ثقافة التمايز والحبكة الروائية في رواية خط أحْمَر
سعت الرؤية السردية ــ في رواية الكاتبة سيناء الروسي “خط أحْمَر”(1) ــ إلى تفكيك ثقافة التمايز الطبقي، السائدة في عادات المجتمع اليمني وتقاليده المتوارثة. كما سعى الاشتغال السردي ــ على هذه الثقافة ــ إلى اجتراح تقنياته، التي أضفت عليه خصائصَ جوهرية، ذات حيويةٍ ملحوظة في نسج سياقاته. لا سيما ما يتعلق منها، بآلية التوتُّر المتصاعد، ونسق المشاكسة الذي تكسّرت به آفاق التوقُّع والتلقِّي.
أولًا: سردية المحبة المتكافئة
تناول هذا العمل تجربة حبٍّ، نشأت بين الشاب حُسام المنتمي إلى طبقة مخملية من المجتمع اليمني، والفتاة سما المنتمية إلى طبقة “المزاينة”. تلك الفئة، التي تقع في قاعدة الهرم الاجتماعي في اليمن.
تكاملت عوامل نشأة هذه التجربة، في شركة شهاب، التي يعملان فيها؛ إذ تخلّقت بذرة الحبّ الأولى في هذه البيئة العملية، ثم تنامت، وعّرشت علاقةً متكافئةً بين قلبيهما. تلك العلاقة، التي أحالت على اخضرارها الوارف عددٌ من السياقات السردية، من مثل قول سما عن حسام: “ما بين عينيه وابتسامته التي كان يغرقني بها علمت بأنّ قلبي لم يعد بحوزتي!”(2). وإشارتها إلى أثر صوته في خلايا روحها وجسدها؛ إذ تقول، عن لحظةٍ، تلقّت فيها اتّصاله: إنها أمسكت “بالهاتف بيد مرتعشة، فتحتُه، وحين تسلل صوته إلى أذني، سكنت الأشياء، سرتْ قشعريرةٌ لذيذة إلى عمودي الفقري”(3).
تكافؤ المحبة منقوص بالتفاوت الاجتماعي
على هذا التناغم الوجداني بينهما، إلّا أنّ سما لم تنس واقعها، ولا انتماءها إلى طبقةٍ غير متكافئة مع طبقته حسام الاجتماعيّة. قرّرت مكاشفته بالأمر، سَمعها حتى النهاية، لكنه لم يتفق معها. كان تفكيره مختلفًا، أكد أن لا شيء في ما تقول. حاولتْ أن تضعه أمام الحقيقة، التي شعرت بأنها لم تستطع إيصاله إلى جوهرها، فتحدثت عن وقائع، لتجارب مماثلة، انتهت بالقضاء على الحبيب والمحبوبة معًا. لكن حسام تمسّك بموقفه، وفكره المختلف، الذي لم يجد فيه ما يمكن أن يحول بينهما.
طرح حسام على أبيه رغبته في الزواج منها، بعد أن لفت انتباهه إلى حقيقتها تلك. لكنه انصدم بموقف والده، الذي رفض الأمر رفضًا مطلقًا. لم يستسلم حسام، اتخذ قراره في مواصلة المشوار بمفرده، تقدم لطلب يدها من أبيها. لم يتسرّع الأب في الرد، وطلب مهلة للتفكير. علم أب حسام بما أقدم عليه ابنه، فاتصل بأب سما، آمرًا إيّاه ألّا يأخذ الأمر على محمل الجد، ناعتًا حسام بالطائش، غير المستوعب لتقاليد مجتمعه التي لا يمكن التفريط فيها. تعاطى أب سما بواقعية مع مضمون اتِّصال الرّجل، واتّخذ قرار الرفض لهذه المصاهرة.
