مقامٌ من نزيف الروح

مقامٌ من نزيف الروح

مقامٌ من نزيف الروح

مقامٌ من نزيف الروح

د. عبده منصور المحمودي

ماذا أقولُ، وظِلُّ القولِ يَحْتَضِرُ؟!

ماذا أقولُ، وحُزْنُ القلبِ يَعْتَصِرُ؟!

.

ماذا أقولُ، وقد حَدَّ الزمانُ لنا

زُرْقَ النواجِذِ، أرْخى شِدْقَهُ الضَّررُ؟!

.

ماذا أقولُ، وقد لاحتْ مراكبُكم،

على المرافئِ، والشُّطآنُ تنتظرُ؟!

.

.

نُكِبْتُ بالأمسِ؛ لمّا نَأْيَهُمْ رَكِبوا،

واليومَ في نأيكُمْ يحظى بِيَ الكَدَرُ

.

أتيتُ أحْمِلُ أحْزاني، وها أنذا

باقٍ لها، في اسْوِدادِ الأُفْقِ أَشْتَجِرُ

.

.

هل تَذْكُرونَ: متى حلّتْ قُلُوبُكُمُ

هذي الربوعَ؟ متى أقْراكُمُ القدَرُ؟

.

طِبْتُمْ بأَفْيائها، روحُ الإخاءِ نمتْ

منْكُمْ، بأرْواحكم: تحيا، وتزدهرُ

.

ها أنتمُ اليومَ، والأحداقُ تنثرُها

جَمْرًا مِنَ الدمعِ، والذكرى لها شَرَرُ

.

.

هلْ تَذْكُرونَ مَجَرَّاتٍ، نُضاءُ بها:

“ثابتْ بُدَارِيْ”، بهِ في ربْعِنا الظَّفرُ

.

“عَبّاسُ” غيثٌ، “حَسَنْ حَيْدَرْ”، ومثْلهما

“أَسْحَمْ”، وفيْنا مياهُ الضوءِ تَنْهَمِرُ

.

هذا الحبيبُ، هو “الرَّيْمِيُّ” أَجْنِحَةٌ

لنا، بهِ صهوةَ الآفاقِ نخْتَبرُ

.

أتى يُوادِعُ مَنْ عاشوا مَوَدّتَهُ،

إنّا بحبكَ ــ يا نِبْراسُ ـــ نَفْتَخِرُ

.

جُمانةُ العِقْدِ “يحيى المذحجي”، دِعَةٌ

فينا: محَبَّتُهُ، “أسْلوبُهُ” النَضِرُ

 .

نهديكَ أرواحَنا، حُبًّا به عبقتْ

هذي القوافي، فَرَقَّتْ باسْمِكَ الصّورُ

.

“أَنِيْسَةٌ” تلكَ، موسيقا “العَروضِ” سَرَتْ

في صوتِها، راشِفٌ تغريدَها الوترُ

.

وتلكَ “إلْهامُ”، إشراقاتُ “مَنْطِقِها”

فينا تُفَلْسِفُ: ما يصفو، ويَعْتَكِرُ

.

إليكُمُ الشكرَ منظومًا بقافيةٍ؛

علّ القوافي لِمَا في القلبِ تختصرُ!

.

.

صَمْتُ التَّرَحُّلِ يُبْكِيْنا، ويَصْعَقُنا

فِراقُنا ـــ اليومَ ـــ آباءً، همُ الدُّرَرُ

.

همُ الشموعُ، لنا ذابوا ــ وما فَتِئوا ــ

شَقُّوا الظلامَ، وريدَ الجهلِ قد بَتَروا

.

عِقْدًا مِنَ العمرِ، قد أهدوهُ جَنّتَنا،

منْهُ تَسارَدَ في أَغْصانِها الثمرُ

.

ها همْ ـــ على غُصَّةِ التلويحِ ـــ أربعةٌ،

يتوِّجونَ نواصي “الحفْلِ”؛ إذْ حضروا

.

هذا هو النورُ “قحطانٌ”، وبَسْمَتُهُ

لنا البصيرةُ، مَرْوِيٌّ بها البَصَرُ

.

