المقالح وشعرية الرمز المسيحي عذابات الواقع والفضاء الرمزي
يتّسع الرمز الشعري ــ في أية تجربة إبداعية ــ ليشمل فروعًا متعدّدة. وهو الشمول الذي اتّسمت به التجربة الرمزية في القصيدة اليمنية المعاصرة؛ إذ يأتي موضوع المقالح وشعرية الرمز المسيحي، في هذا السياق من سعة الفضاء الرمزيّ. كما يأتي هذا الموضوع ــ أيضًا ــ في سياق العلاقة بين هذه الرمزية في الشعرية اليمنية المعاصرة، والرمزية في الشعرية العربية المعاصرة، الذي لم يكن فيه استلهام الشاعر ــ العربيّ واليمنيّ ــ مرتبطًا بأي نوعٍ من الاعتقاد بصحة هذه الرمزيّة، بقدر ما هو مرتبطٌ بسعي الشعراء إلى تعميق الأثر النفسي، وتوظيفه، في صياغة رموز جديدة، ذات دلالاتٍ عصرية(1).
رمزية “يهوذا”
من السياقات الرمزية ــ ذات البعد المسيحي ــ في تجربة الشاعر عبد العزيز المقالح، ما استوحى فيه فكرة خيانة يهوذا للمسيح؛ إذ يقول من قصيدته “عصر يهوذا”:
“كانَ (يهوذا) هناكَ
يُقبِّلُ رأسَ (المسيح)،
ويشربُ نخبَ الإله
وفي كل رشفةِ كأسٍ يُصلِّي
يُناجي .. يصيحُ
………
……..
ويقراُ مسْتغرقًا في خشوعْ
حكايةَ مَنْ صُلِبوا في الطريقِ
وفي عينهِ يرقصُ الحزنُ
تبكي الدموعُ
وفي صوتهِ يتعالى حريق”(2).
يستحضر الشاعر ــ هنا ــ تفاصيل مشهدٍ، من حدث تاريخي، يصوّر فيه (يهوذا) واحدًا من أخلص حواريي المسيح، يأكل على مائدته في العشاء الأخير، ثم يسلمه في الصباح لطالبيه، ويقبض الثمن، مدفوعًا إلى هذا بالحقد الذي ملأ قلبه(3).
تقول الروايات المتضمنة هذا الحدث ــ لا سيما المسيحية منها ــ إن المسيح كان قد بدأ يشعر بعداوة عدد من كبار الكهنة. لذلك؛ جمع تلاميذه للعشاء، الذي عرف بـ “العشاء الأخير”، وعددهم اثنا عشر تلميذًا. كما تشير تلك الروايات إلى أن أعداء المسيح، اتهموه بتحريض الشعب على التمرّد في وجه سلطة روما، والزعم أنه ملك يحاول تحرير الشعب، فما كان من الحاكم الروماني إلا أن وقَّع على قرار صلبه(4).
رمزية عقوبة الصلب
استمر نسق الاستحضار الرمزي لهذا الحدث، في قصيدة الشاعر ــ هذه ــ من خلال استدعائه لتفاصيل تلك العقوبة. مع ملاحظة نوعٍ من تكثيف الحضور لموقف (يهوذا)؛ تجسيدًا للغاية الجوهرية من رمزية الحدث، تلك المتمثلة في الخيانة:
“عند الصباحِ يموتُ النهارُ
ويرقدُ فوق الصليبِ الرسولْ
وخلف السجون يعاني, يموت الإلهُ
وتغرق روما بأحزانها، بالذهولْ،
وتدمي المساميرُ والشوكُ وجهَ الحياة
ويبدو هناك يهوذا بقصر الزعيم
يغنّي, يدق الطبولَ
“يعيش الزعيم العظيم
يعيش الذي شد كل الجباه
إلى الشمس, شد عيون الحفاة،
وفي جنبه يرقص الحقدُ, يطفو المرحْ،
وفي شفتيهِ طحالبُ تنمو
وفي صوتهِ يتلوى الفرحْ”(5).
يتجلى الاستدعاء الرمزي ــ هنا ــ في استحضار تطور الحدث التاريخي؛ إذ يكشف (يهوذا) عن وجهه المخادع، وصورته المزيفة، التي لم يكن فيها سوى منافق وخائن لسيده(6). والخيانة والنفاق هي ــ في الغالب ــ ما يرمز إليه (يهوذا)، بينما “المسيح جاء رمزًا لكل صاحب فكر نبيل عُذِّبَ من أجله، ورمزًا لكل إنسان تعذب وتألم في حياته جراء جور الآخرين على مدى تاريخ الفكر الإنساني”(7).
