بآهات الرحيل

بآهات الرحيل

بآهات الرحيل

بآهات الرحيل

د. عبده منصور المحمودي

دقّتْ نواقيسُ حُزْنٍ صاخبٍ فينا،

والدمعُ دامٍ، تَشَظَّى في مآقينا

.

تَعَثَّرَ الكونُ في آهاتِهِ جَزَعًا،

ومادتِ الأرضُ وجْدًا يحتسي الطينَ

.

لمّا امْتطى الدهرُ شُؤْمًا/ فُرْقَةً فَتَكتْ

بشَمْلِنا، واستوتْ نَعْيًا وتأبينا

.

وأعشبَ البينُ فينا، بعدما نَسَجَتْ

منّا الزمالةُ إخوانًا مَيامينا

.

.

إنّا حلَلْناكِ ــ يا أحضانَ أُلْفَتِنا ــ

وما التعارفُ معْهودًا يُدَانينا

.

حتى اكْتَمَلْنا كبُنيانٍ، يُوَحِّدُنا

نُورٌ مَوَدّتُهُ ــ فينا ــ تُؤاخِينا

.

في واحةِ العلمِ: منها الضوءَ نرشِفُهُ

عَذْبًا، فَأَكْرِمْ بماءِ الضوءِ غاوينا!

.

فَكَمْ لنا “قاعةٌ” بالحبِّ، قد جَمَعَتْ!

وَكَمْ مَضَتْ، من رحيقِ الفكرِ، تَسقينا!

.

وكم تلاقتْ ــ على راحاتِ “مكتبةٍ” ــ

عقولُنا، في كتابٍ بين أيدينا!

.

كم في حَشَا “الدُّرةِ” الغَرّاءِ: قد شُرِحَتْ

لنا العُلومُ! وأهدَتْنا الرياحينَ!

.

وكمْ تَرَعْرَعَ “بَحْثٌ” في تآزُرِنا!

بلْ كمْ تبَرْعمَ رأيٌ في معانينا!

.

.

في بَسْمَةِ الصبحِ، نغدو نحو رَوْضَتِنا؛

فَتَلْتَقِيْنا، وفي عَطْفٍ تحيّينا

.

وقلبَها ــ قبلَ بابِ “السُّوْرِ” ــ تفتحُهُ،

بحبِّها ــ قبل “خَطِّ السيرِ” ــ تَهدينا

.

لها يدانِ، من “الإِسْفِلْتِ”، قد بَسَطَتْ

لنا، وفوق ذراعيها تَداعِينا

.

إلى فؤادٍ لها؛ أضحتْ جوانِحُهُ

قاعاتِ عِلْمٍ، بدفْءِ الوُدِّ يُطرينا

.

نُوَدِّعُ القلبَ ظُهْرًا، واليقينُ غدًا

فيهِ سَيُتْرِعُنا ــ حتمًا ــ تلاقِينا

.

.

هذا الودادُ، عليهِ أرْبعٌ قُضِيَتْ،

مِنَ السِّنين، وما فيها تَأَسَّيْنا

.

مَرّتْ كلحظةِ طَرْفٍ هانِئٍ عَبَرتْ،

حتى تَعاوَرَنا منها تنائينا

.

ألذُّ أيّامِنا فيها، وأتْعسُها

يومٌ بِفُرْقَتِنا يغتالُ آتِيْنا

.

يغتالُ بَسْمَتَنا، في قلبِ واحتِنا،

يومٌ تَخَلَّقَ للتمزيق سِكِّيْنا

.

إخوانَ كُنّا؛ فلا بُغْضٌ يعيثُ بنا،

ولا غرورٌ تَمَطّى ذِئْبُهُ فينا

.

نمضي إلى النورِ، والأرواحُ قد مُزِجَتْ

روحًا تُعَتّقُ فينا العطفَ واللِّينا

.

واليوم بِتْنا لِوَحْشِ البَيْنِ وَجْبَتَهُ الْـ،

ــأَشْهَى؛ ففي قِدْرِ نارِ الآهِ يَشْوِيْنا

.

فلا “الحبيلُ” لنا حضنًا سَيُدْفِئُنا،

ولا المواردُ مِنْ بعضٍ ستُدنينا

.

ولا سَنُلْقيْ، على “الرَّيْمِيِّ” مَسْألةً،

ولا “الخليلُ” إليها الضوءُ يُوحِينا

.

ولا ستنمو بحوثٌ في أَوَاصِرِنا،

ولا “العرينُ”، ولا “الإخلاصُ” يُقرينا!

.

فقاعةُ الدرسِ ليستْ مِنْ مراتعنا،

ولا “الرَّوابي” حناياها مراعينا!

.

إنّا غريبون عن روضِ الضياءِ؛ فلا

فيه زميلٌ، ولا الذكرى سَتُغْنِيْنا

.

