الرمز في تجربة الشاعر عبد الله البردوني الرمزية الصوفية والإحالات التاريخية

الرمز في تجربة الشاعر عبد الله البردوني: الرمزية الصوفية والإحالات التاريخية

يُحلِّلُ هذا المقال النقديّ نماذجَ من استئناس الشاعر عبد الله البردوني، بالرمز الشعري الصوفي والتاريخي، في صياغة رؤيته الشعرية.

الرمز في تجربة الشاعر عبد الله البردوني: الرمزية الصوفية والإحالات التاريخية

د. عبده منصور المحمودي

وظّف الشاعر عبد الله البردوني الرمز الشعريّ، في استيعاب عددٍ من رؤاه الشعرية. هذا التوظيف، هو ما تسعى إلى تحليله مقاربتي النقدية هذه ــ الرمز في تجربة الشاعر عبد الله البردوني: الرمزية الصوفية والإحالات التاريخية. من خلال تحليل نماذج من الاشتغال الرمزي في هذه التجربة، وبوجه خاص، ما يتعلق منها، بتوظيف الرمزية الصوفية والرمزية التاريخية، في صياغة النص الشعري.

الرمز الصوفيّ في شعر البردوني
الصوفية فكرة الكمال والتسامي

التصوف في حقيقته إيثار وتضحية(1)، تضحية باللذائذ والشهوات، وإيثار لما يبقى على ما يفنى. ونزوعٌ فطري إلى الكمال الإنساني، وإلى التسامي والمعرفة عن طريق الكشف الروحي، أو العلم اليقيني، الناشئين عن الإلهام الإلهي والنظر العقلي والرياضة النفسية(2). كما انه ذلك النازع الأصلي، الذي ينبجس ويتدفق، من داخل الروح التوّاقة إلى العلو؛ ابتغاءَ الالتقاء بالماهية والاندراج فيها، داخل برهة عليا تتجاوز الوعي الطبيعي أو المنطقي(3). وهو ــ أيضًا ــ نتاجٌ لغريزة روحية عميقة، مختصة بالعلو وبالحنين إلى مملكة الديمومة، حيث السكينة والأمن والجمال(4). وبذلك؛ فإن الكتابة الصوفية تجربة في الوصول إلى المطلق، وهو ما نجده عند كبار الخلاقين في جميع العصور(5).

اقرأ أيضًا: الأسطورة في شعر البردوني

ويتنوع الفكر الصوفي في مساراته وسياقاته، التي تأتي في صدارتها فكرة وحدة الوجود، لا سيما ما يتعلق منها باتّحاد الإنسان بأخيه الإنسان؛ فجميع الناس ــ وفقًا للرؤية الصوفية ــ ينصهرون إنسانًا واحدًا، ولا يعني تعددهم اختلافهم؛ لأنهم تجلٍّ لوحدة الخلق، كما أنهم الإنسان الذي خلقه الله على صورته، والذي يحل فيه روح القدس الظاهر، منذ الأزل، في كل زمان، في صورة جديدة.

وبعد أن لمس الشعراء في الفكر الصوفي، ما يتسق مع بعضٍ من رؤاهم الشعرية، عملوا على توظيفه في إبداعهم، فكان واحدًا من مضامين الرمزية الشعرية العربية الحديثة، التي تأتي في سياقها التجربة الرمزية في الشعر اليمني المعاصر، الذي وظّف هذا المنحى الرمزي، فكان الشاعر عبد الله البردوني ممّن استهواهم الاشتغال على هذه الرمزية الصوفية في الشعرية اليمنية المعاصرة.

