بآهات الرحيل
دقّتْ نواقيسُ حُزْنٍ صاخبٍ فينا،
والدمعُ دامٍ، تَشَظَّى في مآقينا
.
تَعَثَّرَ الكونُ في آهاتِهِ جَزَعًا،
ومادتِ الأرضُ وجْدًا يحتسي الطينَ
.
لمّا امْتطى الدهرُ شُؤْمًا/ فُرْقَةً فَتَكتْ
بشَمْلِنا، واستوتْ نَعْيًا وتأبينا
.
وأعشبَ البينُ فينا، بعدما نَسَجَتْ
منّا الزمالةُ إخوانًا مَيامينا
.
.
إنّا حلَلْناكِ ــ يا أحضانَ أُلْفَتِنا ــ
وما التعارفُ معْهودًا يُدَانينا
.
حتى اكْتَمَلْنا كبُنيانٍ، يُوَحِّدُنا
نُورٌ مَوَدّتُهُ ــ فينا ــ تُؤاخِينا
.
في واحةِ العلمِ: منها الضوءَ نرشِفُهُ
عَذْبًا، فَأَكْرِمْ بماءِ الضوءِ غاوينا!
.
فَكَمْ لنا “قاعةٌ” بالحبِّ، قد جَمَعَتْ!
وَكَمْ مَضَتْ، من رحيقِ الفكرِ، تَسقينا!
.
وكم تلاقتْ ــ على راحاتِ “مكتبةٍ” ــ
عقولُنا، في كتابٍ بين أيدينا!
.
كم في حَشَا “الدُّرةِ” الغَرّاءِ: قد شُرِحَتْ
لنا العُلومُ! وأهدَتْنا الرياحينَ!
.
وكمْ تَرَعْرَعَ “بَحْثٌ” في تآزُرِنا!
بلْ كمْ تبَرْعمَ رأيٌ في معانينا!
.
.
في بَسْمَةِ الصبحِ، نغدو نحو رَوْضَتِنا؛
فَتَلْتَقِيْنا، وفي عَطْفٍ تحيّينا
.
وقلبَها ــ قبلَ بابِ “السُّوْرِ” ــ تفتحُهُ،
بحبِّها ــ قبل “خَطِّ السيرِ” ــ تَهدينا
.
لها يدانِ، من “الإِسْفِلْتِ”، قد بَسَطَتْ
لنا، وفوق ذراعيها تَداعِينا
.
إلى فؤادٍ لها؛ أضحتْ جوانِحُهُ
قاعاتِ عِلْمٍ، بدفْءِ الوُدِّ يُطرينا
.
نُوَدِّعُ القلبَ ظُهْرًا، واليقينُ غدًا
فيهِ سَيُتْرِعُنا ــ حتمًا ــ تلاقِينا
.
.
هذا الودادُ، عليهِ أرْبعٌ قُضِيَتْ،
مِنَ السِّنين، وما فيها تَأَسَّيْنا
.
مَرّتْ كلحظةِ طَرْفٍ هانِئٍ عَبَرتْ،
حتى تَعاوَرَنا منها تنائينا
.
ألذُّ أيّامِنا فيها، وأتْعسُها
يومٌ بِفُرْقَتِنا يغتالُ آتِيْنا
.
يغتالُ بَسْمَتَنا، في قلبِ واحتِنا،
يومٌ تَخَلَّقَ للتمزيق سِكِّيْنا
.
إخوانَ كُنّا؛ فلا بُغْضٌ يعيثُ بنا،
ولا غرورٌ تَمَطّى ذِئْبُهُ فينا
.
نمضي إلى النورِ، والأرواحُ قد مُزِجَتْ
روحًا تُعَتّقُ فينا العطفَ واللِّينا
.
واليوم بِتْنا لِوَحْشِ البَيْنِ وَجْبَتَهُ الْـ،
ــأَشْهَى؛ ففي قِدْرِ نارِ الآهِ يَشْوِيْنا
.
فلا “الحبيلُ” لنا حضنًا سَيُدْفِئُنا،
ولا المواردُ مِنْ بعضٍ ستُدنينا
.
ولا سَنُلْقيْ، على “الرَّيْمِيِّ” مَسْألةً،
ولا “الخليلُ” إليها الضوءُ يُوحِينا
.
ولا ستنمو بحوثٌ في أَوَاصِرِنا،
ولا “العرينُ”، ولا “الإخلاصُ” يُقرينا!
.
فقاعةُ الدرسِ ليستْ مِنْ مراتعنا،
ولا “الرَّوابي” حناياها مراعينا!
.
إنّا غريبون عن روضِ الضياءِ؛ فلا
فيه زميلٌ، ولا الذكرى سَتُغْنِيْنا
.
.
