أحمد السماري في روايته الجديدة “الأديب الضِّليل”: مقاربة نقدية في التيه المعاصر وتشكيل الشخصية الروائية
في سياق إخلاصه لشغف الكتابة ــ الهادفة إلى معالجةِ أفكارٍ روائيةٍ، مستمدّة من عوالم معرفية، وتجارب حياتية متشابكة ــ صدر للكاتب أحمد بن عبد العزيز السماري، روايته الجديدة “الأديب الضليل”(1)، التي تناول في سياقاتها إشكاليةَ التيه، وتداعياتها في حياة أديبٍ معاصر.
فكيف تبلورتْ هذه الإشكالية فكرةً روائيةً، في هذا العمل السرديّ؟
وكيف تمكّن الكاتبُ من تخصيبها بمرجعيةٍ تاريخيةٍ، مكتنزةٍ ضياعًا مأهولًا بامتداده، إلى أحدث اللحظات الراهنة؟
أولًا: الفصام والفكرة الروائية
نسق التيه والضياع
تكاملت أبعاد الاشتغال على نسق التيه والضياع فكرةً روائية ــ في هذا العمل الروائي ــ من خلال الديناميكية، التي تميّز بها موضوعه السرديّ، ومضامينه التي استوت بتفاصيلها مركزيةُ هذه الفكرة، ومساراتُها في حياة أديبٍ معاصر، وحياة مَنْ على شاكلته، من أولئك، الذين عادةً ما يصل بهم التيه، إلى تلاشي الجوهر الإبداعي في ذواتهم الأدبيّة، بعد أن يستحوذ هذا النسق على طاقاتهم، ويستنزفها مستدرجًا إيّاهم، إمّا إلى أنشطةٍ، تُضفي على حياتهم بريقًا آنيًّا ونشوةً وقتية، وإمّا إلى تداعيهم مع استعداداتٍ فطرية، للإصابة بازدواجية الشخصية، وانشطارها بين عالمين، يحولان بينهم وما كان يمكن أن ينتظرهم، من تميّزٍ وإنجازٍ، مُتّسقٍ مع خصوصية قدراتهم الفكرية والكتابية.
انشطار الشخصية
قدّمت رواية “الأديب الضليل” نسق التيه والضياع المعاصر، من خلال شخصيتها الرئيسة فهد بن فرج. ذاك الكاتب السعوديّ، المولود في الرياض، في حي الجرادية. الأديب المتفرّد في قدراته الفكرية، الذي استوعبت السياقات السردية أحداثًا متعددة، من حياة التيه والضياع، التي عاشها طيلة عقود خمسة، على امتداد النصف الثاني من القرن العشرين.
لم تقف إشكالية التيه والضياع عند تبديد حياة هذا الأديب، وتحييد قدراته الفكرية الاستثنائية، بل تنامت، حتّى تمكّنت من إحداث شرخٍ في شخصيته، أفضى إلى فصامها بين حياتين داخلية وخارجية؛ إذ “كان يحمل في داخله عالمًا كاملًا لا يُشبه العالم الذي يراه الناس. وبين العالمين ظلّ يتنقّل سنوات طويلة، حتى اختلطت عليه الحدودُ أحيانًا بين ما يعتقده حقيقةً، وما يتصادم مع حقائق الآخرين”(2).
كانت مأساة فهد كامنةً ــ بدرجة رئيسة ــ في ما استطاع الوصول إليه، من مساراتِ توازنٍ بين هذين العالمين؛ إذ “إنه برغم ثبوت مرضه منذ فترة مبكّرة من عمره، فقد أظهر قدرةً مدهشة على إخفائه. ونجح، لسنوات طويلة، في أن يبدو مثقّفًا لامعًا، وخطيبًا مؤثّرًا، وصحفيًّا بارزًا، بينما كان يخوض داخله معركةً لا يراها أحد”(3). وبذلك؛ “حمل من التناقضات ما يفوق قدرته على الاحتمال… نجح أحيانًا، وتعثّر كثيرًا، لكنه لم يتوقّف عن محاولته في الظهور أمام الناس بصورة الرجل المتماسك”(4).
