أحمد السماري وتسريد التجسير بين تحولات الفنون الغنائية مقاربة نقدية في رواية قنطرة

أحمد السماري وتسريد التجسير بين تحولات الفنون الغنائية مقاربة نقدية في رواية قنطرة

كيف تمكّن الكاتب أحمد السماري في روايته قنطرة، من تسريد التجسير بين تحوّلات فن الغناء والموسيقى في المملكة العربية السعودية؟

أحمد السماري وسردية التجسير بين تحولات الفنون الغنائية مقاربة نقدية في رواية قنطرة

د. عبده منصور المحمودي

مرّ فنُّ الغناء في المملكة العربية السعودية ــ والبلدان الخليجية على وجهٍ عام ــ بمحطاتٍ وتحوُّلات متعاقبة؛ بدءًا من حيوية الأغنية الشعبية، في المحافظة على استمرارية هذا الفنّ، وصولًا إلى أحدث أشكاله المعاصرة؛ إذ لا تنفصل أية محطة من محطّات التحوّل ــ تلك ــ عن غيرها، ولا بد من أن تستند التالية منها على السابقة لها، وأن تستمدّ التجربة الحديثة طاقتها من التجربة الفنيّة الشعبيّة، بشكلٍ أو بآخر.

هذه الصلة الحتمية ــ بين محطات التحوُّل في الفنّ الغنائي ــ هي الفكرة السردية الرئيسة، التي تشكّلتْ بها سياقاتُ الاشتغال السرديّ، في رواية الكاتب أحمد بن عبد العزيز السماري “قنطرة”(1).

قدّمت هذه الرواية أواصر هذه التحوّلات، بصفتها نسقًا من التجسير الفنيّ، الذي تتماهى فيه الحقب الزمنية، وسياقًا إنسانيًّا راسخًا في الفنّ الموسيقيّ، وذا أثر فاعل في صياغة الذات الفنية، وتشكيل حياة الشخصيّة الغنائيّة وتحوّلاتها. تلك التحوُّلات، التي استوعبتها سياقات العمل، من خلال تسريدها لحياة فنانٍ شعبيّ، مخلصٍ لشغفه الغنائيّ، مُتصالحٍ مع عثراته، وخساراته التي تتابعت في حياته، حتى وصلت به إلى مصيرٍ بائس.

أولًا: الحيّز السرديّ والشخصية الموسيقية

سردية الزمن الجميل

احتفى الحيّز السرديّ ــ في سياقه الزماني ــ بحقبة السبعينيات من القرن العشرين. تلك الحقبة، التي انتمت إليها أحداث الرواية، ومنحها السياق السردي صفتها الخاصة بها، بوصفها “حقبة الزمن الجميل”(2).

كما امتدّ الحيّز السردي الزماني، إلى مطلع الألفية الثالثة؛ بحسب ما أحالت عليه الإشارة السردية، إلى زمن تحرير الحكم القضائي على وحيد، في “يوم الثلاثاء 3ــ4ــ1424 هجرية الموافق 4ــ5ــ2003م”(3).

أمكنة الأسفار الغنائية

تنوّع الحيّز السرديّ المكانيّ ــ في هذا العمل ــ فكان منه ما أحال على بلد الشخصية الرئيسة، المملكة العربية السعوديّة، لا سيما منطقة الطرادية، ومدينة الرياض. كما أن من أمكنة هذا الحيّز، تلك التي ارتبطت بمحطات أسفارٍ وعملٍ لهذه الشخصية، التي عملت في العاصمة القطرية الدوحة(4)، ثم في الشارقة من الإمارات العربية المتحدة(5).

كما تعد الكويت(6) واحدةً من محطات هذا الحيّز السرديّ؛ وقد حظيت بمكانةٍ خاصة في الرؤية السردية، بوصفها “عاصمة الفنون الخليجية، لفنّها نغمات مميزة ذات نكهة خاصة تمتزج بتاريخ الكويت وحضارتها، وتتجانس مع عمق الفكر والإبداع للإنسان عبر الزمان لتلاقي الحكايات والذكريات وأمواج البحر المتدفقة لتشهد على تاريخ الفن الكويتي والخليجي الأصيل”(7). هذه المكانة نفسها، هي ما تجلّى في تسريد أحداث رواية “الصريم”، من خلال ما ورد فيها من إشارةٍ، إلى مكانة الكويت الاقتصادية والثقافية، ودورها الفاعل في إحداث تحوّلات مختلفة في حياة القادمين إليها، من العمالة العربية والأجنبية(8).

اقرأ أيضًا: تيمة الفقر وسردية الخلاص مقاربة نقدية في رواية الصريم

استوعبت هذه الأماكن المتعددة ــ في هذه الرواية ــ عددًا من الأحداث المتعلقة بالشخصية الرئيسة وحيد، الذي تنقّل بينها، ممارسًا عشقه لفن الغناء، لتستقر به المحطة الأخيرة من حياته في بلده. وهناك، بدأت إرهاصات مصيره المؤسف؛ فعلى الرغم من أنّ لا يدَ له في تلك الحادثة، التي انتزعت حياة أحد أصدقائه، إلّا أنه لم يستطع إثبات براءته منها، فحُكم عليه بالسجن عشر سنوات. وقبل أن تنتهي فترة العقوبة ــ هذه ــ أصيب بأمراض الشيخوخة وتداعياتها، فتعاطت الإدارة المختصة مع حاله بمسؤولية، أفضت إلى الإفراج عنه. لكنه إفراجٌ متزامنٌ مع خريف عمر الرجل، الذي فقد فيه  ذاته، وتلاشت ذاكرته، وانهار كل شيء في حياته.

