مقامٌ من نزيف الروح
ماذا أقولُ، وظِلُّ القولِ يَحْتَضِرُ؟!
ماذا أقولُ، وحُزْنُ القلبِ يَعْتَصِرُ؟!
.
ماذا أقولُ، وقد حَدَّ الزمانُ لنا
زُرْقَ النواجِذِ، أرْخى شِدْقَهُ الضَّررُ؟!
.
ماذا أقولُ، وقد لاحتْ مراكبُكم،
على المرافئِ، والشُّطآنُ تنتظرُ؟!
.
.
نُكِبْتُ بالأمسِ؛ لمّا نَأْيَهُمْ رَكِبوا،
واليومَ في نأيكُمْ يحظى بِيَ الكَدَرُ
.
أتيتُ أحْمِلُ أحْزاني، وها أنذا
باقٍ لها، في اسْوِدادِ الأُفْقِ أَشْتَجِرُ
.
.
هل تَذْكُرونَ: متى حلّتْ قُلُوبُكُمُ
هذي الربوعَ؟ متى أقْراكُمُ القدَرُ؟
.
طِبْتُمْ بأَفْيائها، روحُ الإخاءِ نمتْ
منْكُمْ، بأرْواحكم: تحيا، وتزدهرُ
.
ها أنتمُ اليومَ، والأحداقُ تنثرُها
جَمْرًا مِنَ الدمعِ، والذكرى لها شَرَرُ
.
.
هلْ تَذْكُرونَ مَجَرَّاتٍ، نُضاءُ بها:
“ثابتْ بُدَارِيْ”، بهِ في ربْعِنا الظَّفرُ
.
“عَبّاسُ” غيثٌ، “حَسَنْ حَيْدَرْ”، ومثْلهما
“أَسْحَمْ”، وفيْنا مياهُ الضوءِ تَنْهَمِرُ
.
هذا الحبيبُ، هو “الرَّيْمِيُّ” أَجْنِحَةٌ
لنا، بهِ صهوةَ الآفاقِ نخْتَبرُ
.
أتى يُوادِعُ مَنْ عاشوا مَوَدّتَهُ،
إنّا بحبكَ ــ يا نِبْراسُ ـــ نَفْتَخِرُ
.
جُمانةُ العِقْدِ “يحيى المذحجي”، دِعَةٌ
فينا: محَبَّتُهُ، “أسْلوبُهُ” النَضِرُ
.
نهديكَ أرواحَنا، حُبًّا به عبقتْ
هذي القوافي، فَرَقَّتْ باسْمِكَ الصّورُ
.
“أَنِيْسَةٌ” تلكَ، موسيقا “العَروضِ” سَرَتْ
في صوتِها، راشِفٌ تغريدَها الوترُ
.
وتلكَ “إلْهامُ”، إشراقاتُ “مَنْطِقِها”
فينا تُفَلْسِفُ: ما يصفو، ويَعْتَكِرُ
.
إليكُمُ الشكرَ منظومًا بقافيةٍ؛
علّ القوافي لِمَا في القلبِ تختصرُ!
.
.
صَمْتُ التَّرَحُّلِ يُبْكِيْنا، ويَصْعَقُنا
فِراقُنا ـــ اليومَ ـــ آباءً، همُ الدُّرَرُ
.
همُ الشموعُ، لنا ذابوا ــ وما فَتِئوا ــ
شَقُّوا الظلامَ، وريدَ الجهلِ قد بَتَروا
.
عِقْدًا مِنَ العمرِ، قد أهدوهُ جَنّتَنا،
منْهُ تَسارَدَ في أَغْصانِها الثمرُ
.
ها همْ ـــ على غُصَّةِ التلويحِ ـــ أربعةٌ،
يتوِّجونَ نواصي “الحفْلِ”؛ إذْ حضروا
.
هذا هو النورُ “قحطانٌ”، وبَسْمَتُهُ
لنا البصيرةُ، مَرْوِيٌّ بها البَصَرُ
.
