بواعث الألم والمعاناة في الشعر اليمني المعاصر
لشعرية الحزن والمعاناة والألم حضورها الفاعل، في تجارب الشعراء اليمنيين المعاصرين. وهو ما يفضي إلى تساؤلٍ، عن بواعث الألم والمعاناة، في الشعر اليمني المعاصر. وعن المرجعية الفنية والفكرية، التي استندت إليها التجارب الشعريّة، في تعاطيها مع منظومة الألم والمعاناة. هذا هو الفضاء النقديّ، الذي أتطرّق فيه، إلى الإجابة على هذا التساؤل المحوريّ، في التجربة الشعرية الإنسانية المعاصرة.
المعاناة والألم في الشعرية العربية المعاصرة
صار الحزن ظاهرة شائعة، ونزعة بارزة في الشعر العربي المعاصر. لذلك، أشار إلى هذا الأمر الدكتور عز الدين إسماعيل، بالقول: “إن الحزن قد صار محورًا أساسيًّا في معظم ما يكتب الشعراء المعاصرون من قصائد… وأبرز ما يُوَجّه إلى هذه النزعة التي استفاضت، هو أن الشعراء قد صاروا يُلِحّون على إبراز جانبٍ واحد من الحياة هو جانب القتامة فيها، وأنهم يغمضون عيونهم عن جانب البهجة”(1).
وقد ربط الأستاذ عبد الباري طاهر هذه النزعة بحساسية الشاعر، وبتداخل أشكال وأساليب لا تحصى من القهر والحرمان، وبضغطها وإلحاحها على نفسية الشاعر، وبرؤيته الاستشرافية التنبؤية(2).
وبذلك؛ فإنّ الواقع العربي ثريٌّ بكلّ المتغيرات والمتناقضات، التي تهز الوجدان، وتشعل نار الحزن في نفوس الشعراء. أولئك، الذين يعملون على تمثُّل هذا الحزن، وصوغه في إنجازاتٍ إبداعية خالدة.
أحزان الشاعر الأوروبيّ
من ناحيةٍ أخرى، فسّر بعض النقّاد مصدر الألم والحزن في الشعرية العربية المعاصرة ــ ومنهم الدكتور عز الدين إسماعيل ـــ بأنه مُتشكِّلٌ من تأثُّر الشعراء العرب المعاصرين، بالنزعة الحزينة في أحزان الشاعر الأوروبي، الذي كان أكثر معاينة لطغيان الحضارة المادية. لا سيما ما يتعلّق من ذلك بأشعار (إليوت)، والأدب الوجودي(3). يقول عز الدين إسماعيل عن ذلك: “لا يمكننا في الحقيقة أن ننكر التأثير المباشر وغير المباشر لشعر ت.س. إليوت(4)… لكن ما يمكن تبيُّنه من تأثيرٍ لهذه النزعة لا يرتبط بنوعية الموقف الحزين الذي يعبّر عنه شاعرنا؛ فشاعرنا لا يصدر في حزنه عن موقف خاص من الحضارة المادية، لأن أزمة الروح لم تصل بعد في حياتنا إلى الحدة التي تجعله منطلقًا لأحزان الشاعر”(5).
ويبدو في هذه الرؤية التفسيرية نوعٌ من الإحالة، على أنّ مصدر ألم الشاعر العربي المعاصر وأحزانه هو المعرفة بمعناها الأوليّ، وليس التقليديّ “أي الإلمام بكل شيء؛ فعصرنا عصر الثقافة العريضة المتشعبة، والشاعر المعاصر نموذج للإنسان المثقف. أو هكذا ينبغي أن يكون”(6).
أحزان الواقع العربيّ
من خلال مقاربة أثر أحزان الشاعر الأوروبي، في بناء القصيدة العربية المعاصرة، يتجلّى أن ذاك التأثير يكمن فقط في فتح عيون الشاعر العربي، على مأساة واقعه، التي يكتوي بها بكرةً وأصيلًا. ومن ثم وُجدت هذه النزعةُ طافحةً في إبداعه. وبكلمة أخرى، نقول: إن تضافر المعرفة والمعاناة والمعايشة لبواعث الحزن ومثيراته في الواقع العربي، أجّجتْ عاطفة الشعراء، فأبدعوا قصائد رومانسية في البداية عكست قضايا الاغتراب، والتشاؤم، والعذاب، والعدمية، والمازوخية(7). ثم ازدادت هذه البواعث حدةً وعمقًا، في تجربة الشاعر الواقعي؛ “انطلاقًا من تأزُّمه النفسي العميق الذي سببه تفكيره المرعب بواقعه الأليم”(8).