اقرأ أيضًا: سردية الشك في رواية خطوات الأعمى
حرص الاشتغال السرديّ، على تكثيف تسريده لفكرته الروائية، من خلال حياة شخصيته الرئيسة (فهد)، التي استحوذت على سياقاته، وارتبطت بها شخصياتُه الأخرى ارتباطًا مباشرًا؛ إذ غلب عليها أن تأتي في سياقاتِ تسريد المضامين المقصورة، على حياة الشخصية الرئيسة؛ فعلى سبيل التمثيل، لم تتجاوز شخصيةُ جبران ــ صديق فهد والضمير السردي في هذا العمل ــ الدائرةَ الوظيفية، التي وضعتْهُ فيها الرؤيةُ السرديّة. تلك الوظيفة التي تمثّلت، في اضطلاعه بتسريد حياة فهد. باستثناء ما ورد من إشاراتٍ مقتضبة، إلى التحاقه بالتعليم الجامعيّ، ومناسبة زواجه.
ثانيًا: الضليل بين العنوان والمتن السردي
منذ العتبة الأولى في هذه الرواية ــ عتبة العنوان (الأديب الضليل) ــ بدأ الاشتغال على فكرة الضياع والتيه، في حياة الشخصية الرئيسة؛ إذ استندت صياغة هذا العنوان إلى الموروث الثقافي والأدبيّ العربيّ، من خلال التوظيف الرمزيّ، لنسق التيه والضياع، في حياة الشاعر امرئ القيس، الذي ارتبطت به هذه الصفة ارتباطًا رئيسًا، فلُقّب بـ “الملك الضليل”؛ توصيفًا لحياته، التي أضاع فيها مُلْكَ أبيه، وفَشِلَ في محاولات استعادته.
الصفة التاريخية والمعاصرة
أسقط السياق السردي هذه الصفة ــ المتقادمة في تاريخ الأدب العربي (الضّليل) ــ على حياة الكاتب والأديب المعاصر، فهد بن فرج (الشخصية الرئيسة). مع تطعيم هذا التوظيف الرمزيّ، بنوعٍ من التمايُز، بين سياقيه: المعاصر، والتاريخي؛ إذ اقتصرتْ مركزيةُ الضياع والتيه في السياق التاريخي، على إضاعة الشاعرِ مُلْكَ أبيه، من غير أن يفرّط في مَلَكَتِه الأدبية الشعرية.
أمّا السياق المعاصر ــ لهذه المركزيّة ــ فقد أحال على تمحور الضياع في إهمال الأديب (فهد)، لملكَتِه الأدبيّة الإبداعية، وقدراته الفكرية التي لا يمتلكها أقرانُه. تلك القدرات، التي تغاضى عنها، متداعيًا مع المُتاح، من نوافذ الظهور الجماهيري العاجل. ولم يكن تداعيه ــ هذا ــ إلّا ملاذًا، هرب إليه من معاناة مرضه الفصامي، بين عالميه: الداخلي، والخارجيّ، وتفاصيلهما، التي وردت في مساحاتٍ مختلفة، غلب عليها التعاطي السرديّ، مع فاعلية المرآة، في استيعاب ثنائية هذه الشخصية.
وأحالت عتبةُ العنونة الخارجية ــ هذه ــ إحالةً مباشرة ومكثفة، على مركزية هذه الصفة (الضّليل) في شخصية العمل، من خلال استحضار البعد التاريخي الأدبيّ لهذه الصفة، في حياة الشاعر امرئ القيس. وتضمين صفته ــ هذه ــ في عنوان الرواية، مع غياب اسمه، ومكانته المفقودة مَلِكًا؛ إذ حلّ محلّه الأديبُ ــ في هذه العنونة ــ فكانت تلك الصفة أكثر ارتباطًا بالأديب المعاصر، وأدقّ إحالةً، على فاعليتها الجوهرية في حياته.