شخصية الفن الغنائيّ

حرص الاشتغال السرديُّ ــ في هذا العمل ــ على ربط مركزية الشخصية الروائية ــ الرئيسة، والثانوية ــ بنسقِ الفن الغنائي؛ إذ اتخذ من شخصية الفنان السعودي وحيد بن حمد بن فرحان شخصيةً رئيسة. تليها شخصية الفنانة السعودية سارة عنبر.

ثم تأتي شخصيات أخرى، غير بعيدة عن هذا المجال الفنيّ، من بينها أصدقاء وحيد، كتّاب كلمات الأغاني. من أهمهم الشاعر سعد، والشاعر علي الشرقي. وكذلك هي شخصية خالد بن جار وحيد، الذي كان من الشخصيات ذات العلاقة المباشرة بفن الغناء، من خلال عمله مع الفنانة سارة، ثم فوزه بها زوجةً، على حساب حبيبها الأول عبد الله، وحبيبها وحيد، الأكثر ابتلاءً بعشقه لها.

وحيد الوحيد

من أبرز الأنساق الفنية ــ التي حظيت بعناية الاشتغال السردي ــ نسقُ التشبيك، بين الفضاء الدلالي الذي يحيل عليه الاسم (وحيد)، وحياة الوحدة والعزلة، التي عاشها الفنان الشعبيّ الذي سمّي بهذا الاسم (وحيد بن حمد)؛ إذ تجلّى هذا التشبيك الدلاليّ والواقعيّ، في مساحاتٍ سرديّة متعددة، منها ما تضمّن الإحالة على اعتياده على تلك الحياة الخاصة التي عاشها، كقوله: “أنا الذي قد تعودت على الوحدة في بيتنا حينما كنت بمفردي طوال الوقت، أُهزم وأتعثر وأتألم، دون أن يتنبه لي أحد”(9).

وإذا كان التشبيك في هذه الإشارة السردية ــ التي وردت على لسان الفنان ــ تشبيكًا واقعيًّا مُتصلًا بحياة وحيد الخاصة، فإن إشارةً مماثلة، كانت أبلغ في تشبيكها الواقعيّ بين خصوصية حياته ومعنى اسمه. هذه الإشارة لم ترد على لسانه، بل على لسان شخصية أخرى، في سياق حديثها عن حال إغماء مفاجأة تعرّض لها وحيد، فنُقل على إثرها إلى المشفى.

شخّص الأطباء حال وحيد مصابًا بجلطة قلبية، فأقروا ضرورة أن يخضع لعملية قلب مفتوح، لكنهم فوجئوا بمشكلةٍ؛ إذ “تطلب الأمر الحاجة إلى أحد الأقرباء من الدرجة الأولى للتوقيع بالموافقة على إجراء العملية… هنا وقع الحرج؛ فوحيد وحيدٌ، لا أبوان ولا إخوة ولا أبناء أو زوجة، ما العمل؟ مسكينٌ هذا الوحيد لم يجد يدًا حانية توقّع على أوراق العملية الجراحية الخطيرة”(10). ولأنه لا مجال أمام الأطباء لتجاوز هذه المشكلة، فقد اضطروا إلى إبقائه تحت المراقبة شهرًا كاملًا، تمكنوا خلاله من معالجة حاله الحرجة، من غير تدخلٍ جراحي.

وحيد المُتّحد بفن الغناء

ربطت السياقات السردية ــ بفنيةٍ عالية ــ بين حياة الوحدة التي يعيشها الفنان وحيد، ونوعٍ آخر من الأنس. ذاك المتمثّل في التماهي الذي اتّحد ــ من خلاله ــ بهويّته الرئيسة الغناء؛ إذ تظهر إشارته إلى سعادته بالاكتفاء بهذا الفن، في مثل قوله: “كيّفتُ حياتي مع الوحدة والعزف والغناء”(11). وقوله: “تحمّلتُ همومي وغرابيلي طوال عمري وحيدًا، كان الفن والطرب والعود كل حياتي”(12).

ومثلما حرص الاشتغال السردي ــ في تسريد العلاقة بين دلالة الاسم وحال الوحدة التي يعيشها صاحبه، على أن يشمل بذاك التسريد سياقات الحديث عن تلك العلاقة ومواقف واقعية محيلة عليها ــ فإنّ هذا الحرص نفسه، هو ما تجلّى في تقديمه صورًا واقعية ماديّة، لاتِّحاد الفنان بفنّه. منها هذه الصورة، التي تجسّدت من خلالها علاقة وحيد الحميمة مع إحدى أدوات الغناء (العود)؛ إذ وردت هذه الأداة، في سياقٍ أكّد فيه تماهيه مع فنه، قائلًا: “أنام كل يوم والعود بقربي، ويكون هو آخر شيءٍ ألمسه، وعندما أستيقظ، يكون أول عمل أقوم به هو أن أمسك العود وأدندن لحنًا، هذا إذا لم أستيقظ أثناء النوم لأعزف لحنًا جديدًا سمعتُه في منامي، لم يكن شيئًا يريحني أو يلهيني فقط، بل هو كل ما أملك في دنياي كُلّها”(13).

