تحقيب الرواية اليمنية من التأسيس إلى حقبة النضج والتجديد

تحقيب الرواية اليمنية: من التأسيس إلى حقبة النضج والتجديد

تحقيب الرواية اليمنية، تصنيفٌ زمنيٌّ لمسيرة الرواية اليمنية، ضمن مراحل ثلاث: البدايات التأسيسية، الكتابة الواقعية، والكتابة الجديدة.

تحقيب الرواية اليمنية: من التأسيس إلى حقبة النضج والتجديد

د. عبده منصور المحمودي

في كتابه “ثمانون عامًا من الرواية في اليمن”، ميّز الأستاذ الدكتور عبد الحكيم باقيس ــ أستاذ السرديات في جامعة عدن ــ بين ثلاثة أجيال من الكُتَّاب، لثلاث مراحل روائية في اليمن(1):

المرحلة الأولى

تمثّلت المرحلة الأولى، في البدايات. التي عمل الرواد من جيلها على توظيف الكتابة الروائية، في تمرير رؤاهم الفكرية. وقد بدأت هذه المرحلة، في أواخر العشرينيات من القرن الماضي، بصدور أول روايةٍ في اليمن “فتاة قاروت”(2)، لأحمد عبد الله السقاف. بعدها صدرت روايتا محمد علي لقمان: “سعيد” بين عامي 1939 و1940، و”كملاديفي” عام 1947(3). ثم رواية عبد الله الطيب أرسلان “يوميات مبرشت”(4)عام 1948. وروايتان لمحمد عبده: “حصان العربة”(5) عام 1959، و”مذكرات عامل”(6) عام 1966. ورواية محمد محمود الزبيري “مأساة واق الواق”(7) عام 1960.

ومثل ذلك، هي روايات علي أحمد باكثير التاريخية. التي اقتربت من الشكل الروائي متجاوِزةً إشكالية نصوص البدايات: “سلامة القس”(8)، عام 1944. و”واإسلاماه”(9)، عام 1945. و”الثائر الأحمر”(10)، عام 1949. و”سيرة شجاع”(11)، عام 1955. و”الفارس الجميل”(12)، عام 1965.

المرحلة الثانية

تمثّلت هذه المرحلة، في كتابة الرواية الواقعية، وكُتّابها من الجيل الثاني، الذين أسهموا في تأسيس فن الكتابة الروائية. منهم: (محمد أحمد عبد الولي، ومحمود صغيري، ومحمد حنيبر، وزيد مطيع دماج، وسعيد عولقي، وحسين سالم باصديق، ويحيى علي الإرياني، ومحمد مثنى).

وقد كانت فاتحة هذه المرحلة رواية محمد عبد الولي “يموتون غرباء”(13) عام 1971، بما شكّلَتْه من بدايةٍ فنية حقيقية لولادة الشكل الروائي الحديث في اليمن. ومثلها رواية الكاتب نفسه “صنعاء مدينة مفتوحة”(14)، التي نُشرت بعد وفاته عام 1978. بما لها من أثرٍ في بُنية الشكل الروائي، أو التركيب الحكائي الثلاثي، وثنائية السارد والمتلقي.

وقد امتدّ ذاك الأثر ــ الذي تركتْه رواية “صنعاء مدينة مفتوحة” ــ إلى الروايات اليمنية اللاحقة، مثل: “الميناء القديم”(15) عام 1978، لمحمود صغيري. و”قرية البتول”(16) عام 1979، لمحمد حنيبر. و”الرهينة”(17)، عام 1984، لزيد مطيع دماج، التي تكاد تخرج من عباءة رواية “مدينة مفتوحة”، حينما اضطلعت بجرِّ الرواية اليمنية إلى مرحلةٍ جديدة. وكذلك، هي رواية “السمار الثلاثة”(18) عام 1989، لسعيد عولقي. التي تُعدّ من علامات الخطاب الروائي اليمني الفارقة، في هذه المرحلة الواقعية، التي امتدت إلى نهاية القرن الفائت.

المرحلة الثالثة

تتمثّل المرحلة الثالثة، في الرواية الجديدة، وروّادها كُتّابٌ من الجيل الثالث (الجيل التسعيني). وقد اتّسمت كتابات هذا الجيل، باستيعابِ طبيعة النص الروائي واشتراطات كتابته. وتبدأ برواية “الملكة المغدورة”(19) 1999، لحبيب عبد الرب سروري. ورواية “إنه جسدي”(20) 2000، لنبيلة الزبير. ثم تتعدد الروايات، التي كتبها روائيون من هذا الجيل، على اختلاف مشاربهم الفكرية والثقافية.

وانطلاقًا إلى الألفية الثالثة، استطاع الجيل التسعيني(21) ترسيخ وجوده واستمراريته في الكتابة. بما في ذلك، ما ظهر في هذه الفترة، من كُتَّابٍ ينتمون إلى الجيل التسعيني والثمانيني. الذين دخلوا إلى عالم الرواية للمرة الأولى، منهم: (مبارك سالمين، آمنة يوسف، وليد دمّاج).