“قحطانُ” ـــ يا والدي المبرورَ ـــ كم شغُفتْ
بكَ القُلوبُ! وَكَمْ لاذَتْ بِكَ الفِكَرُ!ُ
.
نَهْرَ المعارفِ، منكَ القومُ كَمْ نهلوا!
كم في ضيائكَ للعلياءِ قد عبروا!
.
ها أنتَ ترْحَلُ، والأرواحُ نائِحَةٌ
ـــ تأبى افتراقكَ ـــ منذُ هَزَّنا الخبرُ
.
هذا “شَرِيْفٌ” أميرُ النقدِ، يا عَبَقًا
مِنَ المحبةِ، في الوجدانِ ينتشرُ
.
لقدْ نزلتَ بواحاتٍ لأفئدةٍ
غَنّاء، طَيْفُكَ في أفيائها المطرُ
.
فإنْ تَرَحَّلْتَ فالواحاتُ مُشْرَقةٌ،
بِعطْرها، بارتحالٍ فيكَ تَسْتَعِرُ
.
هذا هو “النَّحْوُ”، “خطّابٌ” تَأَنْسُنُهُ؛
سِفْرًا مِنَ “النحوِ”، قد أنجبتَ، يا “عُمرُ”!
.
جَناحُهُ “الصاحبُ” النّحْوِيُّ، كُنْيَتُهُ:
“أبو جَنَاحٍ”؛ تماهى العلمُ والبَشرُ
.
يبكيكما “النحوُ”، و”الآدابُ” باكيةٌ،
وفي القلوبِ ــ بُكاءً ــ يُجْهَشُ الأثَرُ
.
ها هم جهابذةُ “الفصحى” وجذوتُها،
في مَوْجَةِ الدمعِ ـــ مِنّا ـــ يخْطفُ السفرُ
.
أثروا العقولَ، تفانوا في رسالتهمْ،
والشكرَ منّا ــ أَوِ العِرْفانَ ـــ ما انْتظروا
.
لكنّ أناتِ جُرْحِ البينِ هاتِفَةٌ:
“شكرًا”، تقَزَّمَ عَجْزًا عِند مَنْ شُكِروا
.
“شكرًا” يديمُ لنا الذكرى، وفضلُكُمُ
فينا اخْضرارٌ تعاطى نَسْغَهُ الشّجَرُ
.
سترحلونَ ـــ مِنَ الأحداقِ ـــ في مُقَلٍ،
إلى القلوبِ، وفيها يَنْفُقُ السّفَرُ
.
عُذْرًا لأبنائكمْ؛ فالبِرُّ مُجْتَزَأٌ،
إنّا بأقسى انْكِسارِ البَوْحِ نَعْتَذِرُ
.
إنَّ الوداعَ ـــ لِآباءٍ على وَلَدٍ ـــ
خَطْبٌ، بِوجْدانهِ المَشْروخِ مُنْفطِرُ
.
هذي القلوبُ يُشَظِّيها فِراقُكُمُ،
هذا هو الدمعُ نارٌ فيهِ ننْصَهِرُ
.
هذي الفراديسُ تبكيكُمْ أرائِكُها:
و”القِسْمُ”، و”الدربُ”، و”القاعاتُ”، و”الجُدُرُ”
.
هذا هو الشِّعْرُ، قد أدمتْهُ قافيتي،
هذا هو اللحنُ: باكٍ، والمدى سَقَرُ
.
هذا صَدَىً، منْ نزيفِ الروحِ، مُنتَحِبٌ
لكم: “وَداعًا”، وهذا النَّوْحُ مُنْكَسِرُ
.
لكمْ: “وداعًا”، وإنْ عَزَّ اللقاءُ؛ ففي
روضِ الخُلودِ ــ الْتِحامًا ما ــ سَننتَظِرُ
***
إضاءة:
قصيدة قديمة، كتبتُها لمناسبة حفل توديع دفعة الرافدين، قسم اللغة العربية كلية الآداب، الدفعة المتزامن حفل توديعها مع انتهائي من دراسة المقاصة.