جماليات تسريد العلاقة بين الاسم والمُسمّى

من أبرز جماليات التدوين السردي ــ للعلاقة بين دلالة اسم وحيد، والوحدة التي التصقت به ــ ما قام عليه سياقان اثنان: تضمّن الأول منهما تسريدًا لعدم تمكُّن حريقٍ مباغتٍ من محو هذا الاسم، والآخر تسريدًا لحيثيات إطلاق اسم وحيد على هذا الفنان.

سياق الاحتراق غير المكتمل

قدّم السياق الأول واحدةً من أهم المراحل المأساوية، في حياة الفنان وحيد. تلك المرحلة، التي أقدمت فيها مجموعة متشدِّدة، على إحراق الاستديو الذي اشترك في تأسيسه مع أحد أصدقائه.

واستنادًا إلى الشهرة، التي وصل إليها الفنان وحيد ــ بعد أنْ صار في مقام فنان الجزيرة العربية المحظوظ بانتشارٍ واسع ــ سُمّي ذاك الاستديو باسم “وحيد الجزيرة”، فكُتِبَ بخطٍّ عريضٍ على لوحة بارزةٍ تعتليه. احترق الاستديو بكل ما فيه، واحترقت تلك اللوحة حتى اختفت كلمة (الجزيرة) منها، وبقي اسم (وحيد)(14).

وهنا، أحالت سلامة اسم وحيد، على نوعٍ من خلود الفن، كما أحالت إحالةً بليغة على ثبات صفة الوحدة في شخصية هذا الفنان، الذي لا أحد يتشارك معه حياته؛ إذ لا يدوم ارتباطه حتى بما يملكه في هذه الحياة من أشياء وعقارات.

سياق التراتُبية السرديّة

في السياق الجمالي الثاني وردتْ إشارةٌ إلى اللحظة الأولى، التي أُطلق فيها اسم (وحيد) على هذا الفنان، ضمنَ مساحةِ تسريدٍ لتأملٍ واستذكارٍ، انقاد إليه وحيد، في فترة سجنه؛ يقول: “أخذت أسترجع بعض ذكرياتي وبعض الشخوص الذين تعرفت عليهم خلال مسيرتي الفنية من فنانين وعازفين وشعراء، ثم سألت نفسي أين ذهب هؤلاء؟ لماذا لم يسأل عني أحد؟ ولم يزرني أحد؟… تذكرت حديث أمي حين قالت لي وأنا طفل: سمّك أبوك حيدر، وأنا غيرت اسمك إلى وحيد؛ لأنك ولدت وحيدًا وستعيش وحيدًا”(15). ثم يتخذ من هذه الذكرى مسارًا تأكيديًّا لطبيعة حياته، فيقول: “لقد عشتُ يا صاحبي وحيدًا كما سمّتني أمي”(16).

وتكمن جمالية هذا التسريد الاستذكاري، في تقديمه لهذه العلاقة ــ بين دلالة الاسم (وحيد) وحياة الوحدة التي اعتاد عليها ــ من خلال وعي الشخصية بحال وحدتها في كل موقف مرّت به؛ إذ اتصل وعيها ــ هذا ــ باستذكارها تلك المواقف التي توالت عليها طيلة حياتها، امتدادًا إلى استذكار أقدم موقف محوري، كان فاعلًا في صياغة هذه العلاقة بين الاسم والمسمى. ذاك الموقف، الذي استوعب سردية التحوّل في اسم هذا الفنان، من (حيدر) إلى (وحيد).

وضمن جمالية هذه المحورية وتسريد لحظتها الأولى، تأتي جمالية اختيار مساحة هذا التسريد، التي ظهرت في الصفحات الأخيرة، لتتّسق مع وعي وحيد المتأخر بهذه العلاقة، التي لم يلتفت إليها إلا في الفترة الأخيرة من حياته. وقد أضفى هذا الاتّساق نوعًا من الانسيابية على تسريد العلاقة الدلالية والواقعية بين معنى اسم (وحيد) وحال الوحدة في حياته، بصيغةٍ تعبيرية متدفِّقة، غير مشوبةٍ بأيّ شكلٍ من الأشكال، التي يمكن أن تحيل على التكلُّف أو التصنُّع في تجويد بنائها السردي. وبذلك، بلغ تسريد تلك العلاقة إلى ذروته الجمالية.

ثانيًا: البُعد الإنسانيّ الموسيقيّ

تناولت السياقات السردية ــ في هذا العمل ــ فنّ الموسيقى والغناء، من زوايا متعددة، أبرزها تلك الزاوية التي يرتبط فيها هذا الفن بالطبيعة الإنسانية، بصورة متجاوزةٍ للحدود الجغرافية، والبُنى الثقافية المتمايزة.

