فهد العتيق وموسيقى التدوين الذهني في روايته قاطع طريق مفقود

فهد العتيق وموسيقى التدوين الذهني في روايته قاطع طريق مفقود

أتناول في هذه المقاربة النقدية تسريد الفكرة الروائية من التدوين الذهني إلى التدوين الكتابي، في رواية الكاتب فهد العتيق قاطع طريق مفقود.

فهد العتيق وموسيقى التدوين الذهني في روايته قاطع طريق مفقود

د. عبده منصور المحمودي

في روايته “قاطع طريق مفقود”(1)، يقيم الكاتب فهد العتيق اشتغالَه السرديّ، على نسقٍ من التعاطي مع العلاقة بين الكتابة السردية، وما يسبقها من محطاتِ استيعابٍ لمعطيات الفكرة الروائية. لا سيما ما يتعلق من هذه المحطات، بتلك الأحوال، التي التفتتْ فيها شخصيةُ الذات السردية، إلى طبيعة العلائق بين تلك المعطيات، وتأملتْ تفاصيلها، فلامست فيها أبرز أبعادها المحورية، التي أفضت إلى نسقٍ من التدوين الذهنيّ، لما تداعى من سياقاتها الأكثر ارتباطًا بفضاء الذاكرة. ذاك الفضاء المجرّد، الذي تضافرت مساراته في توليف خيوط الفكرة الروائية، وانتقلتْ بها إلى لحظات الاشتغال الكتابي، الذي مضى في تشذيبها، والعمل عليها، حتى استوتْ حكايةً متكاملة. في حيّزٍ سرديّ، اتّسقت ماهيته مع ماهية الفكرة الروائية.

كما تجلّى في هذا الاشتغالِ نوعٌ من تمتين العلاقة، بين الكتابة السردية الذهنية، والموسيقى الفاعلة في استثارة كوامنها، ومضامين الذكرى العالقة في تجاعيد الأزمنة وحنايا الأمكنة؛ إذ ارتبطت سردية الذكريات، بالتداعي مع ما مضى من حياةٍ، كانت قائمة في منزل عثمان، الذي كان يعيش فيه مع أمه لطيفه، وزوجته نور وأبنائه، الذين من أهمهم: صالح، وفارس، وسارة. بما في هذه الحياة، تلك السياقات، المتصلة بشخصٍ كان يعمل لدى عثمان، وزوجة هذا العامل، وابنه منصور، وابنته سعاد.

ويندرج في سياق تسريد حياة بيت عثمان، ما يتعلق بحياة ابن أخيه رياض بن هلال. ذاك الشاب، الذي حظي بنوعٍ من المركزية السردية، التي بدأت في التجليّ من حضورِ صفته، في صياغة عتبة العنونة (قاطع طريق مفقود). ثم تشكّلت بمركزية هذه الشخصية (رياض) كثيرٌ من السياقات السردية، التي كشفت عن خصوصية هذه الصفة، وتحوّلها في المتن الروائي من دلالتها  السلبية ــ الراسخة في الثقافة الاجتماعية على الشخص المعتاد على قطع الطريق لإلحاق الضرر بمن يمر فيه ــ إلى دلالة مغايرة، ذات سياقٍ إيجابيّ، أحال على جوهر هذه الصفة في رياض، الذي كان “يقطع الطريق على الناس وسط الرياض ليبيعهم ثمار مزرعةٍ صغيرةٍ لعمه عثمان”(2)، لا ليُلْحقَ الأذى، أو الضرر بهم.

أولًا: إحالات الزمن وتقاطعات الأمكنة

من أبرز المساحات التي أحالت على الحيّز السرديّ الزمانيّ ــ في هذه الرواية ــ الإشارة إلى أنّ المساحة الزمنية ــ التي استوعبت مسار الاشتغال التدويني على سياقاتها ــ قد تمحور في العام “2020”(3). وأن آلية الإعداد النهائي، لنشر هذا العمل، ذات علاقة زمنية، بتاريخ “2024”(4)، الذي ذُيّلت به صفحة الإهداء.

مركزية الذاكرة واقتران الزمان والمكان

على ما تمثّله تلك الإشارات الزمنيّة ــ من إحالةٍ على الحيّز السرديّ الزمانيّ ــ إلّا أنّ مركزية الذاكرة التي استند إليها تسريدُ هذا العمل، قد كان لها دورها الفاعل في تشظي الحيز السردي الزمانيّ، وتوزيع امتداداته على سياقات الذكرى وتفاصيلها.