.

واغربتاهُ! نُفِيْنا منكِ “دوْحَتنا”،

ولا نجاةَ إليكِ من منافينا

.

إنَّا لأُسْرةُ عِلْمٍ فيكِ هانئةٌ؛

فكيفَ منكِ جنونُ الدهر ينفينا؟‍!

.

أُمًّا لنا صِرتِ، و”الصُّوفيُّ” والدَنا،

وإخوةً فيكِ ــ يا أُمّاهُ ــ أبقينا!

.

أُختي الزميلةُ أضْحتْ، والزميلُ أخي؛

روحي “شِهابٌ”، ومني قِطْعَةٌ “لِينا”

.

فكيف تلهو، بهذا الشملِ، تفرقةٌ؟

وكيف يصبحُ شطرًا، مِنْ مواضينا؟!

.

.

“حبيلَ سلمانَ”، يا إيناعَ معرفتي،

يا نورَ دربي، ويا نبعَ الرؤى فينا

.

رعاكَ ربي! سقاكَ اللهُ غاديةً!

ودمتَ قلبَ المعالي والشرايينا!

.

ويا أساتذتي! شكرًا لِصُنْعِكُمُ؛

كُنْتُمْ ـــ ودمْتمْ ـــ لنا أسنى براهينا

.

وَقُبْلَةً، بامتنانِ الشكرِ، يَرْسِمُها

على جبينكمُ حُبٌّ يُغَنِّيْنا

.

شُكْرًا نقولُ لـِ “رَيْميٍّ” يُضيءُ بِهِ،

عطفُ الأُبُوَّةِ, فيهِ قد تآخينا

.

يا قدوةَ العمرِ, يا عطرَ القلوب, ويا

بَحْرَ العلومِ، نُؤاكَ اليومَ تُشجينا!

.

شكرًا يَحُفُّ، “رئيسَ القسمِ”، ذا ألقٍ،

هذا هوَ: “الحَسَنُ” الأنَقى، يُدانينا

.

يا أخضرَ القلبِ، يا أُنْسَ “الحبيلِ”؛ فكم

منكَ الفضائلَ ـــ جَمْعا ـــ قد تَلَقَّيْنا!

.

شكرًا: لهُ كُل مسؤولٍ بِرَوْضَتِنا،

نُؤبْجدُ الحُبَّ لـ “الصُّوْفِيِّ” نِسْرِينا

.

وَلِـ “الشَّعِيبيْ”، لِمَنْ في “الحَفْلِ” جُهدُهمُ

قلبٌ وروحٌ، لمن زَفّوا تهانينا

.

.

ويا أَحِبَّةُ، إنّي في فراقِكُمُ،

تكادُ أمزانُ دمعي تَذْرِفُ العينَ

.

أنتمْ ليَ الأهلُ والإخوانُ، أينَ تُرى

سنلتقي؟ كيف تَهْمِيْ مُزْنةُ الـ “أينَ”؟

.

أنتمْ، وأنتُنَّ ــ إخواني ــ سَتَثْكِلُكُمْ

عيني، وفي القلبِ لا زلتمْ مُقيمينا

.

فيهِ ستُورِقُ ذِكراكمْ، وحبُّكمُ

ــ لكمْ ــ سيكتُبُ بالنبضِ العناوينَ

.

إنْ كان يومُ النوى دَمْعًا يسيلُ بِنا؛

إنَّ الليالي، بذكْراكمْ، سَتُبْكِينا

.

بُثُّوا التسامحَ، ذوبوا في مودّتنا؛

فالصّفْحُ منْ حَسْرَةٍ حَرّى يُنادينا

.

فَمَنْ سَيُكرِمُ بعد اليومِ صاحَبَهُ؟!

غدًا سيُشرَقُ بالنجوى تنائينا!

.

وَلْنَمْضِ في وطني فُرْسانَهُ، وإلى

غاياتِهِ سوفَ نَسْمو في تفانينا

.

إنْ كان يَجْمَعُنا حُبٌّ لِمَعْرِفَةٍ،

فإنَّهُ ـــ وَطَني ـــ قلبٌ يُماهينا

.

.

لكمْ أقولُ: وداعًا والدموعُ على

خدِّيْ، وقَطَّعَ قلبي حُزْنُهُ الحينَ

.

وكلُّ روحٍ تَشَظَّتْ في تَمَزُّقنا،

وكلُّ قلبٍ، بإشفاقٍ، يواسينا

.

لكنْ عسى اللهُ يُحيي روحَ أُلْفَتِنا؛

إنَّ السماءَ فراديسُ المُحِبِّينا

***

إضاءة

قصيدة قديمة، ألقيتُها في حفل تخرج دفعتي “دفعة الفرسان” الدفعة السادسة عشرة، قسم اللغة العربية، كلية التربية، جامعة تعز 2005.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top