ضِلّيل العنونة التاريخيّ في المتن السرديّ
ظهرت حيوية العلاقة بين الدلالة الرمزية في عنوان هذا العمل، وسياقها في المتن السرديّ، من خلال الحضور الضمنيّ أو المباشر، لهذه الشخصية الأدبية التاريخية في السياقات السردية؛ إذ تمحور حضورُها الضمنيّ، في التشابه بين شخصية الأديب المعاصر والشخصية التاريخية، في التذاذهما الشراب وإسرافهما فيه. كما تمحور هذا الحضور الضمنيّ في فضاء الشعر الجاهليّ، الذي يُعدّ مُكوّنًا مهمًّا، من مكونات البنية الثقافية، التي تشكّلت بها ذاكرة الشخصية الرئيسة (فهد)، وبرزت ــ من خلالها ــ مهارتُه في قراءة الشعر ــ بما فيه الشعر الجاهليّ ــ وحفظه، وإلقائه المذهل(5)، الذي كان به “يسحرُ الحاضرين بعرضٍ مسرحيٍّ حيٍّ لذاكرة خارقة لا تُصدّق”(6).
وتجلّى الحضور المباشر ــ لهذه الشخصية الأدبية التاريخية، في السياقات السردية ــ ضمن سياقين: الأول منهما، ورد فيه اسم امرئ القيس، مع الشطر الأول من مطلع مُعلَّقَتهِ، في تسريدِ موقفٍ، كان فيه فهد يُلقي الشعر، فينتهي من قصيدة، إلى أخرى، “ثم ينتقل إلى امرئ القيس “قفا نبكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزلِ”(7). تلك المعلقة ــ نفسها ــ التي وردت الإشارةُ السرديّةُ إليها مصحوبةً باسم شاعرها في موضع آخر، احتفى بتسريد موقفٍ، استضاف فيه رئيسُ النادي الأدبيّ في الرياض، فهد بن فرج، الذي ألقى ــ في هذه المناسبة ــ قصيدة صديقه فواز عيد “دان دان”، بينما ألقى رئيس النادي مُعلقة امرئ القيس(8).
أمّا السياق الآخر، فقد استوعبَ تسريدَ بعضٍ من تفاصيل تجربة الحب، التي خاضها الاديب المعاصر (فهد) مع فتاةٍ لبنانية، في بيروت: “يقول: إنّه تعرّف عليها مصادفةً، حين قال لها بيتًا لامرئ القيس: “أجارتنا إنّا غريبانِ ها هنا/ وكل غريبٍ للغريب نسيب”(9). بما في هذا البيت، من إحالةٍ على واحدية الغربة، وفاعليتها في نسج العلاقة بين كلٍّ من: الأديب المعاصر وحبيبته، وشخصية الشاعر القديم، وجارة مثواه الأخير، تلك السيدة الغريبة.
تمايُز السياقين
من خلال الموازنة بين هذين السياقين ــ اللذين تجسّد فيهما الحضورُ المباشر، لهذه الشخصية التاريخية في السياقات السردية ــ يظهر نوعٌ من التمايُز بينهما، في ارتباط كلٍّ منهما بمرحلةٍ محددة، من حياة الشاعر امرئ القيس؛ إذ ارتبط السياق الأول، بمرحلة مستقرة من حياته، تعلّقت بحال كتابته لمعلقته، التي ورد شطرُ مطلعها في هذا السياق. بينما ارتبط السياق الثاني، بمرحلةٍ متأخرة من حياة هذا الشاعر، تزامنت مع اللحظات، التي سبقت لفْظَهُ لأنفاسه الأخيرة، في بلد اغترابه، على مقربةٍ من ضريح امرأةٍ، استشعر تماثُلَ حاليهما، فخاطبها بصفةِ الغُربة المشتركة بينهما.
اقرأ أيضًا: المرأة والتغريبة المنسية في رواية عمى الذاكرة
يحيل هذا التمايُز بين السياقين، على نوعٍ من التجانس بين مضمون السياق الثاني وحال الأديب المعاصر، من زاويتين: الأولى اتّساق حالُ امرأةِ الغربةِ القديمة في ضريحها، مع حال حبيبةِ الغربةِ المعاصرة، التي تشاركت حالَ الغربة ــ نفسها ــ مع حبيبها الأديب المعاصر، في بيروت. أمّا الزاوية الأخرى، فتتمثّل في تجانس حال التيه والضياع، التي عاشها الشاعر القديم (امرئ القيس)، مع حال التيه والضياع، التي تقوم عليها حياة الأديب المعاصر (فهد)؛ فكلاهما تشاركا هذه الصفة: الأول مُفرّطًا في مُلْكِ أبيه، والآخر مُفرّطًا في قدراته الفكرية والأدبية.