ثم يأتي الجيل الجديد، الذي يُعدّ جيل المحنة؛ إذ شق طريقه من وسط الدمار والحرائق، وتفتّقت أصواته على أصوات الصراعات المحتدمة. ومن كُتّابه: (عمار باطويل، وجمال الشعري، وسيرين حسن، ومحمد مسعد، وأسماء سليمان، وسالم بن سليم، وثابت العُقاب، وغيرهم).

لقد مرّت الرواية اليمنية، بمراحل وِلَادةٍ وتخلّقٍ متنامٍ، كان مأهولًا بمعطياتٍ فاعلة في إحداث نسقٍ من التحوّلات الفنيّة والموضوعية في بناء الرواية اليمنية، حتى وصلت إلى هذه الحال، التي هي عليه في اللحظة المعاصرة. وما يقوم عليه السرد اليمني المعاصر، من تعاطٍ حيويّ مع مستجدات اللحظة ومضامينها، من جهة، ومع مستجدات الحداثة السردية، من جهة أخرى.

هذه المحطّات المتعاقبة ــ التي تشكّلت بها بنيةُ الكتابة السردية الروائية في اليمن ــ تفضي إلى عددٍ من التساؤلات: عن المدى الذي وصلت إليه آليةُ السرد الروائي المعاصر في اليمن. وعن الأفق الاستشرافي لانفتاح هذه الآلية، على ما يكفي من الأنساق الفنية، المتّصلة بحداثة الكتابة السردية وما بعدياتها. وكذلك التساؤل عن انفتاح هذه الآلية ــ نفسها ــ على المضامين، التي ستتوالد من سياقات الحاضر، وفضاءاته المفتوحة على كل الممكنات التعبيرية، الموضوعية والفنية.

  • وُجهات نظركم، ورؤاكم، وتعليقاتكم تحفيزٌ نبيلٌ، ودافعٌ إلى مزيدٍ من التعاطي، مع تساؤلاتٍ نقدية وفكريّة ومعرفية، نتشاركُ جميعًا البحثَ عن أجوبةٍ وافيةٍ لها.
  • اشترك في النشرة البريديّة، ليصلك كل جديد، من الاشتغالات النقدية والثقافية والأنثروبولوجية.
الهوامش والإحالات

(1) يُنظر: عبد الحكيم محمد باقيس، “ثمانون عامًا من الرواية في اليمن قراءة في تاريخية تشكل الخطاب الروائي اليمني وتحولاته”. ط1، إصدارات دار جامعة عدن، 2014، ص10،9،8.

(2) أحمد عبد الله السقاف، “فتاة قاروت”. دار عناوين بوكس، القاهرة، 2021.

(3) علي محمد لقمان، “سعيد”، و”كملاديفي”. الروايتان طُبِعتا معًا في كتاب واحد، صادر عن دار عناوين بوكس، القاهرة، 2020.

(4) عبد الله الطيب أرسلان، “يوميات مبرشت”. اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين، صنعاء، 2005.

(5) علي محمد عبده، “حصان العربة”. نُشرت في مجلة الكلمة، صنعاء، أغسطس 1980.

(6) علي محمد عبده، “مذكرات عامل”. نُشرت باسم “عم عبده”، في مجلتي: اليمن الجديد، والحكمة. صنعاء، 1976.

(7) محمد محمود الزبيري، “مأساة واق الواق”. اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين، صنعاء، 2015.

(8) علي أحمد باكثير، “سلامة القس”. المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2010.

(9 ) علي أحمد باكثير، “واإسلاماه”. المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2010.

(10) علي أحمد باكثير، “الثائر الأحمر”. المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2010.

(11) علي أحمد باكثير، “سيرة شجاع”. المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2010.

(12) علي أحمد باكثير، “الفارس الجميل”. المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2010.

(13) محمد عبد الولي، “يموتون غرباء”. دار العودة، بيروت، 1986.

(14) محمد عبد الولي، “صنعاء مدينة مفتوحة”. دار العودة بيروت، 1986.

(15) محمود صغيري، “الميناء القديم”. اتحاد الكُتاب العرب، دمشق، د.ت. 

(16) محمد حنيبر، “قرية البتول”. عالم الكتب، القاهرة، د.ت.

(17) زيد مطيع دماج، “الرهينة”. ط6، مؤسسة أروقة للدراسات والنشر والترجمة،، القاهرة، 2014.

(18) سعيد عولقي، “السمار الثلاثة”. مركز عبادي للدراسات والنشر، عدن، 1993.

(19) حبيب عبد الرب سروري، “الملكة المغدورة”. إصدارات وزارة الثقافة والسياحة، صنعاء، 2004.

(20) نبيلة الزبير، “إنه جسدي”. الهيئة العامة لقصور الثقافة، سلسلة آفاق الكتابة (39)، القاهر، 2000. وفازت الرواية بجائزة نجيب محفوظ، عام 2002.

(21) كذلك، من الكُتّاب المنتمين إلى الجيل التسعيني، الذين استمر عطاؤهم امتدادًا إلى العقود الأولى من الألفية الثالثة، في صيغته الجديدة المتمثلة في الكتابة الروائية: وجدي الأهدل، ومحمد الغربي عمران ، وغيرهما.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top