من تلك الامتدادات، ما تضمّنته عددٌ من الإشارات السردية، التي اقترن فيها الزمان والمكان. من مثل هذه الإشارة، إلى “شارع الوشم المشهور وسط الرياض، وهو الشارع الذي كان فيه أول محلٍّ لتأجير وبيع أفلام السينما في الرياض في سبعينيات القرن الماضي”(5). والإشارة إلى شارع آخر غرب المدينة نفسها، “شارع العصّارات حيث تقع أندية الهلال والنصر والشباب وهو الشارع الذي منه انطلقت موضات سنوات الطفرة الشبابية وسينما الأندية في السبعينيات الميلادية”(6).

اقرأ أيضًا: المرأة والتغريبة المنسية في رواية عمى الذاكرة

ومثل ذلك، هو اقتران الزمان والمكان، في الإشارة إلى كثرة تنقُّل عثمان وأسرته، بين عدد من حارات الرياض. وتعليل ذلك؛ بما استجد من “طفرات اقتصادية في عهدي الملك فيصل والملك خالد في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، نقلتهم من الأحياء القديمة جدًّا في الجنوب مثل منفوحة ومعكال الرياض، إلى الأحياء الجديدة مثل الشميسي وأم سليم وشارع الخزان، ثم فيما بعد إلى أحياء غرب الرياض مثل البديعة وشمال الرياض”(7).

أمكنةُ التّشظي

اتِّصالًا بتلك السمة المابعدحداثية ــ سمة التشظّي في الزمن السرديّ، التي تمثِّلُ واحدةً من أهمِّ خصائص الاشتغال السرديّ في هذا العمل ــ يأتي تنوّع الأمكنة، التي من أهمها “شوارع حارات شمال الرياض… [و] شوارع الشمال الجديد للرياض”(8)، و”شارع أنس بن مالك الواسع والمزدحم”(9)، و”مقهى الكتابة”(10) فيه.

اقرأ أيضًا: خصائص التجربة السردية في روايات وجدي الأهدل

كما أنّ من تفاصيل هذا الحيز السرديّ، ما ينتمي إلى تلك الأمكنة، التي ارتبط حضورُها بتسريد عددٍ من الرحلات، التي قام بها عددٌ من الشخصيات الروائية بين الرياض وبعض المدن السعودية. من مثل تلك الرحلات، التي كانت “رحلات دائرية إلى الطائف ومكة وجدة وحائل والقصيم ثم العودة إلى الرياض، ثم رحلة إلى الدمام والتجول في الإحساء ثم العودة للرياض”(11).

القرية حيّزٌ سرديّ

لم يقتصر الحيّز السردي المكاني على مُدنٍ مختلفة، من المملكة العربية السعودية، بل امتد ــ أيضًا ــ إلى عددٍ من القرى السعودية. من مثل قرية “أثيثية”، التي تجلّت من خلال الإشارة إليها، وإلى عددٍ من قرى هذا البلد؛ إذ “تقع أثيثية وسط البراري، جهة الغرب من خط الإسفلت بحوالي ثلاثة كيلو مترات، قرية صغيرة ضمن منطقة الوشم، تقع شمال غرب الرياض بحوالي مئتي كيلو مترًا، وفي الوشم مدن وقرى زراعية قديمة ومعروفة مثل أشيقر وشقراء والقراين وأثيثة وثرمدا ومرات”(12).

وتضمّنت هذه المساحة السردية تفسيرًا لغويًّا لتسمية قرية أثيثية بهذه التسمية، وإحالةً على طابع هذه القرية التاريخي والحضاري؛ فـ”اسمها أثيثية لأنها ذات الأثافي، وهي مستودع الآثار القديمة منذ الجاهلية، ومسقط رأس الشاعر الكبير جرير”(13).

وكما شمل الحيّز السرديّ الخاص بالمدينة ــ في هذا العمل ــ عددًا من التفاصيل الخاصة بالشوارع والمحلات التجارية، فإن الحيّز السردي المكاني الخاص بالقرية، قد شمل تفاصيل مختلفة. منها ما يعود إلى ذاك المكان البري القديم، الذي يقع شمال غرب الرياض، على مقربةٍ من منطقة “شعيب غيلانة وسط قرية صلبوخ”(14).

