القعقاع بن عنتر.. الشاب الذي تحدّى حرضة دمت سنوات حتى ابتلعتْه الفوهة البركانية
في صباح الجمعة، الثاني عشر من يونيو/ حزيران 2026، لم يكن يعرف القعقاع بن عنتر ــ وهو يستهل كعادته خطواته الأولى متسلقًا الجدران الصخرية لـ”حرضة دمت” ــ أنه اليوم الأخير في حياته. كما لم يكن يعرف أنه سيحظى باهتمام إعلاميّ، يصل بقصته إلى منابر إعلامية مختلفة داخل الوطن وخارجه، بعد أن توافرت في حكايته ثلاثة مقومات رئيسة. كانت فاعلةً في انتشارها وتداولها الإعلامي: المهارة الاستثنائيّة، والمكان الغامض المخيف، والنهاية المأساوية القاسية.
كعادته كل يوم، مارس القعقاع مهارته التي عُرف بها، في تسلُّق الجدران الداخلية لتلك الفوهة البركانية، المعروفة بـ”حرضة دمت” في محافظة الضالع. وصل إلى آخر نقطة اعتاد عليها، متداعيًا مع تشجيع زوار المكان، حتى بدأ يظهر عليه نوعٌ من الارتباك، أعقبه سقوطه المفاجئ إلى قعر تلك الفوهة البركانيّة الحارة.
انتشر الخبر انتشارًا واسعًا في وسائل الإعلام المختلفة، ومواقع ومنصات التواصل الاجتماعيّ. كما فتح بابًا واسعًا لأسئلةٍ تبحث في ما وراء الحادثة، من مثل: من القعقاع بن عنتر؟ وما سرّ العلاقة بينه والمكان الذي لقي فيه حتفه؟ وكيف تمكّن من تحويل مهارته الجسدية ومغامرته إلى مصدر رزق وشهرة؟
من القعقاع بن عنتر؟
لأن شخصية القعقاع بن عنتر لم تنل شهرة واسعة قبل الحادثة، فإن ما يتوافر عنها من معلومات، يقتصر على شهرة الرجل في محيط المكان (مدينة دمت)؛ إذ تشير التقارير الصحفية التي تعاطت مع الحادثة إلى أنه متسلق جبالٍ بارع، وواحد من أبرز الشخصيات، التي ارتبط ذكرها بـ”حرضة دمت”، خلال السنوات الأخيرة. وأظهرت عددٌ من الفيديوهات ــ المنشورة على وسائل التواصل الاجتماعي ــ مشاهد لممارسته تلك المهارة، التي اشتهر من خلالها، في تسلّق الجدران الصخريّة الداخليّة لـ”حرضة دمت”. وكذلك قدراته الفائقة، على التنقل بين مختلف المنحدرات الوعرة، بشكل اعتباطيّ، غير مستعينٍ بأية وسيلة من وسائل الحماية ومعدات السلامة المتخصّصة.
دمت: الجغرافيا البركانية
تنتمي “دَمت” إداريًّا إلى محافظة الضالع في اليمن. وتشير المصادر التاريخية، إلى أنها من المستوطنات السكنية، التي استقر فيها الإنسان القديم؛ لما تتمتع به من مساحاتٍ زراعية خصبة، وما يتوافر فيها من مياه عذبة.
كما ذكرت المدونات التاريخية أن مدينة دمت، كانت ــ في العصور التاريخيّة القديمة ــ ضمن المناطق الخاضعة لحكم دولة أوسان، ثم انتقل النفوذ فيها إلى دولة القتبانيين في القرن السابع قبل الميلاد، حتى القرن الأول الميلادي، الذي خضعت فيه المدينة لحكم الدولة الريدانية.