خصوصية العلاقة بين العنوان والمتن السرديّ
من خلال التأمل، في ارتباط عتبة العنوان بمضامين المتن السرديّ، يتّضح أن العلاقة بينهما قائمةٌ على خصوصيّةٍ بنائية، فاعلةٍ في صياغة عنوان الرواية، وما انطوى عليه من إحالةٍ إجماليةٍ، على كلتا الشخصيّتين: القديمة، والحديثة (امرؤ القيس/ والأديب المعاصر فهد)، وعلى اشتراكهما، في صفة التيه والضياع (ضّليل).
وتظهر خصوصية بناء هذه العلاقة ــ هنا ــ في تشذير تلك الإحالة الإجمالية، إلى نسقين: الأول نسق الإحالة المباشرة، على شخصية الأديب المعاصر، من خلال تضمينِ العنونةِ صفتَهُ الإبداعية، وإحلاله فيها محل الشخصية القديمة (الملك/ امرؤ القيس). ونسق الإحالة الضمنية، على الشخصية الأدبية القديمة، من خلال تثبيت صفته (الضّليل)، التي يتشاركها مع الأديب المعاصر.
ثم تمتدّ هذه الخصوصية في صياغة العنونة ــ وفاعليتها في تشكيل العلاقة بين عتبة العنوان والمتن السردي ــ من المساحة الخارجية (الغلاف الخارجي) إلى سطور الحكاية السردية (المتن)؛ إذ ظهر في السياقات السرديّة اسمُ الشخصية القديمة (امرؤ القيس)، وغابت صفته مَلِكًا ضِلِّيلًا. كما ظهر في هذه السياقاتِ اسمُ الشخصية المعاصرة (فهد بن فرج)، وغابت عنه تلك الصفة نفسها، التي لم تُلازم صاحبها الأول، (الشاعر القديم/ امرئ القيس).
اقرأ أيضًا: رحلة الحلم الإنساني في رواية الكاتب أحمد السماري “ابنة ليلت”
وبمعنىً آخر، لم ترد هذه الصفة المُكثّفة (الضليل: التاريخية/ والمعاصرة)، في المتن السرديّ، لا صفةً لصاحبها (امرئ القيس)، ولا لشخصيتها المعاصرة (فهد). وعلى عدم ورودها في المتن السرديّ صفةً مباشرة لموصوفها المعاصر ــ بالصيغة التي قامت عليها عتبة العنوان (الأديب الضليل) ــ إلّا أنها قد احتفظت، في هذا المتن الروائيّ، بمركزيةٍ سياقيّة فاعلة، في صياغة أحداث الرواية ومضامينها؛ لتُحيلَ بهذه المركزية، على تَمَثُّلِ الشخصية الرئيسة لتلك الصفة، بشكلٍ تماهى فيه عالما هذه الشخصية الداخلي والخارجي، في هذه الصفة. ذلك، هو ما أحالتْ عليه كثافةُ استيعاب السياقات السردية، لمركزية صفة (الضّليل)، في تفاصيل الحياة، التي عاشها فهد، حتى آخر لحظةٍ منها.
من جهةٍ أخرى، يتجلّى ــ في خصوصية تشكيل العلاقة، بين العنوان وسياقات الاشتغال السرديّ ــ نوعٌ من التجديد الذي يبدو لي عفويًّا، في تعاطي تجربة الكاتب مع آلية صياغة هذه العلاقة؛ إذ لم ترد جملة العنونة (الأديب الضليل)، في أي موضعٍ من المتن السرديّ، خلافًا لما اتّسمت به هذه الآلية، في الأعمال السابقة من هذه التجربة السردية، في روايات: “الصريم”، و“قنطرة”، و”ابنة ليليت”، و“فيلق الإبل”؛ إذ إن كلَّ روايةٍ من هذه الروايات، وردت جملة عنوانها في موضعٍ أو أكثر، من مساحة متنها السرديّ.
ثالثًا: تأثيث شخصية الأديب الضليل
استوعبتْ صياغةُ عنوان الرواية مركزيةَ الفكرة الروائية (نسق التيه والضياع)، من خلال التأسيس الثقافيّ التاريخي لصفة (الضِّليل)، في الشخصية الرئيسة (فهد). بما في هذه الصفة من اكتنازِ ثراءٍ، وإحالةٍ جوهرية، على مركزية الضياع، في حياة الشاعر القديم، الموصوف بها (امرؤ القيس).