وبذلك؛ اتّسم هذا العملُ، بنوعٍ من الاتِّساق بين طبيعةِ تسريدِه للذكريات ــ التي من المعتاد أنها لا تتداعى في تراتبيةٍ منتظمة ــ وحيّزه السردي الزماني والمكاني، الذي تشظّى، وتنوّع؛ فانتمى إلى حقبٍ زمنية مختلفة، وأمكنة جغرافية متعددة.

ثانيًا: ذهنية التدوين وسردية الكتابة

سبق أن أشرنا إلى مركزية الذكرى ــ وسياقات الذكريات، وتداعيات الذاكرة ــ في بلورة الفكرة الروائية، التي استهدف هذا العمل الاشتغال عليها. وفي سياق هذا الاشتغال السردي، تخلّق نسقٌ من العلاقة السردية، بين فضاء التدوين الذهني المجرد وفضاء الكتابة الروائية الماديّ؛ إذ استوعبت السياقات السردية حيوية الانتقال من الفكرة الذهنية، إلى الصورة الكتابية، التي أفضى إليها تسريدُ فضائي الفكرة الروائية: الذهنيّ، والكتابي.

سردية التدوين الذهنيّ (الذات السرديّة)

برز تسريد التدوين الذهني، على لسان شخصية الذات السردية (ضمير المتكلم)، من خلال تناوُلِ الطبيعة الذهنية للفكرة السردية، التي عادةً ما تبدأ استيعابًا ذهنيًّا لعددٍ من تفاصيل الحياة، التي يغلب عليها أن تحظى باهتمام الذات السردية، فتلمس فيها ما يمكن صياغته فكرةً سردية: “رأيت تلك الحياة في ذهني”(15).

وبعد الاستيعاب الذهني لمعطيات الواقع، انتقلت شخصية الذات السردية، إلى إعمال العقل في هذه المعطيات. ومن ثم التفكير في إمكانية تدوينها الذهني: “واصلتُ السير وأنا أفكر في الكتابة الذهنية بصمت”(16). ثم سرعان ما انطوى هذا النوع من التفكير، على نسقٍ من التسريد الذهني للفكرة الروائية/ السردية: “كنت أفكر وأتأمل وأكتب في ذهني فقط”(17). تلك الكتابة الذهنية، التي تنمو، فتستوي من خلالها الفكرة الروائيةُ، بشكلٍ مُتّسِقٍ مع خصوصية التعبير عنها بصيغة الماضي، التي وردت على لسان الشخصية السردية نفسها: “كتبتُ بذهني”(18).

سرديّة التدوين الذهنيّ (شخصيات أخرى)

إذا كانت تلك الإحالات ــ على عملية التدوين الذهني ــ ذات علاقة مباشرة بالذات الساردة، ومؤسِّسةً لما سيأتي من تسريد كتابي، فإن منها، ما ارتبط بذواتٍ أخرى (شخصيات أخرى). من مثل الإشارة السردية، إلى هذا النوع من التدوين المجرّد في حياة فارس، الذي حاول ــ من خلاله ــ معالجة ما بدأ يشعر به، من ضعفٍ في استعادة ماضيه؛ إذ كان “يدوّن في ذاكرته أشياء جديدة، يدوّن الألم والأماكن الرطبة والضيقة التي نام فيها عند أصدقاء بعيدين ولا يعرفهم”(19).

ومثل حال فارس هي حال لطف، ذاك الأديب والكاتب، الذي أشارت الذات السردية نفسها، إلى أنه “ذهب إلى فكرةٍ أسعدتْه، وهي أن يحاول الآن أن يكتب في ذهنه قصةً أو قصيدةً جديدة… قصة عن ذاكرة الأماكن التي زارها وأحبها، أو عن ذلك المكان الذي شعر أنه حدث فيه موقفٌ سابق رغم أنه يزوره لأول مرة”(20).

ويتّضح ــ في مسارات الكتابة الذهنية ــ ارتباطُ هذه المسارات، بنوعٍ من البحث عن آليةٍ إجرائية، يمكن من خلالها الاحتفاظُ بما يمكن الاحتفاظُ به، من تفاصيل الذكرى، قبل العمل السرديّ عليها. ذاك العمل، الذي أحال عليه ــ في هذه الرواية ــ استنادُ الذات السردية إلى التدوين الذهني، في اشتغالها على تدوينها السرديّ، لمحطّات مختلفة، من ذاكرة الماضي، الذي استدرجها الحنين إليه، فتداعتْ مع سردية الاحتفاظ به، بمرحلتيها: الذهنية، والكتابية.