اقرأ أيضًا: جدلية الحب والزواج في رواية ة النسوة
كان قرار أب سما قاصمًا لظهر الأمل، الذي كان يتشبث به حسام؛ لذلك ضاقت به أحواله، ولم يجد في بلده ما يغريه بالبقاء فيه. هاجر بعيدًا، مُقسِمًا على نفسه، ألّا يتزوج من غير سما. استمر خيط التواصل بينهما، رفضت كلّ مَنْ تقدّم طالبًا يدها، مُنتظرةً أن يمنّ عليها القدر، بما لم تلمس في واقعها، أيّ تعزيزٍ لإمكانيات الوصول إليه.
الحب من طرف واحد
حدثت إشكالية في وظيفة محاسب الشركة التي تعمل فيها سما، فوجدتْها فرصةً لابن عمها عمّار، الذي ترعرعت معه، وعاشا طفولة واحدة، وظل سندها في كل محطة من حياتها. واستنادًا إلى ما تحظى به من ثقة لدى مديرها؛ تشجّعت، وناقشتْه في إمكانية أن يشغل ابن عمها تلك الوظيفة. لم يعترض، وسرعان ما صار عمار واحدًا من أهم مساعديه. كما صار أكثر قربًا من ابنة عمه سما، يخرجان كل يوم إلى عملهما في الشركة معًا، ويعودان منها معًا، إلى منزليهما المتجاورين.
بعد أيّام من التحاق عمار بالعمل في شركة شهاب، انتفض قلب سما، متأثرًا بما سمعتْه من حديثه إليها، في موقفٍ كان باذخ المودة التي غمرتهما. لقد كاشفها عمار بحبّه لها منذ الطفولة، استغربتْ، مؤكّدة أنها لم تر فيه طيلة ما مضى من سنوات عمريهما إلّا أخًا لا زوجًا. ترك لها الأمر لتفكر، فأمضت أيامًا أسيرةً للحيرة التي كانت تنهشها بهما معًا، حسام وعمار، الحيرة التي كانت تمزّقها بحبّهما لها، وحبّها المقصور على حسام وحده.
فاتح عمّار عمه برغبته في الزواج من سما، فوافق، لكنهم فوجئوا برفض سما القطعيّ؛ وتبريرها ذلك، بأنها لا تستطيع أن تراه زوجًا، بعد أن اعتادت عليه أخًا منذ الطفولة. قَبِلَ عمار بالأمر على مضض، ولم يجد أبوها طريقًا إلى إقناعها. وكلاهما لا علم لهما، بأن استحواذ حسام على قلبها هو التبرير الذي لم تستطع البوح به.
عودتان ورحيل أبديّ
شاءت الأقدار أن يعود حسام من مهجره، إلى بلده؛ للاعتناء بوالدته التي أصيبتْ بمرض مفاجئ. بعد مرور أيّام قرر السفر إلى حيث أتى. استوقفه أبوه، وعرض عليه الزواج من إحدى قريباته، لكنه لم يجد أي أمل في موقف ابنه الذي أكد مرارًا بأنه لن يتزوج من غير سما. عندها، لان الأب، ومنح حسام حرية الزواج بمن يريد، غير معترضٍ على زواجه من سما، مؤكّدًا أنه سيقف إلى جانبه، في وجه العادات التي لا تتسامح مع من يتّخذ مثل هذا القرار.
لم يدخر حسام وقتًا، سارع إلى إبلاغ سما بما استجد في موقف أبيه، طلب يدها، فنال موافقة أبيها بعد أن علم برضى والده عنه. بدأ ترتيبات الزفاف، ثم حان الموعد، وتوالت المراسيم، وتعالت السعادة مُحلِّقةً بهما معًا في عوالمها الأثيرة، حتى اقتربا من اللحظة الذهبية، لحظة اللقاء، التي لم تكتمل؛ إذ سقطت سما برمية أحد أبناء قبيلته، الذين اتفقوا على مقاطعته، ومقاطعة أسرته.