واغربتاهُ! نُفِيْنا منكِ “دوْحَتنا”،
ولا نجاةَ إليكِ من منافينا
.
إنَّا لأُسْرةُ عِلْمٍ فيكِ هانئةٌ؛
فكيفَ منكِ جنونُ الدهر ينفينا؟!
.
أُمًّا لنا صِرتِ، و”الصُّوفيُّ” والدَنا،
وإخوةً فيكِ ــ يا أُمّاهُ ــ أبقينا!
.
أُختي الزميلةُ أضْحتْ، والزميلُ أخي؛
روحي “شِهابٌ”، ومني قِطْعَةٌ “لِينا”
.
فكيف تلهو، بهذا الشملِ، تفرقةٌ؟
وكيف يصبحُ شطرًا، مِنْ مواضينا؟!
.
.
“حبيلَ سلمانَ”، يا إيناعَ معرفتي،
يا نورَ دربي، ويا نبعَ الرؤى فينا
.
رعاكَ ربي! سقاكَ اللهُ غاديةً!
ودمتَ قلبَ المعالي والشرايينا!
.
ويا أساتذتي! شكرًا لِصُنْعِكُمُ؛
كُنْتُمْ ـــ ودمْتمْ ـــ لنا أسنى براهينا
.
وَقُبْلَةً، بامتنانِ الشكرِ، يَرْسِمُها
على جبينكمُ حُبٌّ يُغَنِّيْنا
.
شُكْرًا نقولُ لـِ “رَيْميٍّ” يُضيءُ بِهِ،
عطفُ الأُبُوَّةِ, فيهِ قد تآخينا
.
يا قدوةَ العمرِ, يا عطرَ القلوب, ويا
بَحْرَ العلومِ، نُؤاكَ اليومَ تُشجينا!
.
شكرًا يَحُفُّ، “رئيسَ القسمِ”، ذا ألقٍ،
هذا هوَ: “الحَسَنُ” الأنَقى، يُدانينا
.
يا أخضرَ القلبِ، يا أُنْسَ “الحبيلِ”؛ فكم
منكَ الفضائلَ ـــ جَمْعا ـــ قد تَلَقَّيْنا!
.
شكرًا: لهُ كُل مسؤولٍ بِرَوْضَتِنا،
نُؤبْجدُ الحُبَّ لـ “الصُّوْفِيِّ” نِسْرِينا
.
وَلِـ “الشَّعِيبيْ”، لِمَنْ في “الحَفْلِ” جُهدُهمُ
قلبٌ وروحٌ، لمن زَفّوا تهانينا
.
.
ويا أَحِبَّةُ، إنّي في فراقِكُمُ،
تكادُ أمزانُ دمعي تَذْرِفُ العينَ
.
أنتمْ ليَ الأهلُ والإخوانُ، أينَ تُرى
سنلتقي؟ كيف تَهْمِيْ مُزْنةُ الـ “أينَ”؟
.
أنتمْ، وأنتُنَّ ــ إخواني ــ سَتَثْكِلُكُمْ
عيني، وفي القلبِ لا زلتمْ مُقيمينا
.
فيهِ ستُورِقُ ذِكراكمْ، وحبُّكمُ
ــ لكمْ ــ سيكتُبُ بالنبضِ العناوينَ
.
إنْ كان يومُ النوى دَمْعًا يسيلُ بِنا؛
إنَّ الليالي، بذكْراكمْ، سَتُبْكِينا
.
بُثُّوا التسامحَ، ذوبوا في مودّتنا؛
فالصّفْحُ منْ حَسْرَةٍ حَرّى يُنادينا
.
فَمَنْ سَيُكرِمُ بعد اليومِ صاحَبَهُ؟!
غدًا سيُشرَقُ بالنجوى تنائينا!
.
وَلْنَمْضِ في وطني فُرْسانَهُ، وإلى
غاياتِهِ سوفَ نَسْمو في تفانينا
.
إنْ كان يَجْمَعُنا حُبٌّ لِمَعْرِفَةٍ،
فإنَّهُ ـــ وَطَني ـــ قلبٌ يُماهينا
.
.
لكمْ أقولُ: وداعًا والدموعُ على
خدِّيْ، وقَطَّعَ قلبي حُزْنُهُ الحينَ
.
وكلُّ روحٍ تَشَظَّتْ في تَمَزُّقنا،
وكلُّ قلبٍ، بإشفاقٍ، يواسينا
.
لكنْ عسى اللهُ يُحيي روحَ أُلْفَتِنا؛
إنَّ السماءَ فراديسُ المُحِبِّينا
***
إضاءة
قصيدة قديمة، ألقيتُها في حفل تخرج دفعتي “دفعة الفرسان” الدفعة السادسة عشرة، قسم اللغة العربية، كلية التربية، جامعة تعز 2005.