سردية الكتابة وتسريد القراءة

يمثل التدوين الذهنيّ ــ في هذا العمل ــ “ضوءً خلفيًّا على حكاية شخوص مليئة بالأضواء الداخلية، محاوَلةً لدخول نفق الكتابة والأفكار”(21). هذا النفق، الذي أفضى الدخول إليه، إلى الانتقال من سردية التدوين الذهني، إلى سردية الكتابة.

وقد ارتبط هذا النوع من الانتقال، بشخصيّتين اثنتين: شخصية الذات السردية، وشخصية رياض؛ إذ تجلّى الانتقال من التدوين الذهني إلى التدوين الكتابي، في تسريد موقفٍ كان فيه رياض، مع صديقه (ابن عمته/ الشخصية الساردة/ ضمير المتكلم)، فأخبره بما سمعه من حديثٍ، عن اشتغاله على تسريد الحياة، التي سبق أن تشاركاها مع غيرهما من أبناء حارتهما. وما سمعه من حديثٍ عن تدوين صديقه لتفاصيل الرحلات، التي قاما بها مع بعضٍ من أصدقائهما، وغير ذلك من السياقات التي يمكن تدوينها. ذلك، هو ما تضمّنَهُ هذا الحوار، بين هاتين الشخصيّتين:

“سألني: سمعتُ أنّكَ تكتبُ عن حارتنا

قلتُ له: كتبتُ عن رحلاتنا ولم أنشر شيئًا”(22).

يظهر في هذا الحوار طابعٌ من تمثّل شخصية الذات السرديّة، لهذا التحوّل. أو قل تمثُّلها لهذا الانتقال بالمضامين السرديّة من حالها الذهنية إلى واقعها الكتابي، الذي لم ينسَ رياض تأكيد الذات السردية اشتغالَها عليه؛ فبعد سنواتٍ طويلة من غيابه في القرية ــ وانقطاع التواصل بينه وصديقه (الذات السردية) ــ عاد رياض إلى المدينة، والتقى بصاحبه، وتحدث معه عن رغبته في الاطّلاع على ما أنجزه، من ذاك الاشتغال التدويني: “أريد أن أقرأ ما كَتَبْتُه”(23).

وتفضي سردية الكتابة ــ هنا ــ إلى تسريد قراءة ما كُتِب؛ فـ”ربما تكون رواية الضوء الخلفي، هي هذه اللحظة التي نعيشها الآن وقت قراءة هذه الرواية، وليس وقت كتابتها”(24). وبمعنى آخر، مثّلت القراءة ــ في هذا السياق ــ مركزيةً سرديّةً، فاعلةً في استيعاب المضامين والأفكار، التي تخلّقت في التدوين الذهني، وانتقلت إلى الفضاء الكتابيّ.

ثالثًا: موسيقى التدوين الذهنيّ

حظيت الموسيقى والأغاني بحضورٍ حيويٍّ، في هذا العمل الروائي؛ إذ اندمجت الإشارات إليها في مضامين عددٍ من المساحات السردية. سواءٌ ما كان منها مرتبطًا بحضورها الفاعل في تسريد ذهنية التدوين، أو ما كان منها متعلِّقًا، بدورها الحيوي في استحضار الماضي، وتسريد مساراتٍ محورية، من امتدادات الذاكرة، وتفاصيل الحكاية.

موسيقى التدوين الذهنيّ والكتابيّ

تقوم العلاقة بين الموسيقى والتدوين الذهني، على نوعٍ من التزامُن بينهما: “أكتبُ في ذهني حتى الملل، وأنا أستمع إلى الموسيقى الخالدة لأغنية القلب يعشق كل جميل”(25)؛ إذ تعمل الموسيقى ــ في مثل هذا الأحوال التزامنية ــ على شحذ ذهنية التدوين. كما تعمل، بعد ذلك، على استمرار هذ الشحذ في التدوين الكتابي: “أسير عادةً، بهدوءٍ في الطريق إلى المحطة، أستمع إلى الموسيقى وأفكر في أشياء كثيرة دفعة واحدة، وأكتبُ بصمت، أكتبُ في ذهني فقط، قرأتُ في هذه المحطة القديمة بعض الكتب، ثم كتبت بعض اليوميات والمشاهد المتفرقة”(26).