ومن أهم خصائص “دمت”، أنها مدينة تنام على فوهة بركانٍ ملتهب؛ وفقًا لتصنيف الجيولوجيين، الذين تحدّثوا عن نشاط هذا البركان، الذي حدث قبل زمن سحيق؛ إذ كانت دمت في الزمن القديم متنفسًا لواحدٍ من البراكين الهائجة، قبل ملايين السنين، فكانت من آثاره هذه المنطقة، التي تنتمي إلى زمن الثوران البركانيّ، الذي تعرّضت له الأرض، في فترة العصر الثلاثي، بحسب ما تشير إليه كثيرٌ من الدراسات الجيولوجية المحليّة.
وبعد أن فقد ذاك الحدث البركانيّ نشاطه، كانت من تداعياته، ما تشكّل من مناطق مياهٍ كبريتيّة ساخنة؛ إذ كان لتفاعل معادنه وانصهارها دور فاعلٌ، في تحويل المياه الجوفيّة، إلى ينابيع مياه كبريتيّة ساخنة، لها فوائدها العلاجية. وقد توزّعت عيون هذه المياه على عددٍ من الحمامّات الحارة، التي اشتهرت بها مدينة دمت؛ إذ تُقدّر بحوالي 20 حمامًا كبريتيًّا، موزّعة على ما لا يزيد عن كيلو ونصف الكيلو مترًا مربعًا. لكنها لم تستمر؛ إذ توقف بعضٌ منها بعد أن جفّت ينابيعه، بينما توقف بعضٌ آخر بأسباب مختلفة.
“حرضة دمت”
من التفاصيل الجغرافية، التي تتميّز بها دمت، تلك الفوهات البركانية، التي تتناثر في مواقع مختلفة منها. تلك الفوهات، التي يُصطلح عليها علميًّا “النتوءات الكلسية”. بينما تصطلح عليها المحكية اليمنية بـ”الحرضات”، جمع “حرضة”؛ للتشابه بين تلك النتوءات وهذا الوعاء الشعبي، الخاص بوجبة “السلتة”، الذي عادةً ما تتم صناعته من الصخور والأحجار الجرانيتية، ولا يزال من الأواني المنزلية المستخدمة في المائدة اليمنية.
يبلغ عدد هذه “الحرضات” في قمم وقيعان مديرية دمت حوالي سبع حرضات، تتفاوت في أحجامها وأشكالها. أكبرها “حرضة دمت”، شرق المدينة، بقاعدتها التي تستحوذ على مساحة مئتي متر مربع تقريبًا، وارتفاع يقارب مئة متر مربع، ومساحتها الأعلى التي تصل إلى قرابة مئة متر مربع. أما قطر فوهة “حرضة دمت”، فيصل إلى حوالي خمسين مترًا، بينما يصل عمقها إلى حوالي مئة وعشرين مترًا.
وبذلك؛ فإن “حرضة دمت” مثل غيرها من (الحرضات)، “هضبة بركانية مخروطية الشكل، تتسع في القاعدة، وتضيق في المنتصف تدريجيًّا باتجاه القمة، ولها مدخل واحد عبر سلم حديديّ، يصل إلى قمة الفوهة”(1). كما أنها متميزة بجدرانها الصخريّة شديدة الانحدار، ومياهها الكبريتية المستقرة في قاعها، التي جعلت منها مقصدًا للزوّار والمهتمين بخصائص الطبيعة وفرادة المواقع الجيولوجية فيها. كل ذلك، انتقل بهذا المكان من مساحة جغرافية، إلى معلم من أشهر المعالم الطبيعية في اليمن.
“حرضة دمت”: حين تتحوّل الجغرافيا إلى أسطورة
لا تقتصر أهمية “حرضة دمت” على مكانتها الجغرافية، وجدواها العلاجية والسياحية. وإنما تشمل مكانتها في الذاكرة المحلية والثقافة الشعبية. تلك الثقافة، التي جعلت من هذا المكان ــ بعد عقودٍ وأزمنة متعاقبة ــ متنًا للروايات الشفوية والحكايات الشعبية المتداولة. مثلها في ذلك، كمثل غيرها، من الأماكن والمواقع الجغرافية ذات الطابع الاستثنائي، التي ينسج الخيال الشعبيّ حولها حكاياتٍ مختلفة؛ إذ أضفت الثقافة الشعبية في اليمن على “حرضة دمت” نسيجًا حكائيًّا، وقصصًا شفويّة متنوعة، منها ما يحكي عن أنها غائرة، ومجهولةُ الأعماق، ومحاطةٌ بأسرار مدفونةٌ وظواهر غريبة. وعلى ذلك، فإن مثل هذه الحكايات لا تحيل على ارتباطها بحقائق علمية أو تاريخيّة، بقدر ما تحيل على سياقها الشعبي، الذي تمثّل فيه قيمةً ثقافيّة، ضمن الموروث الشفاهيّ، الذي تتناقله الأجيال زمنًا بعد آخر.