بدأ تسريد إنسانية الموسيقى والغناء ــ في هذا العمل ــ من مرحلة تعلُّم هذا الفن. تلك المرحلة التي لا تقتصر فيها عملية التعلُّم على فنّ الغناء فحسب، بل تمتدّ إلى تعلُّم قيَمٍ إنسانيّة وأخلاقية، منها ما وردت في حديث الفنان وحيد عن أولى المدارس، التي بدأت فيها علاقته التعليمية مع الموسيقى؛ إذ يقول: “يجب أن أعترف بأنني لم أتعلم الفن والعزف والغناء فقط من تلك المدرسة الرائعة، بل تعلمت أيضًا المحبة والإيثار والتجرُّد من الأنانية… تعلمت كيف تكون مميّزًا حتى لو كنت تعمل ضمن فرقة… أن تتجاوز ذاتك وتتنافس معها قبل أن تتنافس مع الآخرين، مدرسة أخلاق قبل أن تكون مدرسة فنون وموسيقى”(17).

تهذيبٌ وامتدادٌ إنسانيّ

يمضي تسريد البعد الإنساني الموسيقي والغنائي ــ في هذه الرواية ــ إلى التعاطي مع ما تكتنزه المعزوفات الغنائية، من قيمٍ فاعلة في الارتقاء إلى النقاء الإنساني؛ فـ”من خلال الأغاني والألحان التي تهذّب النفس وتزكّيها، وترتقي بها إلى أعلى درجات الإنسانية، تصنع ضميرك الخفي الذي يسبق عقلك، والذي يصنع إنسانية الإنسان”(18)؛ ذلك “لأن الحياة بعمومها فظيعة إلى حدّ أن الإنسان لا يستطيع أن يتحمّلها إلا بمساعدة، والفن والموسيقى يجعلانه أكثر عمقًا،ـ وأقدر على منحه الكيف اللذيذ، فينغمس في تفاصيل الحياة ومعاناتها اليومية، ويشعر بالسعادة الغامرة”(19).

في هذا السياق نفسه، يستمر تسريد إنسانية الموسيقى والغناء، على لسان الفنان وحيد، الذي يتداعى مع إحساسه بإنسانية هذا المجال الفنّي، مُؤكّدًا أنّ “الانجذاب للموسيقى هو ميلٌ متجذّرٌ بعمقٍ في عالم الأعصاب”(20). كما يشير إلى فاعلية الموسيقى بوصفها مشتركًا إنسانيًّا، متعجّبًا من ذلك، على هذا النحو من التساؤل: “يا لهذه الموسيقى كيف تغذّي الأرواح، ولهذه الكلمات كيف تعالج مُتعبي النفس مثلي، كيف يمكن لأي شعب أن يستغني عنها؟!”(21). ثم يُتبع هذا التساؤل، بما استقر في رؤيته من إجابةٍ، فيقول: “الموسيقى فنٌّ أصيل له تاريخ موثّق لدى كل الشعوب والأمم باعتبارها لغة ثانية من دون كلمات… هي أصوات الحياة والناس المسالمين الرقيقين الحانيين”(22).

كما أن من سياقات تسريد إنسانية الموسيقى والغناء، ما استوعب موقفًا، لم تظهر فيه حيوية هذا الفن، ولا جذوته الإنسانية، فاستضاء الاشتغال السردي بذاك الموقف ــ على لسان وحيد ــ في الكشف عن هوية مَن يتمثّل هذه العلاقة، المرتبطة بالألم الوجدانيّ: “اقتنعت حد اليقين أن الموسيقى تُعزف لمن يتألم، تُعزف لمن يصغي”(23).

تجسيرٌ بين الفنون الخليجية وعالمية الموسيقى

ضمن إنسانية الموسيقى والغناء، وردت الإحالة، على عددٍ من الفنون الخليجية، منها “فن الصوت”، أحد فنون الخليج البحرية، الذي تطوّر “وأصبح يُؤدّى بالآلات الموسيقية مثل العود، كآلة رئيسية، ثم أدخل الكمان والمرواس عليه لاحقًا… وتغلب عليه الألحان العربية القريبة من البيئة البحرية”(24). ومثله الفن التراثي الخليجي الشعبيّ “السامريات”(25). وشعر المحاورة، وما يتعلق به من ألحان الطرق(26).

اقرأ أيضًا: الموسيقى السعودية معزوفة سردية في رواية قبل أن تعزف موسيقاها بقليل

ومن خلال تضمين هذه الفنون، تمكّنت الكتابة السردية، من تأكيد التنوّع الموسيقي المتصل بتنوع الثقافات الإنسانية. كما تمكّنت من تأكيد خصوصية كل موسيقى؛ تبعًا لخصوصية الموروث الثقافي الذي تنتمي إليه. وفي الوقت نفسه، تمكّن الاشتغال السردي ــ من خلال الإحالة على هذه الفنون الخليجية ــ من تجسير العلاقة بينها والموسيقى، بطبيعتها المتجذرة في شتى الثقافات الإنسانية.

خصوصية الشخصية الفنيّة

من تسريد إنسانية الموسيقى والغناء، تخلّقت مساحةُ الاشتغال على تسريد إنسانية الفنان والمبدع، واستيعاب خصوصية حياته، ذات الطقوس المتقلبة، والأحوال المتباينة. بما في ذلك، محطات معاناته المتجددة، وانسحاقه بالتحوّلات الجذرية التي تطرأ على حياته، فتستدرجه من دائرة النجومية والحضور الجماهيريّ، إلى دائرة الهامش المسكون بالبؤس والعذاب والحرمان.

