجمعة ـ الذي يمثل العيد الأسبوعي عند المسلمين ـ وبذلك، فإن بعض المناطق يكون سوقها الشعبي الأسبوعي، في يوم السبت، “سوق السبت”. وبعضها يكون سوقها “الأحد”، أو “الاثنين”، أو “الثَلُوثْ” ـ الثلاثاء ـ أو “الربُوع” ـ الأربعاء ـ حتى يوم “الخميس”، فيه تُقام سوقٌ شعبية، في عددٍ من مناطق الريف اليمني. ↩︎
- ضياء الدين بن جمال الذماري، “شرح المشعططات السبع”. مرجع سابق، ص: (78). إبلبقر: في البقر. ↩︎
- .استراحة آل هايل سعيد: منتزهٌ ترفيهيٌّ، يقع في مدينة تعز، تابعٌ لأسرة هائل سعيد أنعم. ↩︎
- هايل سعيد: هو هائل سعيد أنعم، ولد عام 1323هـ ـ 1902م. وتوفي 28 رمضان 1410هـ ـ 23 إبريل 1990م. ويعد واحدًا من مشاهير تجار اليمن، إن لم يكن أشهرهم في القرن العشرين. أسس عددًا من الشركات الرائدة، لا تزال تشكل محورًا مهمًّا في التجارة اليمنية والاقتصاد اليمني. ↩︎
- عبد الجبار: هو عبد الجبار هائل سعيد أنعم، عضو مجلس إدارة مجموعة شركات هائل سعيد أنعم وشركائه. ↩︎
- “إنَا لبن طبيعي؟”: أهو لبنٌ طبيعي؟. ↩︎
- ولّا من حقكم المصانع؟”: أم أنّهُ من مصانعكم؟. ↩︎
- ضياء الدين بن جمال الذماري، “شرح المشعططات السبع”. مرجع سابق، ص: (78). ↩︎
- نفسه، ص: (50). ↩︎
- بشامق: جمع بُشْمق: حذاء. وهو من الألفاظ التركية، التي دخلت المحكية اليمنية. ↩︎
- وشّكم: وجهكم، والمراد: وجهكَ، مفرد، لكن بعض لهجات المحكية اليمنية، تعبر عن المفرد بصيغة الجمع. ↩︎
- ضياء الدين بن جمال الذماري، “شرح الشعططات السبع”. مرجع سابق، ص: (50). ↩︎
- نفسه، ص: (93،39،30). ↩︎
- نفسه، ص: (66). ↩︎
- نفسه، ص: (13). ↩︎
- نفسه، ص: (24). ↩︎
- نفسه، ص: (13). ↩︎
- نفسه، ص: (11). ↩︎
- نفسه، ص: (14). ↩︎
- نفسه، ص: (104). قد معي مشقر: صار لي مشقر. ↩︎
- المشاقرة: في عددٍ من لهجات المحكية اليمنية، تعني اختلاس النظر، أو النظر بحذر، من وراء شيء، أو من ثقبٍ ضيق. ↩︎
- ضياء الدين بن جمال الذماري، “شرح المشعططات السبع”. مرجع سابق، ص: (105). ↩︎
- نفسه، يُنظر على سبيل المثال، ص: (52 ـ 58)، (73 ـ 76)، (113 ـ 114). ↩︎
- نفسه، ص: (7). ↩︎
- نفسه، ص: (25). ↩︎
- نفسه، ص: (13). ↩︎
- نفسه، ص: (15). ↩︎
- نفسه، ص: (18). ↩︎
- نفسه، ص: (100). ↩︎
- شوقي ضيف، “البحث الأدبي: طبيعته، مناهجه، أصوله، مصادره”. ط8، دار المعارف، القاهرة، د.ت، ص: (190،189). ↩︎
- ضياء الدين بن جمال الذماري، “المشعططات السبع”. مرجع سابق، ص: (8). ↩︎
- نفسه، ص: (7). ↩︎
- نفسه، ص: (64). ↩︎
- سورة الأعراف، الآية: (40). ↩︎
- ضياء الدين بن جمال الذماري، “شرح المشعططات السبع”. مرجع سابق، ص: (64). ↩︎
- نفسه، ص: (64)، هامش: (1). ↩︎
- نفسه، ص: (97). ↩︎
- نفسه، ص: (98)، هامش: (1). ↩︎
- نفسه، ص: (100،99). ↩︎
- نفسه، ص: (78). ↩︎
- نفسه، ص: (80). ↩︎
- نفسه، هامش: (2). ↩︎
- نفسه، ص: (101). ↩︎
- نفسه، ص: (104). ↩︎
- نفسه، هامش: (1). ↩︎
- عباس علي السوسوة، “الصحافة التعاونية في اليمن”. صحيفة 26سبتمبر، صنعاء، العدد (392)، 10رمضان 1410هـ ـ 5/4/1990م، ص (7).. ↩︎
- نفسه. ↩︎
- نفسه، ص: (114). ↩︎
- نفسه. ↩︎
- عبد القاهر الجرجاني، “دلائل الإعجاز”. تحقيق: محمد رضوان مهنا، شرح وتعليق: محمد عبد المنعم خفاجي. مكتبة الإيمان، المنصورة، د.ت، ص، (119). ↩︎
- فتحي الشرماني، “الأدب الشعبي وطريقة الدراسة الساخرة، كتاب شرح المشعططات السبع نموذجًا”. عرض. صحيفة الثقافية، تعز، العدد (426)، 20 مارس 2008م، ص: (8). ↩︎