ثانيًا: التقنيّات والحبكة الروائية
الضمير السردي
على لسان شخصية الرواية الرئيسة سما، سُردتْ أحداثُ العمل وتفاصيله. تحدّثت عن علاقتها بحبيبها حسّام، عن تداعيات هذه العلاقة. استأنست في إثراء هذا الحديث، بسطور رسائلها إلى حسام. تلك الرسائل، التي دوّنت فيها مشاعرها، كما استمتعت بقراءة كل كلمة من رسائله إليها.
وفي سياق آلية تسريد الحكاية على لسان سما، يأتي حديثها لقرّائها، متماهيةً معهم، في خروجها من بين السطور، مخاطبةً إيّاهم، بما تراه من تفاصيل يمكن أن يكون أحدهم قد مرّ بها. من ذلك خطابها الذي وجّهتْه إليهم بشكل مباشر، ردًّا على تساؤلاتٍ توقّعتْها منهم، بعد حديثها عن بداية علاقتها مع حسام، التي لم تكن فيها متحمّسة للتداعي معه؛ إذ تقول: “وقبل أن تطرق الأسئلة أدمغتكم، فأنا بنفسي لا أعلم لمَ، يبدو لي شخصًا متعجرفًا، واثقًا بنفسه أشد الثقة، تتهافت الفتيات هنا على كلمة منه”(4). ثم تتحدث معهم (قرّائها)، عن العلاقة نفسها، لكن بمشاعر مختلفة، وإحساس مغاير، غرقت فيه بحبّها لحسام؛ إذ تسألهم، عن مواقف مماثلة لموقفها، الذي تمكّنت فيه من الإحساس، بنعومة صوت حبيبها: “هل سبق ولامستم صوت من تحبون؟ أنا فعلت”(5).
بين صوتيْ (حسام وسما)
على لسان سما، استمرّ تسريد تفاصيل العمل، حتى جزئه الأخير، الذي أعقب رحيلها إلى حياتها السماوية؛ إذ حلّ محلّها في هذا الجزء صوتُ حسام. ومن خلاله تمكّنت السياقات السردية، من المحافظة على استمرارية تسريد الحكاية، فروت على لسان حسام حاله التي عصفت به، بعد تلك اللحظة، التي صادرت فيها تقاليد مجتمعه حياة حبيبته. كما روت عذابه ومعاناته، وسفره إلى بلاد المهجر، مكتفيًا بأشياء معشوقة قلبه، وأوراقها، ومذكّراتها، التي رأت أسرتها أنه أحق الناس بها.
ولأن تلك المذكّرات، سبق أن دوّنتها سما بضمير المتكلم (هي) ــ اتساقًا مع نسق تسريد الأحداث على لسانها ــ فقد عادت من خلالها سما؛ لتستمر في رواية ما حدث. كانت قراءة حسام لتلك المذكّرات نافذة، لاستعادة صوت سما عافيتها السردية، متحدِّثة عن تفاصيل ذاك اليوم المشؤم، حتى اللحظة التي سبقت إزهاق روحها. وهنا تجلّى نسقٌ جماليٌّ، في بُنية تسريد الحكاية، ومركزية الشخصية المتحدثة عن تفاصيلها.
بُنية التوتُّر
اتخذ الاشتغال السرديّ ــ على سياقات هذا العمل الروائي ــ من بنية التوتّر بُنيةً مركزيّة في نسْجِ مضامينه، والتعاطي مع تحوّلات مصير هذه التجربة الوجدانية، بدءًا من منابتها، مرورًا بمروج اخضرارها ونموها، وصولًا إلى ذبول واقعها المأساوي.
اتّسقت بداية علاقة سما بحسام مع أول ارتباكات التوتُّر، في بساطة هذه البداية لديهما. تنامت العلاقة واتسعت فضاءاتها، فتنوعت مسارات التوتّر، واتّسقت مع فضاءات هذه العلاقة، وحيويّتها، وتصاعدها المرتبك والمخيف.