كما استوعب المتنُ السرديّ مركزيةَ هذه الفكرة ــ بطبيعتها المعاصرة ــ من خلال نسيجها الحيوي، الذي تشكّلت به تفاصيلُ حياة الشخصية الرئيسة، الأديب المعاصر (فهد بن فرج)؛ إذ حرص الاشتغال السرديّ على تأثيث هذه الشخصية، بما يكفي من الحيثيات الموضوعية، التي تُضفي عليها خصائصَ استثنائية، ذات قيمةٍ تستدعي العناية بها. ما لم؛ فإن التفريط في هذه الخصائص، لا يمكن توصيفُه إلّا بأنه نوعٌ من الإضاعة غير المسؤولة، التي تُماثل إضاعة الشاعر القديم مُلْكَ أبيه.
مراحلُ تشكيل شخصيّة الضِّليل
وزّعت السياقات السرديّة تأثيث الشخصية الروائية ــ بهذه الخصائص وما تفضي إليه ــ على مراحل ثلاث: مرحلة تأثيث الشخصية، ومرحلة تفريطها بما كان عليها التمسُّك به، ومرحلة التيه المتنامي، والاستغراب من حال شخصية الضياع، التي لم تعتنِ بموهبتها الفكرية والإبداعيّة. كما تنطوي كل مرحلةٍ من هذه المراحل، على مساراتِ تشكيل الشخصية الروائية، بمعطياتِ نسقين فاعلين، في صياغة عالميها الداخلي والخارجي: عالم الموهبة والقدرة الفكرية الاستثنائية، وعالم الأضواء والنجاح الصحافيّ والثقافي.
المرحلة الأولى
برز في مرحلة تأثيث الشخصية الاشتغالُ على بناء الشخصية الروائية، بمعطياتٍ متعددة، جميعها تُحيل على ما تملكه هذه الشخصية من خصوصيةٍ فكرية، وفرادةِ قدراتٍ استيعابيّةٍ وتحصيليّة؛ إذ إن فهد ــ منذ سنوات دراسته الأولى ــ كان متميزًا بين زملائه، قارئًا نهمًا وموسوعيًّا، لا يتفلّت منه ما يقرأ، وكأنّه “كان يحمل في رأسه مكتبة كاملة”(10). كما اشتُهر بتميُّز طريقة حفظه، التي تختلف عن طرق الحفظ التلقينيّ التي كانت سائدة؛ إذ “كان يلتقط الفكرة من أول مرة، ويعيد صياغتها ثم معالجتها بطريقته، فلا يتركها تمشي برتابة التعليم المُلقّن. ذاكرتُه قويّة كمستودعٍ ضخم للحفظ، ويمكن القول: إنها كانت أشبه بمكتبةٍ حية، تستدعي ما فيها متى شاء، وتعيد ترتيبه بلا عناء”(11).
هذا التميّز ــ التحصيلي والقرائي والاستيعابي للمقروء، والاشتغال الذهني التفكيكي عليه ــ هو جوهر الفرادة والاستثنائية في هذه الشخصية الروائية. كما أنه الأرضية الصلبة، التي كان بإمكان فهد أن يبني عليها واقعه، الذي سيكون مُتّسقًا مع جوهر التميّز في شخصيته الأدبية والفكرية. كما سيكون هذا الواقع حافلًا بالكتابة الرصينة المتأنية، التي ستثمر مؤلفاتٍ أدبية ونقدية مغايرة؛ استنادًا إلى استثنائية القدرات الذهنية، الفاعلة في إنجازها. فهل أدركت هذه الشخصيةُ تلك الفرادة في قدراتها؟ وهل عملت على توظيفها، في سياقها المتجانس معها؟
المرحلة الثانية
تشير المرحلة الثانية ــ من تأثيث وتشكيل هذه الشخصية ــ إلى أنّ فهد لم يدرك خصوصية قدراته الفكرية والذهنية، ولم يسعَ إلى تنميتها، ولا الاشتغال عليها؛ إذ لم يتحمّس للالتحاق بالتعليم الجامعيّ المتخصّص، وفضّل عليه العمل في الصحافة؛ كونها ــ من وجهة نظره ــ هي الطريق الأسرع إلى الشهرة والحضور الجماهيري. لذلك؛ برّر لصديقه جبران تحمّسه للعمل الصحافيّ، لا العمل التأليفي، بالقول: إن “الصحافة هي المستقبل، الجميع يقرأ الصحف والقلة ما زال يقرأ الكتب. ما تفعله الكتب في عشرات السنين، يمكن أن تفعله الصحافة في سنوات قليلة. الوصول، الشهرة، هذا هو المُهمّ”(12).