رمزية الاتحاد بالراحلين

من تفاصيل فكرة وحدة الوجود الصوفية، اتحاد الحي بمن غادر الحياة. ومن مظاهر ذلك ــ في تجربة الشاعر عبد الله البردوني ــ قوله مخاطبًا صديقه المتواري في قبره(6):

إنني يا بن أبي متّحدٌ ** بثرى مثواكَ: هل ترضى اتحادي؟

يتعاطى هذا البيت الشعري، مع تلك اللحظة الفارقة، التي يوارى فيها فقيدٌ ما الثرى؛ إذ تلوح فرضية الانفصال لوحدة الوجود بينه ومن شيّعوه فور عودتهم. لكن هذه الوحدة نفسها ــ في هذا السياق الشعريّ ــ لا تفرّط في ديمومتها، من خلال استمرارية الاتحاد بين ذات المحزون وثرى المفقود. ثم نجد رابطة الاتحاد الوجوديّ ــ هذه ــ تزيد تداخلًا وقوةً وتماسُكًا، في قول الشاعر من القصيدة نفسها(7):

يا بن أرضي لم تغبْ عن صدرها ** بل تحولّتَ جذورًا لامتدادي

فهنا، يتحول صديق البردوني ــ في قبره ــ إلى جذورِ قوةٍ وامتدادٍ للوحدة الوجودية، من خلال اتحاد الإنسان بالإنسان (البردوني/ بالمفقود)، واتحاد الإنسان بالوجود (البردوني والمفقود/ بالأرض).

الرمز التاريخي في شعر عبد الله البردوني

استثمر الشاعر عبد الله البردوني الرمز التاريخي، في بناء عددٍ من نصوصه الشعرية. منها ما استند فيه إلى شخصيات التاريخ الأدبي، بينما استند في بعضٍ آخر، إلى شخصيات التاريخ غير الأدبي.

الرمز التاريخي الأدبي

وظف الشاعر عبد الله البردوني ــ في تجربته الشعرية ــ عددًا كبيرًا من الشخصيات التاريخية، ذات الطابع الأدبي. من ذلك استئناسه بشخصية الشاعر اليمني وضاح اليمن، في قوله(8):

ماذا أُحدِّثُ عن صنعاءَ يا أبَتِ؟ ** مليحةٌ عاشقاها: السِّلُ والجَربُ

ماتتْ بصندوقِ “وضاحٍ” بلا ثمنٍ ** ولمْ يمُتْ في حشاها العِشقُ والطَّربُ

وظّف الشاعر ــ هنا ــ البعد الإيحائي، الذي يكتنزه صندوق وضاح؛ فهذه صنعاء في واقعها الحالي تلبس وجه روضة العشيقة؛ لتطل على الدنيا مسلولة جرباء. وحين حملها وضاح بين جوانحه، وفرّ بها تاركًا خلفه واقعًا مريرًا، يلقى حتفه غريبًا طريدًا، وتسقط صنعاء صريعة حفرته، التي فارقت وإياه فيها الحياة(9).

كما يمثل صندوق وضاح ــ هنا ــ رمزيةً أكثر تحديدًا، إلى الجمهورية الثانية بحسب رؤية الشاعر؛ لقيام هذه الجمهورية على التصالح بين الجمهوريين والملكيين. ولم يكن الشاعر راضيًا عنها(10). وبذلك، ستكون هذه الجمهورية ــ غير المرضي عنها ــ صندوقًا معاصرًا، يوأد فيه الحبيب ومحبوبته (وضاح/ وروضة)، المتماهيين في الإنسان اليمني ومعشوقته اليمن. لكن لا يمثل هذا الفناء نهاية أبدية لوجودهما؛ فلا يزال العشق والطرب حيًّا في أحشاء الحبيبة، ولا يزال انتظار تحررها من هذا الصندوق سيد الأمل والترقب، لذلك يسأله الشاعر عن الموعد المنتظر(11):

أيا صنعا متى تأتينَ ** من تابوتِكِ العفِنِ؟

يلوح ــ هنا ــ إيحاءٌ بالأمل القادم؛ فصنعاء ستحطم هذا الصندوق، الذي طال بقاؤها فيه. لذلك؛ يصرخ الشاعر فيها مستحثًّا فيها سرعة الانعتاق الشامل، الذي سيحرر الوطن أرضًا وإنسانًا، من واقعه المظلم البائس.