اقرأ أيضًا: أحمد السماري وتسريد التجسير بين تحولات الفنون الغنائية مقاربة نقدية في رواية قنطرة

تمحورت فاعلية الموسيقى ــ هنا ــ في تسريد استيعابها للتدوين الذهني بشكل رئيس. يليه تسريدُ استيعابها للتدوين الكتابي، على شكل يوميات ومشاهد متفرقة. وضمن تسريد كلا التدوينين (الذهني/ والكتابي)، يأتي استيعاب الموسيقى، لحيوية انتقال الفكرة الروائية، من نسق كتابتها الذهنية، إلى نسق تدوينها الكتابي.

وفي مساحةٍ سردية أخرى، اقتصر تضمينُ دورَ الموسيقى في العملية السردية، على تقديم العلاقة بينها ونسق التدوين الكتابي، من خلال علاقتها المباشرة مع هذا التساؤل: “أين نحن الآن، السؤال كأنه أغنية عالقة في مكان مستعمل… أو كأني أستدعي لحظات الكتابة من تفاصيل موسيقى أغانٍ جمعتنا في أوقات كثيرة متباعدة”(27).

ففي هذه العلاقة ــ بين التساؤل والأغنية التي تمثّلها ــ تظهر حيوية الموسيقى ودورها المحوري، في رفد ذاكرة الكتابة بالتفاصيل التي تبحث عنها. وبذلك؛ لا تقف فاعلية الموسيقى وتحفيزها عند ذاكرة التدوين الذهني، بل تمتدّ منها إلى ذاكرة التدوين الكتابي، الذي تزوّده بما يحتاج إليه، من مضامين وتفاصيل سردية.

موسيقى سرديات الذاكرة

تنوّعت الصور السردية، التي تجلّت من خلالها فاعلية الموسيقى والأغاني، في تسريد سياقات الذاكرة. من تلك الصور ما تجسّدتْ من خلالها خاصيةٌ فنيّة، في صياغة حضورها السردي. ومنها ما ارتبط بتسريد اللحظة، ذات الإحالة على مرجعية الذاكرة السردية. كما أنّ منها ما كان ذا علاقة مباشرة، بتشكيل الشخصية السردية.

ذاكرة الأغاني المُعلّقة

من سياقات الاشتغال على تسريد علاقة الموسيقى والأغاني مع سرديات الذاكرة، تلك التي وردتْ فيها الموسيقى ــ أو الأغنية ــ موصوفةً بصفة (مُعَلَّقة). هذه الصّفة، التي تتضمّن نسقًا من الدلالة على ماهية الذكرى، وعلى عددٍ من تفاصيلها، التي تستقر في أعماق الذات الإنسانية.

من تجليّات هذه الصفة الموسيقية الغنائية، ما حظيت به من مركزيةٍ في العنونة الداخلية. سواءٌ في هذه العنونة الخاصة برابع أقسام هذه الرواية: “رابعًا أسفار ومحطات وأغنيات عالقة”(28). أو في هذه العنونة، التي انتظمتْ في سياق عددٍ من العناوين الفرعية الداخلية: “أغنية عالقة في طريق المحطة”(29).

كما حظيت هذه الصفة الموسيقية، بحضورٍ بارزٍ، في مساحات سردية. ارتبطت فيها بهواء الحيّز، الذي تمثّلت فيه. وقد تنوّع هذا الحيّز، بين حيّزها الغنائي: “ما زالت أغنياتنا عالقة في هوائها”(30)، وحيّز الأمكنة التي عُزِفت فيها. من مثل ما ورد في سياق هذه الجملة السردية: “موسيقى أغانٍ… ما زالت عالقةً في هواء ذاك المكان”(31). أو ما تجلّى في سردية هذه الجملة: “تجاوزتني العاصفة، غادرتْ وتركتْني سالمًا إلّا من آثار أغنياتٍ صغيرةٍ معلّقة في هواء هذا المكان المستعمل”(32).