وبذلك، فإنّ “الذي [كان] يعنيه حقًّا هو أن يبقى في الواجهة، في صدارة المشهد، وأن يُذكر اسمه، ويُستدعى، ويكون حاضرًا حيث يُنظر، لا حيث يُنسى، وهو يرى أنّ ذلك كافٍ”(13). كما يندرج ــ في هذا السياق ــ عدمُ اهتمامه بالوظائف المستقرة؛ إذ يرى أن “الوظائف النظامية لا تصلح للمبدعين، هذه للناس الذين يعرفون كيف يعيشون في الظل، بعيدًا عن الضوء”(14).
وعلى هذا النحو، كانت هذه الرؤية الاستعجالية الراسخة في تفكير فهد، هي المحرّك الرئيس، في توجّهه إلى الكتابة الصحافية، وما يتصل بها من سياقاتٍ عمليّةٍ: إدارية، وثقافية. وعلى ذلك، لم تختفِ خصوصيته الفكرية، التي تجلّت بعضٌ من ملامحها، في سياقات انشغاله عنها.
المرحلة الثالثة
تضمّنت المرحلة الثالثة، إحالةً على نوعٍ من الحضور الموارب، لما يتفرّد به الأديب فهد من قدراتٍ خاصة؛ من خلال تسريدِ مواقفٍ، تضمّنت استغرابًا مِنْ تداعيه مع بريق الشهرة والأضواء، على حساب ذهنيةٍ فكريّة استثنائيّة، فرّط فيها، ولم ينتبه إلى ما يلوح منها، في سياقات نجاحه الصحافيّ والثقافي. ذلك هو ما لاحظه صديقه جبران، ومثله صديقه الآخر، الذي وصل إلى منصب، وزير الإعلام والثقافة. وكلاهما أشار إلى هذه المفارقة، بين مجال عمل فهد، وفضاء قدراته الذهنية والفكرية الفريدة.
تحدّث جبران عن التميّز في مقالات فهد، بالقول: “كانت كتاباته مختلفة، لغته قويّة، وأسلوبه مشحونًا ببلاغة غير مألوفة، وموضوعاته لا تشبه ما يكتبه الآخرون. فهو يتجاهل التفاصيل اليومية السطحية، وتغوص اهتماماتُه في العمق الثقافي والأدبي، وفي الأسئلة التي يتجنّبها الجميع وربما لا يعرفها الكثيرون”(15).
من خلال هذا التقييم لكتابات صديقه، زاد جبران ثقةً، في أنّ مستواه، يتجاوز مجال الصحافة، إلى مجال التأليف والكتابة، والبحث الأدبي والنقدي. لذلك؛ كاشفه برؤيته فيه؛ إذ يشير إلى ذلك، فيقول: “في إحدى جلساتنا، قلت له: لم أتخيّل يومًا أنك ستصبح صحفيًّا. قدراتك أكبر من ذلك يا فهد. يمكن أن تكون باحثًا كبيرًا، أو ناقدًا يكتب كتبًا تُدرّس”(16).
وعلى هذه المكاشفة الصادقة، إلّا أنّها لم تُجد نفعًا؛ إذ استمر الرجل في استنفاد طاقته، في ما لا يتّسقُ مع فرادةِ قدراته. ولم يجد جبران أيّة وسيلة لإعادته، إلى المجال المتوائم مع ما يراه فيه. يتحدّث عن ذلك، مؤكّدًا أنّ صديقه “لم يكتب كتابًا كاملًا في حياته، ولم ينجز مشروعًا فكريًّا متماسكًا”(17).