تجلّت بعضٌ من مسارات هذه الرؤية العامة في حياة الفنان، من خلال ما ورد من إشاراتٍ سردية في حديث وحيد، الذي منه قوله: “نحن الفنانين نعيش في عوز مستمر، وفي غالب الوقت نحن مدينون للآخرين”(27). أو تبريره الفشل الاجتماعي في حياتهم، بما يسعون إليه من فردانية؛ إذ يقول: “يصفنا البعض بأننا فاشلون اجتماعيًّا! لكن لدي قناعة قوية: أنه كلما كان الإنسان اجتماعيًّا، وابتعد عن الفردانية، زاد الفراغ في عقله. الفنانون أصحاب عقول مشتعلة في رحلة بحث دائمة… لكن لكل شيء ضريبته، وضريبة الفردانية تكون بضعف خبرتك الحياتية ووقوعك في المطبّات، بل أحيانًا في المصائب”(28).

وفي سياق التعريج على بعضٍ من خصائص هذه الفردية ــ التي يحرص الفنان والمبدع على تمثّلها ــ يأتي توصيف وحيد، لتلك العلاقة الاستثنائية بين لحظة الغروب وذاته الفنية؛ إذ إنّ “الغروب لمسة من حنان لا يشعر بها إلا الفنان، حين أتأمّله يفيض حسّي، بكل أحاسيس النغم والموسيقى، ثم يحل الليل ليكشف الحقيقة الرائعة لمنظر لمعان النجوم في السماء القاتمة”(29).

فردانية الشخصية الغنائية

بثراء وخصوبة المضامين السردية، تمكّن هذا العمل الروائيّ، من استيعاب كثيرٍ من الأبعاد، التي تتشكل بها فردانية الشخصية الموسيقية والغنائية. وبوجهٍ خاص، تلك الأبعاد التي تشكّلت بها فردانية الشخصيّتين الموسيقيّتين: (الفنان وحيد/ والفنانة سارة).

وحيد والفردانيّة الموسيقيّة

بدأت تتشكل شخصية وحيد الموسيقية والفنيّة، من خلال مشاركته في الأمسيات الفنية الشعبية، التي كانت تُقام على مقربةٍ من محل إقامته. ثم من خلال علاقته مع عددٍ من الأشخاص الذين شجّعوه، وفتحوا له أبواب التعلُّم(30). لتستمر ــ بعدها ــ حياته التي قصرها على الفن وحده، إلى الحدّ الذي انغمس فيه، يقول عن ذلك: “لقد أشغلني فني عن الآخرين، أحيانًا أنسى الأكل والشرب وأسهر لساعات الفجر، خصوصًا إذا كنت أبحث عن لحنٍ مناسب… أنفصل عن الواقع ولا أسمع أو أحسّ بمن حولي، وربما أبقى على هذه الحال ساعاتٍ أو أيّامًا حتى أجده، فأستعيد وعيي بالدنيا مرة أخرى”(31).

هذا الانغماس والإخلاص لهويته الغنائية والموسيقية، هما العاملان الرئيسان، في اكتسابه مهاراتٍ عالية، تفوّق بها على أقرانه؛ فهو “ملك العود ورائد الأغنية الشعبية: صاحب الإحساس المرهف في اختيار كلمات أغانيه… متفرّدٌ في عزفه الخيالي على أوتار عوده، يملك ريشة إيقاعية تعزف بإبداع فريد”(32).

وحيد المنغمس في المعاناة

انغماس وحيد في عالمه الفني والغنائي حتّم عليه أن يعيش وحيدًا، فانعكس ذلك معاناةً قاسية في حياته اليومية؛ إذ يشير إلى ذلك، فيقول: إن “هذا النوع من الحياة من الصعب أن ينسجم أو يتأقلم معه شخصٌ له متطلباته وحياته التي لا يستطيع أشخاص مثلي مسايرتها”(33). كما تأتي ــ في هذا السياق ــ معاناته للموقف الاجتماعي من حاله وحياته؛ إذ يقول: “كنتُ مثل مَنْ يسير في الظلام، لا تشجيع أو دعم من أحد، اعتمدتُ على نفسي في كل شيء، بينما كان البعض يحبطني… وقليلٌ ممن سمعني أُغنّي أثنى عليّ وشجّعني، ولكنه مجرد كلام، وإطلاق ألقاب لا تغني ولا تسمن من جوع”(34).

هذا الموقف الاجتماعي، مرتبط ــ بشكل من الأشكال ــ بالنظرة الدونية إلى الفنانين والغناء عامة، والغناء الشعبي منه على وجه  خاص. كما أن هذا الموقف الاجتماعي، قد انطوى على نسقٍ أكثر تشدّدًا، أفضى إلى إحراق استديو وحيد، وإلى محاولات اللحاق به إلى إحدى أمسياته الفنية، التي كان يحييها وفرقته في الصحراء، لولا تمكّنه وجوقته الموسيقية من الإفلات، من تلك المحاولات الساعية إلى تأديبه.