ومن هنا كان أبرز دور “تقوم به القصيدة المعاصرة المخضلة بندى الحزن هو عملية تطهيرٍ أرسطيٍّ جديدٍ لتخليص الذات المتكورة داخل النص والمُصغِيَة خارجه من عذاباتها لتغدو قادرة على مواجهة اليومي المفخخ بالغرائبي والعجائبي والتراجيدي الكوني المغلف بالمدهش واللامتوقع”(9). وهي ــ في ذلك ــ لم تعد “تقف عند الحزن بوصفه عاطفة ملبدة بالدموع ومتقشرة على خيبة وانكسار وخذلان وإنما سعت إلى تأسيس هندسة طريفة تنجح في أن تجعل من القصيدة وردة جمر تُفتِّتُ عتمة المعاش وتمنح أفق التلقي اتقادات مدهشة”(10).
الألم والمعاناة في الشعر اليمني المعاصر
يمثل الألم والحزن والمعاناة ــ في الشعر اليمني المعاصر ــ ظاهرة شائعة، ومحورًا مهمًّا من محاور التجربة الشعرية فيه؛ فهو امتدادٌ للشعر العربي المعاصر. ولعل من أهم بواعث الحزن فيه اصطدام الشاعر المعاصر في اليمن، بالواقع الأليم، الذي يعيش تفاصيله. وبمعية ذلك، تأثُّره بتناول الشعراء العرب للحزن والمعاناة والألم، محافظًا على تميُّزه النابع من خصوصية واقعه، الذي كان أكثر التصاقًا به؛ فتجلّت في شعره أحزانُه وشجونه. سواءٌ الذاتية الخاصة منها، أو تلك العامة المرتبطة بهموم الوطن؛ إذ وجد الشعر ــ من بين الفنون ــ هو الأجدر، في التعبير عن أحزانه، والتفريج عن كروبه(11).
سياقات الألم والمعاناة في التجربة الشعرية اليمنية المعاصرة
اتِّصالًا بتداعيات الواقع المؤلم في الذات اليمنيّة، يأتي توهُّج جذوة المعاناة في إبداعات الشاعر اليمني المعاصر. لا سيما في شعر الرواد، الذين مثّل الشعر ميدانًا واسعًا لانطلاق مكنونات معاناتهم ومشاعرهم. منهم الشاعر محمد محمود الزبيري، الذي جعل من قصيدة الحزن أكسيرًا للانعتاق والخلاص(12)، مجسدًا ــ في الغالب من شعره ــ الهموم والمعاناة الوطنية(13). ومثله الشاعر لطفي جعفر أمان، الذي كانت قصائده “في الغربة والاغتراب تطفح بالمرارة القاسية، وتعج بالوحدة القاتلة، وتضج بالأسى المنكود…”(14).
ويأتي الشاعر عبد الله البردوني ناسجًا “من الحزن مرايا نبصر من خلالها وجه الشاعر الرافض للعتمة والظلام وحركته الواعية لفتح كوة مضيئة في جدار الحزن الصفيق”(15).
كما جعل الشاعر عبد العزيز المقالح المعاناة بلورة سحرية، نبصر من خلالها رؤاه إزاء الكون والحياة(16). من مثل بلوغه في الغربة أقصى درجات الاحتراق والألم(17)، فحضرت بشكل واسع في تجربته الشعريّة(18).
ويصوغ الشاعر محمد حسين هيثم من إيقاعات الحزن والمعاناة والألم رنينًا شجيًّا، يحمل بين طياته تراجيديا الإنسان المعاصر(19). بما في هذه التراجيديا، من اغترابٍ نفسيّ ومكانيّ، في كثيرٍ من قصائده(20).
كما تتمثل الذات الشاعرة المحبطة بالمآسي، في قصائد الشاعر شوقي شفيق. ومثله الشاعر محمد الشرفي، الذي غلب على تجربته الشعريّة اشتعالُها ببواعث المعاناة الاجتماعيّة. من مثل معاناة النساء؛ إذ مثَّلت المرأة اليمنية ــ وما يعتريها من قهرٍ وظلمٍ اجتماعيّ ــ قضيةً شعريّةً مركزيّة في تجربة الشاعر محمد الشرفي(21). ويرى الدكتور عبد العزيز المقالح، أنّ البواعث والأبعاد الاجتماعية، كانت محورًا مهمًّا في تجربة الشرفي، وأنّ أبرز مسارات هذا المحور كانت ماثلةً في ديوانه “دموع الشراشف“(22).
أهم بواعث الألم والمعاناة في الشعرية اليمنية المعاصرة
من خلال تأمل سياقات الدلالة في الشعر اليمني المعاصر ــ وارتباطاتها بمثيرات الحزن والألم والمعاناة ــ يتّضح أن أهم بواعث معاناة الشاعر اليمني المعاصر، هي: الظلم، والحصار للذات، ومحاولة التحرر من القيود، سواءٌ كانت ذاتية نفسية أو اجتماعية أو سياسية. ومثل ذلك هو الشعور بالاغتراب الذاتيّ، والإحباط، والوحدة. كما أنّ الواقع ومعطياته ومتغيّراته المتسارعة، ذات أثر بالغٍ في استحداث سياقات حزن، وبواعث ألم ومعاناة متجددة في الذات الشاعرة.