أغنيةُ اللحظة والمعنى

استندت سياقاتُ الاشتغال على عددٍ من المضامين السردية ــ التي احتفت بأثر الأغاني والموسيقى في صياغتها ــ إلى خصوصيةِ أغنيةٍ من الأغانيّ، أو قطعة موسيقية، ذات ارتباطٍ بمكانٍ بالغ الأثر في عمق الذات الوجدانيّة. تلك الذات، التي لا تمل من استعادتها الذهنية المتكررة لتلك القطعة الموسيقية، أو تلك الأغنيّة: “موسيقى ما زالت تتردد في ذهنه”(33). ومثل ذلك، هو الأمر في الحال، التي تتنامى فيها لذة إحساس هذه الذات بعباراتٍ معينة، حتى تتحوّل لديها إلى ما يشبه أغنيةً من الأغاني التي تتمثّل معانيها: “العبارات أصبحت مثل أغنية صغيرة”(34).

كما أن من تلك السياقات، ما تجانست فيه مضامينُ أغنية الذاكرة، مع الموقف المتزامن مع الاستماع إليها، أو المرتبط بها. من مثل ما تضمّنتْه هذه الإشارة السردية: “في طريق العودة إلى الرياض استمعنا إلى أغنيةِ بيع الجمل يا علي للفنانة سميرة توفيق”(35).

وردت هذه الإشارة إلى أغنية الفنانة سميرة توفيق، في سياق تسريدِ موقفٍ، كُلِّفت فيه لجنةٌ مختصّةٌ، بإجراء حصرٍ لميراث أحد المتوفين. وحينما وقفت تلك اللجنة على حصر ما يملكه من إبل، اكتشفت غياب واحدٍ من جماله، التي كان يبلغ عددها قبل وفاته خمسين جملًا.

وبعد محاولات الكشف عن مصير الجمل المفقود ــ وما ظهر خلالها من محاولة الرعاة المسؤولين عن الأمر تفسير ذاك النقص، بأن الجمل المفقود سبق أن غادر الحياة قبل أيامٍ، وما أفضت إليه تداعيات الموقف من اعتماد اللجنة لهذا التبرير ــ جاء مضمونُ هذه الأغنية متِّسقًا مع ما يمكن تأويله، من تفسيرٍ موضوعيٍّ لهذه الإشكالية، التي يمكن أن تكون مرتبطةً بعملية بيعٍ، قام بها أحد الرعاة لهذا الجمل المفقود؛ إذ يعزز هذا التأويلَ الارتباكُ الذي حدث لواحدٍ من هؤلاء الرعاة، وما أصيبَ به من حال إنهاك مفاجئة، غير مبرّرة.

أغانٍ بروح الأمكنة

علاقة الأغاني والموسيقى مع الأمكنة مرتبطة بمستوى الحنين، الذي يشتعل في الذات، لحظة استئناسها بذكريات حياتها، وتفاصيل الأمكنة التي مرّت بها. من مستويات ذاك الحنين ما يرتقي بأثر الأغنية في الذات، إلى طبيعةٍ حسيةٍ متجاوزة طبيعة الإحساس السمعي بها. كأن يُضفي هذا الارتقاء، على كل أغنيةٍ، طعمًا متّسقًا مع خصوصية كل مكانٍ، من الأمكنة التي تحتفظ بها مدارات الذكرى.

ومن سياقات هذا الارتقاء بالأغنية ــ الذي يضفي عليها مذاقها الخاص ــ ما تضمّنه حديثُ شخصية الذات السردية، عن ذكريات حارتها، وعن التنوّع في طعومِ الأغاني بتنوّع أركان المكان. وعن تعدّد المناسبات، واختلاف رحلات أبناء تلك الحارة: “حارتنا التي أعتمت وصارت شوارعها المظلمة مثل فيلم سينما صامت ومظلم، كل ركن فيها، له طعمُ أغنيةٍ لطلال مداح أو محمد عبده أو أم كلثوم أو نجاة الصغيرة أو عبد الحليم حافظ أو أصالة أو عبد المجيد عبد الله، وكل مناسبة أو رحلة لها ذكرى أغنية”(36).

كما تضمّن نسق الذكرى ــ في هذه الإشارة ــ إحالةً على صفة العتمة السائدة في أمكنة تلك الحارة. بل السائدة في أمكنة حاراتٍ متعددةٍ، من محيط الذات السردية. وقد تمركزت عمومية الظلام ــ هذه ــ في واحدٍ من العناوين الداخلية، محتفظةً بالعلاقة بين الموسيقى والمكان: “موسيقى الحب في حاراتنا المُعتمة”(37).