وحيد وتحوّلات الهامش

لعلّ أقسى الأحوال التي تتمزق بها الذات الفنية، هي حال انسحاقها بهامش الحياة، الذي تصل إليه بعد زمن من النجومية والحضور الجماهيري. ذلك هو ما تحدّث عنه الفنان وحيد بمرارة؛ إذ يقول: “أضعنا الشبابَ في تحقيق نزواتنا، وشغفنا، وهواياتنا التي تحولت لنمط حياة، فصعدنا في النجومية حتى عنان السماء، وتمكّنا من المتن، وأن نتصدر الأخبار، ونملأ الدنيا والناس، ولكن بعد أن تدور الدنيا علينا، نتحول إلى الهامش، ويخفت نجمنا، ويغشانا الظلام والنسيان”(35).

ثم يصل من خلال ذلك إلى تشخيص هذه الحال، وتقييمها، فيرى أن “الأشياء المهمة في حياتك تبدأ في الانزلاق من بين يديك، شيئًا تلو الآخر… كل المعاني أو الأشخاص الذين تحبهم يتلاشون واحدًا تلو الآخر… وحينما تفقدهم لا يُمكنك استردادهم مرة أخرى، ولن يفيد البحث عن بدائل، إنه وضع في غاية الألم”(36).

سارة والفردانية الموسيقية

على أن تسريد فردانية الشخصية الموسيقية قد استحوذت عليه شخصية الفنان وحيد، إلّا أن منه ما تناول شطرًا من هذه الخصوصية الفردانية، في شخصية الفنانة سارة، التي وجدت في فن الغناء ملاذًا تعويضيًّا، فأشارت إلى ذلك، بالقول: “لجأتُ إلى الغناء، فوجدت فيه عملًا مُريحًا وممتعًا ومسليًّا عن خيبات الحُب، تميزت في استيعاب فنونه بسهولة، ووجدت فيه ما يحقق ذاتي، ويرفع من شأني المتواضعة”(37).

ومثل الفنان وحيد، احتست الفنانة سارة مرارة المصير، بعد أن تلاشت نجوميتها إلى هامش مأساوي، تضافرت الظروف في تهيئته للسنوات الأخيرة من حياتها، تقول عن ذلك: “تركت الأيام الماضية خلفي خطًّا حزينًا من الشموع المطفأة، شموع باردة ذائبة وخامدة، لا أريد أن أتذكّرها”(38).

وبذلك، لم تستمر فردانية الشخصية الفنية الموسيقية ــ في حالي وحيد وسارة ــ في المحافظة على حيوية الحضور الفني؛ إذ لم يجدا منفذًا للنجاة من واقعهما. ذاك الواقع، الذي وصل بهما إلى مصيرٍ هامشيٍّ، بعد ألقٍ نجوميٍّ احتفت به مساحةٌ لا بأس بها من عمريهما. وعلى ذلك، فقد جسّدت تجربةُ كلٍّ منهما جسرًا لاستمرار حيوية الفن، بوصفهما أيقونتين، أُضيء بهما فصلٌ من فصول الزمن.

ثالثًا: القنطرة وتجسير التحوّلات الفنية

لكل تجربة روائية ناضجة خصائصها وتقنياتها، التي تتمايز بها عن غيرها من التجارب السردية. ومن خلال التأمل في تجربة الكاتب أحمد السماري، تتجلّى خصائص هذه التجربة، التي تُضفي عليها طابعًا من التميُّز الخاص، بآليات التعاطي مع أفكارها ومضامينها السردية.

من أهم تلك الخصائص ما يتعلق باشتغال هذه التجربة على فكرة التجسير. بما هي عليه هذه الفكرة الروائية، من انفتاحٍ على: تسريد التجسير الحضاري في رواية “فيلق الإبل”. وتسريد التجسير بين الأزمنة، في رواية “الصريم”، التي استوعبت العلاقة بين طفرة الثراء المعاصر، وتجربة البؤس التي تعايش معها الأجداد. وتسريد التجسير بين التحوّلات المجتمعية والمحطات التأسيسية لإنجازها في رواية “قنطرة”.

اقرأ أيضًا: تجار العقيلات والتقنيات السردية في رواية فيلق الإبل

قنطرة النهر: المعجمية والمجازية

تشير الدلالة المعجمية إلى أن “قنطرة” تعني الجسر، وما ينتظم في سياقه من الاستناد إلى آلياتٍ مُؤهّلة لعمليات الانتقال بين ضفتين. تلك الضفتان، اللتان تحيلان على معنيين، لغوي، ومجازي. أمّا المعجميّ، فيرتبط بالدلالة على حافتي النهر، الذي يُراد بناءُ جسرٍ، يمكن أن يصل من خلاله الراغب في الانتقال من إحدى ضفتي النهر إلى ضفته الأخرى.

وأما معناهما المجازي، فمتعلقٌ بفضاءٍ أكثر انفتاحًا على إمكانية استيعابهما الدلالة على أيّ متغيّرٍ ذي نسقيين، لا يتكاملان إلّا من خلال صياغة آليةٍ فاعلةٍ، في إضفاء هذا التكامل على جوهرهما الذي يتشكّلان منه.