“يهوذا المعاصر”
في تعاطيه الرمزي مع هذا الحدث “وصل الشاعر في توظيف قصة المسيح مع يهوذا إلى حد التمَثُّل الرمزي للقصة”(8)؛ إذ وظّف أبعادها ومضامينها توظيفًا رمزيًّا إلى ازدواجية القيم في العصر الحديث، وإلى صيرورة (يهوذا) سمةً محورية، يتميّز بها الناس في الحاضر. هذا الحاضر الموبوء بسمات الكذب، والنفاق والتلوّن والخيانة. وبذلك؛ فإن نموذج (يهوذا) ــ بكل أبعاده ــ هو النموذج السائد في هذا العصر، إلى الحدّ الذي يمكن فيه أن يقال إنه عصر (يهوذا). وعلى هذا النحو، أسقط الشاعر الواقعة التاريخيّة الفرديّة، على الواقع الراهن كلّه(9). وكأن (يهوذا) في نظره مصدرٌ لإبراز وجه الخيانة؛ إذ جعل منه نموذجًا بشريًّا، يرمز إلى الخيانة في العصر الحديث، حيث يتحول العصر بأكمله إلى ميدانٍ للخيانة والغدر.
اقرأ أيضًا: المقالح وشعرية الرمز الصوفي تماهي الذات في الإنسان والمكان
لقد صوّر الشاعر إنسان العصر بصورة (يهوذا) المنافق الخائن الحامل وجهين: الوجه الظاهريّ السطحيّ، الذي يبدو فيه راهبًا خاشعًا مُتبتِّلًا، بلغ وَجْدُ المحبة فيه الثمالةَ، يتهجّد، مُصليًّا، ويناجي راجيًا، ويشيد بإلهه وشعب رسوله، مُذكِّرًا بالشرفاء، الذين ضحوا من أجل الحرية، وبذلوا أرواحهم رخيصة من أجل الوطن.
اقرأ أيضًا: أنسنة الشعر في تجربة الشاعر عبد العزيز المقالح
ورمزية هذا البعد من أبعاد الشخصية العصرية، يتمثل في ادعاء الزهد، والتدين، والانتساب إلى الرجال المصلحين من جانب، والانتساب إلى الثوار والوطنيين من جانب آخر. أما البعد الثاني ــ أو الوجه الخفي الباطن لشخصية إنسان العصر المتمثل في (يهوذا) ــ فهو الخيانة حتى الحقد، والانتقام حتى الحرق(10). ومن خلال هذه الرمزية، استطاع الشاعر أن “يظهر قدرة المنافق على إجادة فنه المتقن، من خلال المقابلة التي يقيمها بين موقفي يهوذا في حياة السيد المسيح وبعد صلبه”(11).
موقف الرفض
أمام هذا الواقع المؤلم، يعلن الشاعر عبد العزيز المقالح عن موقفه من هذا العصر، رافضًا له زمنًا وإنسانًا، فيقول إنه غير مكترثٍ:
“بهذا الزمان
بكلِّ الزمان
… بصمتِ الكهوف
بلونِ الحروف
بهذي القصيدةْ
بكلِّ قصيدةْ
……………….
بما تكتبون
بما تقرأون
تعالوا لكي تصلبوني لكي تنقذوني
….
….
فلا ترحموني فلا ترحموني”(12).
يكثف الشاعر ــ هنا ــ رؤيته في الواقع؛ إذ بدأ بالإعلان عن رفضه لهذا الزمن. ثم تتصاعد حدة الرفض، حتى تشمل الزمان كله والناس كلهم, بل والشاعر نفسه. وهنا تبلغ مأساة العصر ذروتها؛ إذ يغدو الصلب ومآله هما الخلاص الإنساني المرتجى. وعلى هذا النسق الشعريّ، استوعبت أجزاء القصيدة مراحل تطور الحدث، ببعديه التاريخي والواقعي. كما استوعبت تصاعده ـــ من خلال الشعور الإنساني ـــ نحو قمة المأساة(13).