واستئناسًا بمركزية الحزن والألم في الشعرية اليمنية المعاصرة، يمكن الوقوف على عددٍ من التساؤلات الهادفة إلى إضاءتها والتداعي مع أبعادها المختلفة، من مثل:
هل كان لبواعث الحزن دورٌ فاعلٌ، في عناية الشعرية اليمنية المعاصرة بها، والسعي إلى استيعابها والتعبير عنها؟
هل اجترحت بواعث الحزن والألم والمعاناة سياقاتها الفنيّة والجماليّة الخاصة بها، في بناء معمار القصيدة اليمنية المعاصرة؟
.
- وُجهات نظركم، ورؤاكم، وتعليقاتكم تحفيزٌ نبيلٌ، ودافعٌ إلى مزيدٍ من التعاطي، مع تساؤلاتٍ نقدية وفكريّة ومعرفية، نتشاركُ جميعًا البحثَ عن أجوبةٍ وافيةٍ لها.
- اشترك في النشرة البريديّة، ليصلك كل جديد، من الاشتغالات النقدية والثقافية والأنثروبولوجية.
- عز الدين إسماعيل، “الشعر العربي المعاصر، قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية”. ط3، دار الفكر العربي، القاهرة، د.ت، ص: (352). ↩︎
- يُنظر: عبد الباري طاهر، “ظاهرة الحزن في شعر المقالح”. مجلة اليمن الجديد، صنعاء، العدد: (4)، رمضان1409هـ ــ إبريل1989م، ص: (46) . ↩︎
- يُنظر: السعيد الورقي، “لغة الشعر العربي الحديث، مقوماتها الفنية وطاقاتها الإبداعية”. ط3، دار المعارف، القاهرة، 1983م، ص: (299،298). ↩︎
- إليوت، هو: إيليوت، توماس ستيرنس (1888 ـــ 1965): شاعر وناقد إنكليزي. أمريكي المولد. يعتبر من أبرز ممثلي الشعر الحر free versr والمدرسة الصُّورية imagism. اتخذ في مطالع العشرينيات من القرن العشرين خطًّا غنائيًّا كلاسيكيًّا، وبخاصة في قصيدته “الأرض اليباب” عام 1922. التي تعد، بإجماع النقاد، أروع أعماله الشعرية على الإطلاق. مُنح جائزة نوبل في الآداب لعام 1948. من آثاره أيضًا: “اغتيال الكاتدرائية”1935، و”نقد الناقد”1965. ↩︎
- عز الدين إسماعيل، “الشعر العربي المعاصر”، مرجع سابق، ص: (354). ↩︎
- نفسه، ص: (355). ↩︎
- يُنظر: ماجد قاروط، “المعذب في الشعر العربي الحديث في سوريا ولبنان من عام 1945 إلى عام 1985م، دراسة جمالية”. منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1999م، ص: (153). ↩︎
- نفسه، ص: (281،280). ↩︎
- وجدان الصائغ، “وردة الجمر، تشكيلات الحزن في القصيدة المعاصرة”، مركز عبادي للدراسات والنشر، صنعاء، 1427هــ ـــ 2006م، ص: (9). ↩︎
- نفسه. ↩︎
- يُنظر: محمد ناصر المطهري، “ظاهرة الحزن في الشعر اليمني المعاصر”. أطروحة دكتوراه، جامعة أسيوط ـــ كلية الآداب، 1423هـ ـ 2008م، ص: (8). ↩︎
- يُنظر: وجدان الصائغ، “وردة الجمر”. مرجع سابق، ص: (10). ↩︎
- يُنظر: عبد الله البردوني، “من أول قصيدة إلى آخر طلقة، دراسة في شعر الزبيري”. ط3، دار البارودي، بيروت، 1997م، ص: (62). ↩︎
- أحمد علي الهمداني، “دفاعًا عن لطفي أمان”. ط1، مركز عبادي للدراسات والنشر، صنعاء، 2004م، ص: (209). ↩︎
- وجدان الصائغ، “وردة الجمر”. مرجع سابق، ص: (10). ↩︎
- نفسه. ↩︎
- يُنظر: خديجة المغنج، “استلهام التراث في شعر المقالح”. إصدارات وزارة الثقافة والسياحة، صنعاء، 1425هـ ـــ 2004م، ص: (205).: ↩︎
- نفسه، ص: (276،275). ↩︎
- يُنظر: وجدان الصائغ، “وردة الجمر”. مرجع سابق، ص: (10). ↩︎
- نفسه. ↩︎
- يُنظر: سميرة محمد مخوش، “محمد الشرفي وقضية المرأة”. معهد البحوث والدراسات العربية، بغداد، 1409هـ ـــ 1989م، ص: (59ـــ98). ↩︎
- محمد الشرفي، “أغنيات على الطريق الطويل”. ط2، دار العودة، بيروت، 1981، ص: (19). ↩︎