وإلى هذا المعنى المجازي، تنتمي إضاءة الكاتب، التي تضمّنتها سطور افتتاحيّته لهذه الرواية؛ إذ يقول في سياقها إنه اختار اسم “قنطرة”، للتعبير عن مرحلةٍ من مراحل التحول في الحياة الاجتماعية السائدة في الحيز السرديّ المكاني، مشيرًا إلى أن “شخصيات الرواية تُعدّ مجرد رموز لمن تحمّل ذلك العبء من التكاليف المجتمعية، ليكونوا جسرًا لتحولات المجتمع في بعض مناحي الحياة”(39).

هذا التجسير، بإحالته المجازية ــ هذه ــ هو النسق المركزي، الذي تشكلت بتفاصيله سياقات هذا العمل الروائيّ. فكيف تبلورت مركزية هذا النسق؟ وكيف تكاملت به الرؤية السردية؟ هذا هو ما سأتطرق إلى تفاصيله، وتجليّاته الفنيّة، في ما تبقّى من محاور هذه المقاربة النقدية.

مركزية التجسير السرديّ

لا شك في أنّ تلك الإشارة ــ التي وردت في افتتاحية الكاتب ــ قد أحالت على مركزية العنونة والمضمون السردي؛ بوصفهما تجسيرًا بين التحولات الجوهرية، التي تعاقبت على الحياة الاجتماعية. وعلى ذلك، فإن المركزية المباشرة لاشتغالات هذا التجسير، تبدو أكثر محورية، في انطلاقها من الخطوات الأولى، التي انتظمت فيها حيثيات تسريد هذا العمل الروائي.

تمثّلتْ أولى تلك الخطوات، في التحوّل الجذري، الذي اعترى حياة عبد الله جار وحيد؛ إذ بدأ هذا الشاب حياته نجمًا رياضيًّا، ثم سرعان ما انطفأ ضوؤه بعوامل شتى، وخساراتٍ متتالية. من أهمها خسارته لسارة، التي فشل في المحافظة على تجربة حبّهما. وبذلك؛ انتهت به كل معطيات الشقاء، إلى أن يعمل في مكتبة إحدى المدارس.

تصالح عبد الله مع بساطة عمله الجديد، فانفتحت له فيه تجربة جديدة، ذات علاقة باكتشافه لشغفه، وميله إلى قراءة القصص والروايات. يقول: “خلال عملي في مكتبة المدرسة تعودت على قراءة القصص والروايات القصيرة، في وقت العمل الطويل وإحساسي بالملل، لكنني مع الوقت أحببتها، ثم زاد ذلك الحب حتى تحوّل عشقًا، وصرتُ أشتري الكتب والروايات من المكتبات التجارية، أقرؤها أولًا ثم أتبرع بها لمكتبة المدرسة”(40).

لم تقف قسوة الحياة عند هذا المستوى من تهميش عبد الله، بل تمادت، فقضت عليه أن يدخل السجن، لعدم تمكّنه من تسديد ديونٍ كان قد اقترضها، من أجل استكمال بناء بيته. لم يكن يعلم أن وحيد قد سبقه إلى المكان نفسه؛ إذ يتداعى في الحديث عن ذلك، فيقول: “كانت المفاجأة حين دخلت سجن الحاير المركزي بالرياض، وُضعتُ في الغرفة 38 مع جاري القديم الفنان وحيد، والذي انقطعت أخباره عنّا منذ أن غادر الحارة… جلسنا معًا وتحدّثنا عن الأحوال والحكايات”(41).

التجسير فكرة روائية

من سياقات أحاديث وحيد وعبد الله في السجن، بدأت الخيوط السردية بالتشابك والنمو؛ إذ أشار عليه وحيد أن يتحوّل إلى كاتب؛ علّه يتمكن “من إزالة القبح المنتشر في مجتمعنا”(42)، مؤكِّدًا أنه كان قد حاول العمل على ذلك، لكنه لم يتمكّن من تحقيق تلك الغاية؛ “حاولت جهدي.. بالفن والموسيقى ولكني عجزت وفشلت أمام تلك الموجة العاتية، تعاقبت عليّ المفاجآت والانتكاسات والعثرات والهزائم”(43).

ثم تتجلى رؤية وحيد بشكل أوضح، من خلال تحديده لماهية هذا التحوّل، الذي أشار به على صاحبه؛ إذ اقترح عليه كتابة رواية عن الفن الشعبي، ودوره الفاعل في التجسير بين التحوّلات الفنية: “أريدك يا عبد الله أن تكتب رواية عن الفن الشعبي الذي كان قنطرة لتطور الفنون الموسيقية والغنائية في بلادنا، ونقل الفن للأجيال التي بعده”(44).

وهنا برزت فكرة التجسير أكثر ارتباطًا بالتحول الفني الغنائي، الذي يتعلق بمركزية الفن الشعبي، في تأسيسِ مسارات تطوّر الفنون الموسيقية والغنائية، في الحيز السردي المكاني. كما تكاملت هذه المركزية، بإسهام الفنانة سارة في بناء هذا التحوّل؛ إذ تشير إلى أن حياتها “كانت كالقنطرة بين جيلين لبقاء الفن النسوي في مجتمعنا على قيد الحياة”(45)، بعد تلك الأحداث، التي تسبّبت في اتخاذ قرارٍ، قضى بمنع غناء الأصوات النسائية.