المسيح/ الوطن
لا يقف توظيف رمزية المسيح ــ في تجربة الشاعر عبد العزيز المقالح ــ عند سياقها الفرديّ، أو محورية العذاب فيها، بل يتّسع إلى إسقاط هذه الرمزية على الشعب كلّه، وما يعانيه من صلبٍ وتعذيب، على خشبٍ من الأوهام والسراب؛ رمزًا إلى هموده، واستكانته راضيًا بواقعه المأساوي وحياته البائسة. ذلك هو ما يتجلّى، في واحدٍ من نصوص الشاعر، على هذه الصيغة من التساؤل:
“لماذا الشعبُ ملقى…
مصلوبٌ على خشبٍ من الأوهام؟”(14).
ثم ــ بتوالٍ تصاعدي ــ تجلى الصلب ذا طاقة احتوائيةٍ لـ(المكان/ الوطن)، في قول الشاعر:
“هذا الملقى فوق هشيمِ الرَّملِ
المصلوبُ على الأرضِ .. ضــريحٌ
أم وطنٌ منقوعٌ بالسكتةِ؟”(15).
وبذلك؛ مثَّل الصليب ــ وتداعيات العذاب المرتبطة بالصلب عليه ــ رمزًا إلى تفاصيل الحزن، الذي يشمل بعذابه وآلامه الإنسان والزمان والمكان. وقد كثر الاتكاء عليه في الشعر اليمني المعاصر. لا سيما ما يتعلق من ذلك، بتجربة الشاعر عبد العزيز المقالح، الذي يُعد هو الأكثر استيحاءً لرمزية شخصية المسيح، وتوظيف مضامينها وأبعادها، في التعبير عن الواقع، وعن سياقات المعاناة والعذاب المهيمنة عليه.
- ينظر: أحمد قاسم أسحم، “الرمز في الشعر اليمني المعاصر”. مكتبة أبي حامد، تعز، د.ت، ص: (112). ↩︎
- عبد العزيز المقالح، “ديوان عبد العزيز المقالح”. ط3، دار العودة، بيروت، 1983م، ص: (263،262). ↩︎
- ينظر: عز الدين إسماعيل وآخرون، “إضاءات نقدية عن عبد العزيز المقالح”. ط1، دار العودة ـ بيروت، ودار الكلمة ــ صنعاء، 1978م، ص: (60). ↩︎
- ينظر: الأزرق بن علو، “الرحلة، أساطير، تاريخ، أدب، حكايات”. دار قباء، القاهرة، 2001م، ص: (46). ↩︎
- عبد العزيز المقالح، “ديوان عبد العزيز المقالح”. مرجع سابق، ص: (264،263). ↩︎
- ينظر: عز الدين إسماعيل وآخرون، “إضاءات نقدية عن عبد العزيز المقالح”. مرجع سابق، ص: (61). ↩︎
- شذا حاتم وحيد، “الرموز التراثية في شعر الجواهري”. رسالة ماجستير، جامعة بغداد ــ كلية الآداب، 1426هـ ــ 2005م، ص: (146). ↩︎
- محمد مسعد العودي، “الصورة في شعر المقالح”. ط1، مركز عبادي للدراسات والنشر، صنعاء، 1425هـ ــ 2004م، ص: (164). ↩︎
- ينظر: عز الدين إسماعيل وآخرون، “إضاءات نقدية عن عبد العزيز المقالح”، مرجع سابق، ص: (62). ↩︎
- ينظر: ماجد طاهر الحميري، “تناوب الصيغ اللغوية في شعر عبد العزيز المقالح”. رسالة ماجستير، جامعة تعز ــ كلية الآداب، 1428هــ ــ 2007م، ص: (141). ↩︎
- محمد مسعد العودي، “الصورة في شعر المقالح”. مرجع سابق، ص: (166). ↩︎
- عبد العزيز المقالح، “ديوان عبد العزيز المقالح”. مرجع سابق، ص: (266). ↩︎
- ينظر: عز الدين إسماعيل وآخرون، “إضاءات نقدية عن عبد العزيز المقالح”. مرجع سابق، ص: (63،62). ↩︎
- عبد العزيز المقالح، “الأعمال الشعرية الكاملة”. إصدارات وزارة الثقافة والسياحة، صنعاء، 2004، جـ2/ ص: (403). ↩︎
- نفسه، جـ3/ ص: (367). ↩︎