وعلى ذلك، فقد خصّب الاشتغالُ السرديّ هذا المضمون ــ ومعنى الظلام فيه ــ بموسيقى الحب خاصة، محاولًا بهذا النوع من الموسيقى، تبديدَ ما يمكنُ تبديدُه من عتمة المكان وقتامة أركانه. وهي المحاولة نفسها، التي قامت عليها هذه الفقرة السردية: “في كل زيارة لهذه الأماكن تتحرك تلك الأغنيات مثل خلايا الحكايات النائمة في الذاكرة، أغنيات وحكايات صغيرة ومشاهد مبعثرة في المكان والزمان، تشبه رحلةً في حياة قمر الليالي المعتمة”(38).

عمِلَ تسريدُ أبعادِ الذاكرة ــ هنا ــ على استيعاب فاعلية الأغنية، في إضفاء الحياة على حكايات الذاكرة، ومشاهدها المتناثرة، في أمكنةٍ وأزمنةٍ، نامت تفاصيلُها في الذات، واستيقظت بألحان الأغاني، وإيقاعاتها، ومعانيها المستقرّة في الوجدان المسكون بذكرياته.

أغنيةُ تشكيل شخصية الذات السردية

يتكاثف حضورُ الموسيقى والأغاني، في سياقٍ اكتظ بمواصفات الأغنية الأكثر استيعابًا لحيوية هذا الفن، ومركزية دوره الفاعل في تشكيل شخصية الذات السردية.

من ذاك السياق، ما تمثّلتْ فيه الأغنيةُ خصائصَ متجاوزةً طبيعتها الفنية، إذ تقول الشخصية الساردة: “أتذكّر أين وضعت رأسي قبل أن أخرج، ربما قرب أغنية بألحان قديمة وكلمات جديدة، لا أحد خلف الباب، فقط موجة باردة تليق بهذا الفجر، كأنها تشدّني من يدي إلى الرصيف لكي أمشي باردًا ووحيدًا مع أغنية لها طعمٌ جديدٌ في لساني، أغنيةٌ تترك مفاتيحها في رأسي وتمضي، أغنيةٌ مثل امرأةٍ متعددة، لا تكف عن إلهامي، لكنها تعلمني كيف أقول لا لكي أكون أنا دائمًا وليس أحدًا سواي(39).

فهنا تمكّن الاشتغالُ السرديّ، من الإضفاء على هذا النوع من الأغاني، طبيعةً ماديّة، يمكن من خلالها أن تستند الذات السردية إلى هذه الأغاني، فتضع رأسها على مقربة واحدةٍ منها. كما أضفت السياقات السردية، على هذه الأغاني، طبيعةَ الأشياء، التي يمكن الإحساس بمذاقها. بل وصلت بها إلى مستوى من الأنسنة، التي يمكن من خلالها أن تحمل الأغنية مفاتيحها الخاصة، وأن تتركها في رأس المفتون بها، وتمضي في حال سبيلها. كما يمكن ــ في سياق هذه الأنسنة ــ لأية أغنية من هذه الأغانيّ، أنّ تتنوّع في طبائع امرأة واحدة، تمنح الذات السردية الإلهام، وتُعلّمها فنّ الكلام.

مركزية الأغنية في تشكيل شخصية الذات السردية

بعد هذه المساحات السردية، في المحور السالف ــ الذي تطرّقتُ فيه إلى دور الموسيقى والغناء، في صياغة شخصية الذات السردية ــ يمكنُنا أن نتساءل: هل اكتفى الاشتغال السرديّ، بما وصل إليه ــ في تلك المساحات ــ من مستوى ارتقاءٍ عالٍ، بخصوصية الأغنية المركزية في تشكيل شخصية الذات السردية؟

من المؤكّد أن هذا الاشتغال السرديّ، لم يكتفِ بذاك المستوى الارتقائي، بل زاد عليه، فأضفى على أنسنة هذه الأغنية طبيعةً ذهنيةً، تمنحها القدرة على السيرِ، في طرقاتٍ مختلفة من عقل هذه الذات، التي تشير إلى أنها “أغنية مثل كائن حي، تتمشى في طرقات رأسي، كنت مستغرقًا في لذة لحن، أعيده أو أضيء كلماته لقصص تنمو صغيرة، والأبطال يرفعون أصواتهم، يعبرون عن أحلامهم المهدرة… تلك الصور كانت تضيء جدران بيتي، كنت أنام وأنا أقرأ روحها، تلك الأغنية، تلك الألحان تلك الذكريات تلك الحياة التي أملت عليّ شروطها، وتلك الدروب والشوارع المعتمة في ذاكرة بعيدة”(40).