تجسير الفنون رواية متكاملة

في سياق تسريد فكرة التحوّل ــ الذي رأى من خلاله وحيد إمكانية أنْ يتحقّق ذاك التجسير الفني في إبداع روائي ــ لم تظهر إشارةٌ إلى ردٍّ واضح من عبد الله على اقتراح وحيد، باستثناء ما تضمّنتْه إشارته إلى أنه أودع تلك الفكرة دفتر مذكراته: “دوّنتُ كل ذلك في مذكراتي مع كل مشاعري عن سارة وحارة الطرادية، ووحيد والسجن، ثم دسسته في غطاء المخدة، ونُمت”(46).

وعلى ذلك، ففي هذه الإشارة ــ إلى عملية التدوين ــ ما يكفي من تضفير خيوط النسيج السردي، لتفاصيل الحكاية الروائية. بما في هذا النسيج، ما تبلور من بعدٍ تأويلي، لأن يكون عبد الله هو من اضطلع بتسريد هذا التجسير. لكن هذا البعد، لم يصل إلى نهايته، بعد أن رحل عبد الله عن الحياة بشكل مفاجئ(47).

وهنا يلوح نوعٌ من رهافة الحسّ الفنيّ، في صياغة مسارات التأويل لمرجعية الفكرة الروائية، وتوليف مضامينها المستندة إلى حقبةٍ واقعية، وشخصيّات خياليّة، بحسب ما ورد من إضاءة لهذا المنحى الفنيّ، في افتتاحية الرواية، التي أكّد فيها الكاتب أن “هذه الرواية مستلهمة من مرحلة واقعية، أحداثها الرئيسة حقيقية، لكن الشخصيات التي تتضمّنها والمواقف التي تصفها من نسج الخيال”(48).

اقرأ أيضًا: ثنائية السجن والورق في رواية رماد أنثى

احتفظ وحيد بدفتر مذكرات صديقه، وبذلك، لم يقض رحيل عبد الله على فكرة التجسير السردي التي رغب فيها، يقول: “اكتشفتُ دفتر مذكراته [عبد الله] الذي دسه في مخدته، تصفّحتُه، قرأتُ بعض صفحاته، قبّلتُه، ووضعتُه في حقيبتي، على أمل أنْ أسلّمه لمدير السجن فيسلمه إلى أهله لاحقًا”(49). وهو ما حرص على تنفيذه لحظة الإفراج عنه؛ إذ سلم إلى ذاك المدير دفتر مذكرات عبد الله، الذي اكتنز تفاصيل موضوع التجسير الروائي، وتفاصيل حيوية الفن الشعبي ودوره الفاعل، في تحديث الفن الغنائي، في محيط الشخصية الرئيسة وحيد. ذاك التجسير، الذي تكاملت به الرؤية السردية، فاستوفى عوامل الاشتغال على أنساقه وسياقاته ومضامينه، في هذا المنجز السرديّ الروائي.


  1. أحمد السماري، “قنطرة”. ط2، دار أثر للنشر والتوزيع، الدمام ــ القاهرة، 2024م. ↩︎
  2. نفسه، ص39. ↩︎
  3. نفسه، ص164. ↩︎
  4. نفسه، ص29. ↩︎
  5. نفسه، ص33. ↩︎
  6. نفسه، ص37. ↩︎
  7. نفسه، ص39. ↩︎
  8. ينظر: أحمد بن عبد العزيز السماري، “الصريم”. دار أثر للنشر والتوزيع، الدمام، 2021م، ص33،8. ↩︎
  9. أحمد السماري، “قنطرة”. مرجع سابق، ص11. ↩︎
  10. نفسه، ص146. ↩︎
  11. نفسه، ص18. ↩︎
  12. نفسه، ص166،165. ↩︎
  13. نفسه، ص166. ↩︎
  14. نفسه، ص97. ↩︎
  15. نفسه، ص161. ↩︎
  16. نفسه، ص165. ↩︎
  17. نفسه، ص16. ↩︎
  18. نفسه. ↩︎
  19. نفسه، ص17،16. ↩︎
  20. نفسه، ص60. ↩︎
  21. نفسه، ص32،31. ↩︎
  22. نفسه، ص32. ↩︎
  23. نفسه، ص58. ↩︎
  24. نفسه، ص38. ↩︎
  25. نفسه، ص12. ↩︎
  26. نفسه، ص91. ↩︎
  27. نفسه، ص18. ↩︎
  28. نفسه، ص20. ↩︎
  29. نفسه، ص38. ↩︎
  30. نفسه، ص12. ↩︎
  31. نفسه، ص168. ↩︎
  32. نفسه، ص157. ↩︎
  33. نفسه، ص18. ↩︎
  34. نفسه، ص166،165. ↩︎
  35. نفسه، ص144،143. ↩︎
  36. نفسه، ص144. ↩︎
  37. نفسه، ص72. ↩︎
  38. نفسه، ص154. ↩︎
  39. نفسه، ص7. ↩︎
  40. نفسه، ص138. ↩︎
  41. نفسه، ص140. ↩︎
  42. نفسه، ص147. ↩︎
  43. نفسه، ص148،147. ↩︎
  44. نفسه، ص148. ↩︎
  45. نفسه، ص154. ↩︎
  46. نفسه، ص148. ↩︎
  47. نفسه، ص178. ↩︎
  48. نفسه، ص7. ↩︎
  49. نفسه، ص179. ↩︎

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top