الرمز التاريخي غير الأدبي

من الشخصيات التاريخية ــ التي لا تنتمي إلى دائرة التاريخ الأدبي ــ في تجربة الشاعر عبد الله البردوني، شخصية الحجاج، التي وردت في سياق شعريّ، يخاطب فيه الشاعر المناضل الراحل عبد الله اللقية، في ذكرى رحيله؛ إذ يقول(12):

أخي أدعوكَ مِنْ خلفِ اتّقادي ** وأبحثُ عن لقائكَ في رمادي

وعاصِفَةُ الوعيدِ تَهُزُّ حَوْلي ** يَدَ “الحَجَّاجِ” أَوْ شِدْقيْ “زِيادِ”

يصور الشاعر ــ في هذين البيتين ــ حاله، وحال أمثاله، المُتقدين بذواتهم المتشوقة إلى الحرية. فيخاطب الراحل الذي فارق الحياة؛ عقابًا على محاولته الإجهاز على منظومة الحكم البائسة. ذاك المناضل، الذي ترك رحيله ورحيل رفاقه ــ بتلك الطريقة العقابية ــ رهبةً في الحياة الاجتماعية، أفضت إلى تواري الشاعر خلف عذابه وحزنه، كي يدعو الراحل، ويبحث عن لقائه، بين رماد النار التي احترقت بها الذات الشاعرة.

أمّا السبب في اتخاذ الشاعر هذه الطريقة الحوارية المواربة، فيتمثّل في عاصفة التهديد والوعيد، التي كان يزمجر بها الحاكم. ذلك هو ما علّل به الشاعر أسلوبه الحواري ــ ذاك ــ متخذًا من مضامين الطغيان والظلم، التي اشتهر بها تاريخ الحجاج مسارًا فنيًّا، يرمز به إلى هذه الحال المحيطة به.

اقرأ أيضًا: الصورة التشبيهية في شعر عبد الله البردوني

وعلى ذلك، يبدو في استلهام هذه الشخصية التاريخية ــ هنا ــ أنه استدعاء تغلب عليه الرغبة المقصودة، في إثراء التعبير الشعري، أكثر من أن يكون ــ فقط ــ محاولة للهروب من الإدانة المباشرة، في مخاتلةٍ رمزيةٍ مواربة. ذلك؛ لأن الإيحاءات والتشابكات الدلالية المختلفة ــ في بيئة النص المجتمعية، وبمعية الفضاء الدلالي الذي خلقته هنا شبكة القصيدة ــ قد أوصلت المعنى المراد، بشكل أكثر بلاغةً وجمالًا من المنحى التعبيري المباشر.

كما أن استدعاء شخصية الحجاج ــ رمزًا للحاكم المعاصر ــ هو استدعاءٌ هادف، إلى تصوير ما بلغه الطغيان والظلم والقمع من مدىً بعيدٍ وقاسٍ، لم تكن إلّا أبعاد شخصية الحجاج التاريخية، هي الأنسب في التعبير عنه، من خلال تقنيةٍ رمزيةٍ، ذات بعد تاريخي.

البردوني وكثافة رموزه التاريخية

في النموذج الشعري السالف، لم يكتفِ الشاعر عبد الله البردوني برمزية الحجاج ــ على ما تحقق لهذه الرمزية من نجاحٍ فني ــ بل قرنه برمز تاريخي آخر، هو زياد. ويأتي ذلك في سياق الاتجاه البردوني، المتمثّل في إكثاره من الرموز التاريخية، وأسماء الأعلام والأماكن في النص الشعري(13). وقد كاد هذا الأمر أن يجعل من شعره وثائق تاريخية، تطغى على الجانب الفني فيها(14).