يتّضحُ ــ هنا ــ أن الاحتفاء بخصوصية الأغنية، التي تتشكل بها شخصية الذات السردية، قد وصل إلى أقصى مستويات توصيفها. من خلال ما تضمّنه من مركزيةٍ لحيويّتها، في تشكيل هذه الذات، بشكل فاعلٍ في تمكين شخصية صاحبها، من الاستغراق في لذة لحنها. لا من أجل لذته بها فحسب، بل من أجل أن يتمكن من توظيف هذه اللذة ــ وهذا الاستغراق ــ في صياغة تلك الحكايات والقصص والمواقف، التي تتزاحم في ذاكرته، وإعادة بنائها كائنًا سرديًّا.

هذا الكائن الأدبي السرديّ، الذي كان قد بدأ خيوطًا من الوعي، بعدد من تفاصيل الحياة وتداعيات الذكرى. ثم تبلور سياقاتٍ متشابكة، من التسريد الذهني، والتأمل في مضامينه وأفكاره. ثم تدفق ــ بعدها ــ سردًا كتابيًّا لخطوطٍ عريضةٍ، أفضى الاشتغالُ عليها، إلى تسريدِ تفاصيلها كائنًا روائيًّا، مكتنزًا ما يكفي من فضاءات التأويل والقراءة، وما يكفي من فضاءات الانفتاح على إمكانات التلقي، وآفاقه المتجدّدة بتجدد الأمكنة والأزمنة، المتنوّعة بتنوّع ثقافات القراءة السرديّة، على اختلاف أشكالها الممكنة.

في نهاية هذه المقاربة النقدية لسردية العلائق ــ بين التدوين الذهني والتدوين الكتابي من جهة، وسردية العلائق بينهما والموسيقى من جهة أخرى ــ يتبلور هذا التساؤل:

هل يمثّل التدوين الذهنيّ آليةً محورية في أية تجربة سردية، روائية وغير روائية؟

أو أنه أكثر ارتباطًا بتلك التجارب، التي تتعاطى في اشتغالها السردي، مع الذاكرة، وسياقاتها، وعلاقاتها مع ماضي الأمكنة الأثيرة في الوجدان الإنسانيّ؟


  1. فهد العتيق، “قاطع طريق مفقود”. ط1، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2024م. ↩︎
  2. نفسه، ص33. ↩︎
  3. نفسه، ص22. ↩︎
  4. نفسه، ص7. ↩︎
  5. نفسه، ص34. ↩︎
  6. نفسه، ص37،36. ↩︎
  7. نفسه، ص79،78. ↩︎
  8. نفسه، ص11. ↩︎
  9. نفسه، ص14. ↩︎
  10. نفسه، ص17. ↩︎
  11. نفسه، ص58. ↩︎
  12. نفسه، ص70،69. ↩︎
  13. نفسه. ↩︎
  14. نفسه، ص19،12. ↩︎
  15. نفسه، ص162. ↩︎
  16. نفسه، ص135. ↩︎
  17. نفسه، ص19. ↩︎
  18. نفسه، ص96. ↩︎
  19. نفسه، ص114. ↩︎
  20. نفسه، ص148. ↩︎
  21. نفسه، ص45. ↩︎
  22. نفسه، ص88. ↩︎
  23. نفسه، ص180. ↩︎
  24. نفسه، ص43. ↩︎
  25. نفسه، ص133. ↩︎
  26. نفسه. ↩︎
  27. نفسه، ص5. ↩︎
  28. نفسه، ص119. ↩︎
  29. نفسه، ص133. ↩︎
  30. نفسه، ص183. ↩︎
  31. نفسه، ص5. ↩︎
  32. نفسه، ص136. ↩︎
  33. نفسه، ص38. ↩︎
  34. نفسه، ص24. ↩︎
  35. نفسه، ص127. ↩︎
  36. نفسه، ص97. ↩︎
  37. نفسه، ص137. ↩︎
  38. نفسه، ص161. ↩︎
  39. نفسه، ص178،177. ↩︎
  40. نفسه. ↩︎

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top