“قحطانُ” ـــ يا والدي المبرورَ ـــ كم شغُفتْ

بكَ القُلوبُ! وَكَمْ لاذَتْ بِكَ الفِكَرُ!ُ

.

نَهْرَ المعارفِ، منكَ القومُ كَمْ نهلوا!

كم في ضيائكَ للعلياءِ قد عبروا!

.

ها أنتَ ترْحَلُ، والأرواحُ نائِحَةٌ

ـــ تأبى افتراقكَ ـــ منذُ هَزَّنا الخبرُ

.

هذا “شَرِيْفٌ” أميرُ النقدِ، يا عَبَقًا

مِنَ المحبةِ، في الوجدانِ ينتشرُ

.

لقدْ نزلتَ بواحاتٍ لأفئدةٍ

غَنّاء، طَيْفُكَ في أفيائها المطرُ

.

فإنْ تَرَحَّلْتَ فالواحاتُ مُشْرَقةٌ،

بِعطْرها، بارتحالٍ فيكَ تَسْتَعِرُ

.

هذا هو “النَّحْوُ”، “خطّابٌ” تَأَنْسُنُهُ؛

سِفْرًا مِنَ “النحوِ”، قد أنجبتَ، يا “عُمرُ”!

.

جَناحُهُ “الصاحبُ” النّحْوِيُّ، كُنْيَتُهُ:

“أبو جَنَاحٍ”؛ تماهى العلمُ والبَشرُ

.

يبكيكما “النحوُ”، و”الآدابُ” باكيةٌ،

وفي القلوبِ ــ بُكاءً ــ يُجْهَشُ الأثَرُ

.

ها هم جهابذةُ “الفصحى” وجذوتُها،

في مَوْجَةِ الدمعِ ـــ مِنّا ـــ يخْطفُ السفرُ

.

أثروا العقولَ، تفانوا في رسالتهمْ،

والشكرَ منّا ــ أَوِ العِرْفانَ ـــ ما انْتظروا

.

لكنّ أناتِ جُرْحِ البينِ هاتِفَةٌ:

“شكرًا”، تقَزَّمَ عَجْزًا عِند مَنْ شُكِروا

.

“شكرًا” يديمُ لنا الذكرى، وفضلُكُمُ

فينا اخْضرارٌ تعاطى نَسْغَهُ الشّجَرُ

.

سترحلونَ ـــ مِنَ الأحداقِ ـــ في مُقَلٍ،

إلى القلوبِ، وفيها يَنْفُقُ السّفَرُ

.

عُذْرًا لأبنائكمْ؛ فالبِرُّ مُجْتَزَأٌ،

إنّا بأقسى انْكِسارِ البَوْحِ نَعْتَذِرُ

.

إنَّ الوداعَ ـــ لِآباءٍ على وَلَدٍ ـــ

خَطْبٌ، بِوجْدانهِ المَشْروخِ مُنْفطِرُ

.

هذي القلوبُ يُشَظِّيها فِراقُكُمُ،

هذا هو الدمعُ نارٌ فيهِ ننْصَهِرُ

.

هذي الفراديسُ تبكيكُمْ أرائِكُها:

و”القِسْمُ”، و”الدربُ”، و”القاعاتُ”، و”الجُدُرُ”

.

هذا هو الشِّعْرُ، قد أدمتْهُ قافيتي،

هذا هو اللحنُ: باكٍ، والمدى سَقَرُ

.

هذا صَدَىً، منْ نزيفِ الروحِ، مُنتَحِبٌ

لكم: “وَداعًا”، وهذا النَّوْحُ مُنْكَسِرُ

.

لكمْ: “وداعًا”، وإنْ عَزَّ اللقاءُ؛ ففي

روضِ الخُلودِ ــ الْتِحامًا ما ــ سَننتَظِرُ

***

إضاءة:

قصيدة قديمة، كتبتُها لمناسبة حفل توديع دفعة الرافدين، قسم اللغة العربية كلية الآداب، الدفعة المتزامن حفل توديعها مع انتهائي من دراسة المقاصة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top