اقرأ أيضًا: المعاناة والصورة الاستعارية في شعر البردوني

ويبدو أن لهذا الاتجاه في شعر البردوني بعدًا نفسيًّا يلح عليه؛ فهو يستحضر الصورة التراثية الجاهزة لشخص، أو مكان، أو حدث، ويقدمها مسكِّنًا لألم البحث عن المثال والحاجة إلى الاستقرار والهدوء. كما يمكن تعليل ذلك، بالرغبة في الحضور الدائم مع الأسماء والأشياء والأماكن؛ تعويضًا عن فقدان رؤية الأحياء، فرؤية غير المبصرين، كالبردوني والمعري، تعتمد على الذاكرة والثقافة(15).

ويمكن القول أيضًا: إن السعة الثقافية التي شكلت وعي البردوني ـــ لا سيما التاريخية منها ـــ قد اتخذت مكانها في شعره، بوعي منه أو من دون وعي. لذلك؛ فإن استدعاءه القصدي لرمزٍ تاريخي؛ تحقيقًا لغاية فنية، يمثل تداعيًا انسيابيًّا لهذه الثقافة، التي تكتمل بها بُنى اللحظة الشعرية؛ اكتمالًا يكاد أن يقضي على فنية الرموز المستوحاة في النص الشعري وجماليتها.

والسؤال الذي يلوح في ثنايا هذه المقاربة النقدية: هل استطاع البردوني المواءمة بين كثافة الرمز التاريخي، وانسيابية الجمال الشعريّ، من غير أن يكون لهذه الكثافة أثرٌ مباشرٌ على الطاقة الجمالية والشعرية؟


  1. ينظر: هدّي فاطمة الزهراء، “جمالية الرمز في الشعر الصوفي، محيي الدين بن عربي ــ نموذجًا”. رسالة ماجستير، جامعة أبي بكر بلقايد ــ كلية الآداب والعلوم الإنسانية والاجتماعية، تلمسان، 1427هـ ــ 2006م، ص: (65). ↩︎
  2. ينظر: محمود أبو الفيض المنوفي، “المدخل إلى التصوف الإسلامي”. الدار القومية، القاهرة، د.ت، ص: (9). ↩︎
  3. ينظر: يوسف سامي اليوسف، “مقدمة للنفري، دراسة في فكر وتصوف محمد بن عبد الجبار النفري”. دار الينابيع، دمشق، 1997م، ص: (11). ↩︎
  4. نفسه، ص: (12). ↩︎
  5. ينظر: أدونيس، “الصوفية والسوريالية”. ط3، دار الساقي، بيروت، د.ت، ص: (156).   ↩︎
  6. عبد الله البردوني، “الأعمال الشعرية”. ط1، إصدارات الهيئة العامة للكتاب، صنعاء، 1423هـ ـ 2002م، جـ2/ ص: (1107). ↩︎
  7. نفسه، جـ2/ ص: (1108). ↩︎
  8. عبد الله البردوني، “الأعمال الشعرية”. مرجع سابق، جـ1/ ص: (627،626). ↩︎
  9. حفيظة قاسم سلام، “شعر عبد الله البردوني قضاياه الموضوعية وصوره الإبداعية”. رسالة ماجستير، جامعة الإسكندرية ـــ كلية الآداب، 1421هـ ـــ 2001م، ص: (318). ↩︎
  10. ينظر: أحمد قاسم أسحم، “الرمز في الشعر اليمني المعاصر”. مكتبة أبي حامد، تعز، د.ت، ص: (140). ↩︎
  11. عبد الله البردوني، “الأعمال الشعرية”. مرجع سابق، جـ1/ ص: (682). ↩︎
  12. نفسه، جـ1/ ص: (402). ↩︎
  13. ينظر: عبد الحميد الحسامي “الحداثة في الشعر اليمني المعاصر”. إصدارات وزارة الثقافة والسياحة، صنعاء، 2004، ص: (216،215). ↩︎
  14. ينظر: محمد محمود رحومة. ط1، “دراسات في الشعر والمسرح اليمني”، دار الكلمة، صنعاء، 1406هـ ـــ 1985م، ص: (51). ↩︎
  15. نفسه. ↩︎

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top