ولا تختلف رؤية الصديق الآخر ــ الذي صار وزيرًا ــ عن رؤية جبران في موهبة فهد؛ إذ لمس فيه قدراته الفكرية الاستثنائية، التي تؤهله إلى أن يكون في صدارة مَنْ يُنجزون أبحاثًا نقدية ومؤلفاتٍ نوعية. لكنه فوجئ بأنه لم يصدر شيئًا من ذلك، فكاشفه باستغرابه: “طلبتُ سيرتك الذاتية، ولم أجد لك نتاجًا أدبيًّا. لا كُتبَ نقديّة، ولا أعمال إبداعية، ولا دراسات منشورة… أستغرب! شخصيّة مثلك، لم تصدر كتابًا واحدًا حتى الآن!” (18). انكمش فهد، ثم حاول مداراة الموقف ادّعاءً؛ إذ “تدارك نفسه، ثم قال بسرعة: الكتب موجودة، لكنها تحت الطبع. عندي رصيد سبعة كتب متنوّعة، وأنتظر الوقت المناسب لإصدارها”(19).
مشاريعُ لم تكتمل
من خلال إثراء السياقات السرديّة ــ بتلك الملاحظات الماكنة على فهد، من صديقيه الوزير وجبران ــ أُضفي على العمل نوعٌ من الحيوية، التي كانت فاعلةً، في حثّ فهد على محاولة تدارك الأمر؛ إذ “ابتعد عن كتابة المقالات، صار يجرب أن يكتب كتابًا. جلس لأول مرّة، وفتح دفترًا، وكتب صفحات، وتوقّف، ثم عاد وكتب من جديد، ثم مزّق ما كتبه… كلما بدأ مشروعًا، تعثّر. وكلما تعثّر غضب. ومع الغضب، يرمي الأوراق في كرتونٍ بجانب المكتب. صفحات نقديّة، مسودّات رواية، بدايات قصص قصيرة، وأفكار غير مكتملة. كلها اختلطت، لكن المشترك بينها أنها بلا نهايات”(20).
اقرأ أيضًا: تيمة الفقر وسردية الخلاص في رواية الصريم
استمر فهد في محاولاته ــ تلك ــ التي جاءت متأخرة، فلم تكن مجدية، “ومع مرور الوقت، امتلأ الكرتون، كما تمتلئ نفسٌ بشيءٍ خانقٍ، فزاد توتُّره، وضاق صدره”(21). ثم توالى انسحاقه بحال فصامه، وتداعيات هذه الحال، التي انحدرت به، وقَضَتْ على ما كان قد وصل إليه، من حياةٍ ناجحة، زاخرةٍ بتفاصيل الرخاء والسعادة، فكانت الحاجة أبرز تجليات هذا التحوّل التراجيديّ في حياته.
تأمل الأديب الضليل المعاصر (فهد)، في إمكاناته، التي يمكنُه ــ من خلالها ــ أنْ يتجاوز أزمته المالية، التي خسفت به. لكنه لم يجد سوى تلك المحاولات الناقصة: “في لحظة ما، بدأ يفكر فيما تبقّى له، ليس مالًا أو علاقات، إنّه الكرتون. ذلك الكرتون الذي يرمي فيه أوراقه، مسودّاته، بدايات مشاريعه الإبداعيّة التي لم تكتمل. نظر إليه، إلى آخر ما يمكن أن يُباع. فقرّر جمعه، وحمله، وخرج. ثم ذهب إلى دُور النشر، طرق الأبواب، وعرض ما لديه”(22). هل أنقذتْه هذه المحاولة؟ كلّا؛ إذ كان “الرد أقسى: اعتذارٌ، مع إعادة الكرتون إليه. فيخرج وهو يحمله، ويمشي فتزيد الخيبات عليه”(23).
عوامل التيه والتعثّر
وصلت المعالجةُ السردية ــ لفصام الأديب الضليل (فهد) ــ إلى هذا المستوى، من استيعاب الرواية، لمسارات الضياع التي مرّ بها، وصولًا إلى المحطة الأخيرة من حياته. تلك المحطة، التي حاول فيها استعادة ما مضى، مثله كمثل الملك الضليل، وهو يحاول في آخر أيّامه استعادة مُلْك والده. وقد كان الفشل مصيرًا لكليهما.