ومن زاويةٍ أنثروبولوجية، ــ تمثّل “حرضة دمت” نموذجًا لرمزية المكان، الذي عادة لا يتم التعاطي معه بطبيعته الجغرافية، وإنما بما ينسجه الخيال الشعبيّ حوله من معانٍ، وأساطير، ومشاعر وحكايات مختلفة؛ إذ ارتقت “حرضة دمت” ــ بكل ذلك ــ إلى أن تكون قيمة جمالية وثقافية مسكونة بالرهبة والغموض.
كيف حوّل الواقع المهارة إلى وسيلةٍ للعيش؟
لم تكن ممارسة التسلّق هواية رئيسة لدى القعقاع، بل كانت مصدرًا للرزق، يعتمد عليه في ظل محدودية فرص العمل، في بلد منهك بالصراعات والنزاعات المتناسلة. لذلك؛ استثمر الشاب مهاراته في تقديم عروض جسدية بالغة الخطورة، مقابل ما يدفعه الزوار إليه من مبالغ زهيدة؛ إذ كان يصل إلى مناطق وحواف صخرية، يصعب الوصول إليها، فيكتب عليها أسماء بعض أولئك الزوار، الذين يطلبون منه ذلك مقابل ما يدفعونه إليه من مال.
وبذلك؛ لم يكن القعقاع متسلِّقًا محترفًا، يعمل في إطار مؤسسة سياحيّة أو رياضيّة؛ بل كان شابًا تمكّن من تحويل خبرته الجسديّة، إلى رأس مالٍ اجتماعيّ واقتصاديّ، وجعل من الخطر نفسه موردًا للعيش. لا سيما وأن الأفراد الذين يعيشون في بيئات تتضاءل فيها فرص العمل النظامية، غالبًا ما يسعون إلى استثمار ما يمتلكونه من قدرات خاصة، كأن تكون قدرات بدنية، أو فنيّة، أو حرفيّة. وفي حال القعقاع، فقد كان يستثمر قدراته الجسدية الاستثنائية، التي كان من خلالها يتمكّن من الحركة في تضاريس شديدة الخطورة.
القعقاع وصناعة الرمز الشعبيّ
الملفت أن القعقاع لم يكن شخصية عامة ذات شهرة ملموسة في الوسط الشعبيّ، لكنه مع استمراريته في أداء عروضه الجسديّة، تمكّن من بناء هذه الشهرة، وعززّها الاحتفاء الشعبيّ المحيط به؛ تداعيًا مع السمة التي تتشاركها المجتمعات التقليدية المعاصرة. تلك المتعلقة بإضفاء هذه المجتمعات ــ على الأفراد المتميزين فيها بمهارات نادرة ــ نوعًا من الهالة، التي سرعان ما تتنامى، فتجعل منهم موضوعًا للحكايات الشعبيّة المتداولة شفاهيًّا، كما تنتقل بهم إلى فضاءات أوسع، لا سيما ما يتصل منها بالمساحات الإعلامية، ومنصات ووسائل التواصل الاجتماعيّ.
ذلك هو ما توافر للقعقاع، حتى لقّب بـ”سبايدرمان اليمن”؛ إذ لم يحظ بهذا اللقب من مؤسسة رسمية، وإنما منحتْه إيّاه المخيلة الشعبيّة الإعلاميّة، التي لمستْ في قدراته على التسلّق ومهاراته الجسديّة المدهشة، ما يجعله في صورة قريبة من الشخصية الخياليّة ذات القدرات والمهارات الاستثنائية.