اقرأ أيضًا: جماليات الحبكة الروائية في رواية سولاريكا
مرّت الأيّام، وتحوّل التوتُّر والارتباك في علاقة سما مع حسام، إلى انجرافٍ إليه. تداعت معه، فوصلت حكاية حبّهما إلى ذروتها، التي لا مجال فيها للعودة. وفي تلك الذروة نفسها، انتقل التوتّر إلى مستوىً أكثر اتّساقًا، مع ما وصلت إليه التجربة، من مشاكسةٍ لموروثٍ ليس من السهل الاشتباكُ مع منظومته القيمية الراسخة.
تناسُل أنساق التوتُّر
لم تقف حدّة التوتُّر عند الحيرة في ما سيندلع من اشتباك مع تلك القيم، بل اتّسع، مع سفر حسام، والتحاق ابن عمها عمار بالعمل، في الشركة نفسها التي تعمل فيها، ومن ثم حديثه معها عن رغبته فيها حبيبةً وزوجة لا ابنة عمٍ فحسب. عندها خسف بها التوتُّر ارتباكًا وحيرةً، لم يلُح لها أفقٌ يمكن أن تتلاشى فيه، إلّا حينما تمكّنت سما من إقناع عمار باستحالة زواجها منه، بعد أن تمكّنت منها أخوّته، التي ليس في مستطاعها استبدالها بعلاقة زواج.
وهنا، استطاع السياق السرديّ تجاوز ما يمكن أن تفضي إليه هذه التسوية من خفوتٍ للتوتّر؛ إذ تمكّن من استعادة حيويّة التوتّر، في سياقات فاعلة في اشتعاله. لا سيما ما يتعلق منها بتلك المواقف، التي تكون فيها سما متماهيةً مع حسام، في مكالمةٍ طويلة، ثم يأتي عمار فجأة، فترتبك، ويتمزّق صوتها قلقًا، سرعانَ ما يشعر حسام به، فيسمح لها بإنهاء المكالمة. ومثلها تلك المواقف، التي تكون فيها متماهية في جلسةٍ وديّة مع ابن عمها عمّار، ثم تفاجئها مكالمة من حسام، فيستبد بها الارتباك نفسه، حتى تجد سبيلًا إلى نيل السماح من حسام لإنهاء المكالمة، والتغاضي من عمار عن هوية المتّصل، الذي أربكها اتصاله.
مسارات التوتُّر المتجدّد
من المواقف ــ التي كانت فاعلة، في اطّراد التوتُّر بتقاطعات اهتمام حسام وعمار بسما ــ موقفان اثنان، وصل فيهما التوتُّر أقصى مستوياته الاستفزازية لكليهما. في الموقف الأول سمع حسام سما ــ وهي تستأذنه إنهاء المكالمة ــ صوت شخصٍ نادتْه بعمار. سألها فيما بعد عنه، فأخبرته بكل شيء، اشتعلت غيرته، وحذّرها منه. أما الموقف الثاني، فقد كانت فيه سما مع عمّار، لم تنتبه حينما ورد على لسانها اسم حسام، إلّا حين سألها عمّار عن ذلك. حاولت تشتيت اهتمامه بالأمر، وتمكّنت من تمرير الموقف، مستفيدةً من ثقته المطلقة فيها.
ومن هذين الموقفين، أفلح البناء السردي، في صياغة موقفٍ ثالث، وصل فيه هذا التوتّر إلى ذروته (التوتّر في علاقتها المزدوجة بين حبيبٍ وأخٍ لا شيء ينقصه ليكون حبيبًا). بدأ ذاك الموقف يتشكّل، من إبلاغ حسام سما بتسوية خلافه مع أبيه، طالبًا منها أن تلتقي به في اليوم التالي، بمكتبه في الشركة.