وإذا كان تفسير فشل الملك الضليل قد حظي بكثيرٍ من التفاصيل، في المدونة التراثية، فإن تفسير فشل الأديب الضليل المعاصر، هو ما حرصت السياقات السردية ــ في هذا العمل ــ على إضاءته، والوقوف عليه، فربطتْه بسمةٍ راسخة في شخصية فهد. سمة الملل والضجر التي ظلت مُلازمةً له، وأشارت إليها عددٌ من المواضع السردية. من أهمها ما ورد على لسانه، من إشارةٍ إلى العلاقة الحميمة، بينه وهذه السمة: “الملل هو أكثر الأشياء إخلاصًا لي… أتوقّف في منتصف النص، لأنني ضجرت”(24).
ومثل ذلك، هي الإشارات، التي وردت على لسان صديقه جبران. منها تأكيدُهُ أنّ فهد “كعادته يفتح بابًا ثم يتركه نصفَ مفتوح”(25). وتفسيره لفشل صديقه، في إنجاز كتابٍ طيلة حياته، بعدم تواؤم شخصيته مع أسلوب اكتمال هذه المهمة، الذي “يُتعبُهُ لأنه يعتمد على النفس الطويل، وربما لأن ذهنه يعمل بكفاءةٍ في المساحات القصيرة، والمقالة، والفكرة المكثّفة. أما الكتاب فكان شيئًا آخر يحتاج صبرًا لم يملكه”(26).
ديناميكية التيه والتلاشي
من خلال تفاصيل هذه المقاربة التحليلية ــ التي تطرّقتُ فيها إلى عددٍ من المحاور، التي تجلّى فيها الاشتغالُ السرديّ على فكرة الضياع، ومضامينها، المتعلقة بحياة الشخصية الرئيسة (الأديب الضليل المعاصر) ــ يظهر الوعي بالأبعاد الديناميكية، التي تتجلّى من خلالها صورٌ مختلفة، تحيل على تمَثُّلِ هذه الشخصية، لهذه الطبيعة الإنسانية، التي تتصل بواقعٍ، تهيمن عليه مساراتُ التيه والضياع.
كما يظهر في مسارات التيه والضياع ــ هذه ــ استنادُها إلى حالِ فصامٍ، تنمو في ذات الشخصية، التي تحاول جاهدةً التصالح مع انشطارها بين عالمين: داخليّ، وخارجي. كما تعمل على التوفيق بين هذين العالمين، مُحاوِلةً النجاة من معاناة حالها الازدواجية، بما تتمكن من إنجازه من نجاحاتٍ متتالية، وما تتمكّن من تجاوزه، من أحوال انسحاقها بتداعيات فصامها. تلك التداعيات، التي تناسلت، فلم تقف إلّا بعد أن وصلت بهذه الشخصية، إلى حالٍ من السقوط والتلاشي، الذي تكاملت فيه مقوماتُ الضياع والتيه، في حياة أديبٍ ضِلّيلٍ معاصر.
فما الآلية المناسبة، التي يمكن للأديب المعاصر ــ من خلالها ــ أنْ ينجو من دروب التيه ومسارات الضياع؟
وكيف يمكن للكاتب المعاصر أن يقف على خصوصية قدراته الذهنية والفكرية، فيجيّر أنشطته للارتقاء بها، والاشتغال على تفاصيل المضامين والرؤى، التي تتّسقُ مع طبيعتها الاستثنائيّة؟
- أحمد بن عبد العزيز السماري، “الأديب الضليل”. ط1، منشورات رامينا، 2026م. ↩︎
- نفسه، ص165. ↩︎
- نفسه. ↩︎
- نفسه. ↩︎
- نفسه، ص43. ↩︎
- نفسه. ↩︎
- نفسه، ص52. ↩︎
- نفسه، ص111. ↩︎
- نفسه، ص35. ↩︎
- نفسه، ص24. ↩︎
- نفسه، ص21. ↩︎
- نفسه، ص27. ↩︎
- نفسه، ص127. ↩︎
- نفسه، ص29. ↩︎
- نفسه، ص26. ↩︎
- نفسه، ص27. ↩︎
- نفسه، ص119. ↩︎
- نفسه، ص107. ↩︎
- نفسه، ص108. ↩︎
- نفسه. ↩︎
- نفسه. ↩︎
- نفسه، ص151،150. ↩︎
- نفسه، ص151. ↩︎
- نفسه، ص10،9. ↩︎
- نفسه، ص42. ↩︎
- نفسه، ص108. ↩︎