السقوط المفاجئ
حدث ما لم يكن في حسبان أحد، في لحظة كان يؤدي القعقاع عروضه الجسدية ومغامراته المعتادة، قذفت به إلى أعماق تلك الفوهة البركانية. تلك اللحظة التي حظيت بتوثيق مباشر، في مقطع فيديو، سرعان ما انتشر، فأسهم في نشر الخبر داخل البلد وخارجه.
وبعد الحادثة بدقائق، توافدت جموع الناس إلى المكان، وتوالت المحاولات الحثيثة للوصول إلى الغريق. لكن لم يكن ذلك بالأمر السهل، بسب الطبيعة الوعرة لمكان السقوط، وعمق الفوهة، وتضاريسها المعقدة، وارتفاع درجة الحرارة التي تتسبب فيها المياه الكبريتية والطين البركانيّ. انتهى اليوم، وبدأ المساء، واستمرت الجهود والمحاولات، التي تمكّنت بعد ساعات، من الوصول إلى جسد القعقاع هامدًا لا حياة فيه، على عمق يتجاوز الثلاثين مترًا، في تلك المياه الكبريتية.
الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي: حزن ورؤى مختلفة
حظيت الحادثة بتغطيةٍ، من عددٍ من المنصات الإخبارية اليمنية والعربية. كما حظيت تفاصيلها بمتابعة حثيثة على وسائل التواصل الاجتماعي، التي استمر فيها النقاش والتعبير عن تداعيات المأساة، في الوجدان الشعبي المكلوم بواقعه البائس، وبمثل هذه الأحداث المؤسفة.
غلب على منصّات التواصل الاجتماعيّ تناولها للحدث بحزنٍ بالغ، وردود فعل متعددة. منها ما ناقش الأمر من زاوية إنسانية، ومشاعر إشفاقٍ وتعاطف مع أسرة الراحل وأصدقائه. بما في ذلك استعادة كثيرٍ من مقاطع الفيديو السابقة للحادثة، التي وثّقت كثيرًا من جولات مغامرات القعقاع، متسلّقا الجدران الصخرية لـ”حرضة دمت”.
ومن ردود الأفعال ــ تلك ــ ما ذهب إلى مناقشة الواقع الاقتصادي والاجتماعي البائس، الذي يدفع بخيرة شباب البلد، إلى التعاطي مع المخاطر اليومية؛ بوصفها وسيلة عيشٍ ممكنة. وفي سياق ذلك، ما ظهر من نقاش حول افتقار المواقع الطبيعية الخطرة لوسائل وتجهيزات السلامة والإنقاذ. بما في ذلك ما ذهب من هذه المناقشات، إلى التعاطي الفلسفي مع الحادثة؛ بوصفها ثورة لاواعية في وجه الواقع البائس، اتخذ صاحبها من الالتحام مع الخطر سبيلًا إلى الحياة، التي لا قيمة لها في تقديره؛ بحسب ما ذهبت إليه رؤية الكاتب مصطفى راجح، ضمن منشوره الذي تطرّق فيه إلى هذه الحادثة، ونشره على حائط صفحته على تطبيق “الفايس بوك”.
تلك المناقشات ــ على اختلاف مساراتها ورؤاها ــ أسفرت عن مبادرات مجتمعية، تمثّلت في جمع تبرعات خيرية؛ لبناء منزل لأسرة القعقاع. ذاك الشابّ، الذي نحَتَ مكانه في الذاكرة الشعبيّة، بحكاية شهرته، التي صنعها من تحدّي الهاوية.
- حامد الفقيه، “قصة المدينة البكر ورواية الفلاح أحق بثمرته: دمت السياحية .. سيمفونية الاستجمام وبلسم الطبيعة بطعم الكبريت”. ملحق صحيفة الثورة الثقافي، العدد (18057)، 28 أبريل/ نيسان 2014، ص13. ↩︎