صباح اليوم المتّفق عليه، استعدت سما بكامل زينتها، فوجئت ــ وهي في طريقها إلى لقاء حسام ــ بعمار معترضًا طريقها، متسائلًا عن سرّ زينتها، عنّفها، غضب عليها، لم تخبره بشيء، تركها بعد أن أنذرها بأنه لن يسمح لها ثانيةً أن تخرج على تلك الحال المثيرة.
وصلت مكتب حسام، استقبلها بحفاوة. وسرعان ما ضرب التوتُّر الموقف، بعد أن لاحظت عمار على بعد منهما، وأدركت أنه تتبّعها مراقبًا إيّاها. تركت مكتب حسام، واتّجهت إلى مكتبها، أغلقت الباب على نفسها. لحظات ودخل عليها عمار بشكل مفاجئ، غاضبًا، سائلًا إيّاها، أذاك هو مَن حال دون زواجها منه. حاولت جاهدةً أن تشرح له الأمر. في تلك اللحظة، استبطأ حسام عودتها إليه؛ فجاء إلى مكتبها، فوجئ بتواجد عمار، الذي سبق أن حذرها منه. وهنا لم يعد لذروة التوتّر إلّا الوصول إلى اشتباكهما، حذّر كل منهما الآخر، وغادر كل منهما إلى حال سبيله، ولم يغادر التوتّر سما، التي تمزّقت به، قلقةً مما يمكن أن يصل إليه الأمر في غيض كل منهما من الآخر.
كسْر آفاق التوقع
من أهم ميزات هذا العمل، تجويده مسارات الوصول إلى لحظاتٍ، انكسرتْ فيها آفاق التوقع، بشكل حاد. تجلت هذه الميزة في سياقين، الأول سياق توقّع المواجهة بين عمار وحسام، والآخر سياق توقّعٍ لاكتمال قصة الحب بين سما وحسام، وتتويجها بالزواج.
في السياق الأول، فوجئت سما بوصول حسام وعمار إلى منزل أبيها، بعد أيامٍ من موقف تهديد كل منهما الآخر. تحيّنت لحظة خروج عمار من المجلس ليتولى إدخال مائدة الغداء ــ بوصفه ابن عمها بمكانة أخيها ــ سألته عن سبب مجيء حسام، ردّ عليها مُطمئنًا إيّاها بأن حسام قد جاء إليه، وشرح له صدق حبّه لها، ورغبته في الزواج منها، مؤكّدًا أنه قد اطمأن إلى أنه جديرٌ بها. وهنا انكسر التوقُّع، الذي كان من نسيج احتمالاته، أن ينتصر كلٌّ منهما، لغيرته عليها من الآخر (غيرة الحبيب/ وغيرة الاخ).
أمّا السياق الثاني ــ الذي تضمّن جمالية انكسار آفاق التلقي ــ فقد تمثّلَ في تسريد استعدادات حسام للزواج من سما، بعد تأثيث ذلك بكل ما يعمل على تيسير هذه المناسبة؛ حتى تكامل أفق التوقع، واستوت فيه فكرةُ انتصارهما لحبهما، في وجه العادات والتقاليد. وعند هذه المساحة الفاصلة بينهما وانتصارهما ذاك، تهشم أفق التلقي، وتلاشت فكرته، وانفتح على عالمٍ مناقضٍ لما كان قد تشكّل فيه. عالم انسحقت فيه هذه التجربة، بسطوة مجتمعية، غير متصالحة مع أية تجربةٍ منقوصة التكافؤ بين طرفيها.
بين الفكرة والبناء السردي
على نبل الفكرة الروائية ــ وما يتصل بها من أنساق القيم الإنسانية، التي استهدف هذا العمل الاشتغال السردي عليها ــ إلّا أن العناية القصوى في هذا الاشتغال قد استحوذ على مساحة كبيرة منها البناء السردي. وبوجه خاص، ما يتعلق منه بتجويد تشبيك الأنساق، الفاعلة في توالي مستويات التوتّر، وتحوّلاته المتجانسة في تصاعده إلى ذروته. تلك الذروة، التي استوعبت اللحظة الكاشفة، التي بدأت في التداعي مع الفضاء الجديد، الذي تشكّل من انكسار آفاق التوقّع والتلقي السردي.
كما يظهر نسقٌ من التصالح مع الثقافة الاجتماعية، وعاداتها وتقاليدها، الفاعلة في ترسيخ التفاوت الطبقي الاجتماعي؛ إذ أشارت سما ــ في سياقات متعددة ــ إلى استحالة أن يتجاوزا تلك الثقافة. من ذلك، تساؤلها، الذي ألقتْه على حسام في إحدى رسائلها إليه، قائلة له: “حسام، هل تستطيع أن تمحو ذاكرة آلاف السنين من التمايز”(6). وفي هذا السياق، لم يظهر على شخصيتها ما يمكن أن يحيل على رفضها القاطع لهذا التمايز الاجتماعي. كما لم يظهر هذا الرفض أو محاولات المواجهة على شخصية ابن عمها عمار، ولا على شخصية أبيها، الذي كان أكثر تصالحًا مع واقع الدونية، الذي توارثته طبقته الاجتماعية. ولعل كل ذلك، يحيل على قصدية التعاطي السرديّ مع واقعية هذه الثقافة، وواقعية التصالح معها من الطبقات المشمولة بتصنيفها الدوني.
إمكانات التسريد والعنونة
يمكن الإشارة في سياق تحليل هذا العمل الروائي، إلى نوعٍ من الانحياز إلى شخصية الحبيب حسام، على حساب شخصية عمار، الذي لم يحظ بمساحةٍ كافية من تسريد حبّه لسما، ولا بمساحةٍ لتسريد تداعيها معه، لا في طفولتهما المشتركة، ولا في الفترة التي سبقت معرفتها بحسام، مثلها كمثل أية فتاة تستفرد بها فكرة الحب وفارس القلب المُنتظر.
ومن خلال التأمل في العتبة الأولى الخارجية لهذا العمل (العنوان)، يتجلى فيه استيعابه لفكرة الرواية، وما يتعلق بها من سياق اجتماعيّ لا مجال لتجاوزه، بوصفه خطًّا أحْمَر. وعلى ذلك، فقد كان بالإمكان صياغة عنوانٍ مختلف، تحاشيًا لتكراره؛ إذ سبق أن كان عنوانًا لرواية الكاتب العراقي جاسم الرصيف “خط أحْمَر”، الصادرة عام 1987م.
خصائص سردية
لقد تميّزت هذه الرواية، بعددٍ من السمات المحورية، منها ما قامت عليه جماليات لغتها السردية، بمستواها العالي، وشعريتها المتماهية في سياقاتها ومضامينها المختلفة.
وكذلك هو الأمر في بنيتها السردية، التي استوعبت خصائص الكتابة السردية، وتمثّلت كثيرًا من آليات الاشتغال على الحبكة الروائية وتحوّلاتها، وما تفضي إليه هذه الآليات من تشويقٍ، وانسياب، وتداعٍ مع قراءة تفاصيل الحكاية.
وفي السياق نفسه، يأتي استيعابُ العمل، لآلية اختيار مضامين وأفكار، تتوافر فيها مقومات الاشتغال السرديّ، على ما تكتنزه من أنساقٍ ثقافية، متصلة بقيمٍ إنسانية، لا تزال بحاجةٍ إلى مزيدٍ من العمل عليها، والارتقاء السردي بها، إلى مستوىً تتمكّن ــ من خلاله ــ من الحلول محلّ أيّةِ قيمٍ ثقافية، غير متّسقة مع وصلت إليه البشرية، من رؤى تجاوزت التمايز الطبقي، في كثيرٍ من المجتمعات المعاصرة.


