تيمة الفقر وسردية الخلاص مقاربة نقدية في رواية الصريم

تيمة الفقر وسردية الخلاص مقاربة نقدية في رواية الصريم

أتناول في هذه المقاربة النقدية آلية تسريد الفقر في رواية الصريم، للكاتب أحمد السماري، من زوايا ذاكرة الفقر، وتحولاته في ذوات المسحوقين به.

تيمة الفقر وسردية الخلاص مقاربة نقدية في رواية الصريم

د. عبده منصور المحمودي

يُفضي التأمُّل المتأني ــ في سياقات ومضامين رواية الكاتب السعودي أحمد السماري الصريم(1) ــ إلى كثيرٍ من المحاور النقدية، التي يمكن الاشتغال النقدي عليها. من مثل موضوع هذه المقاربة النقدية: تيمة الفقر وسردية الخلاص في رواية الصريم.

سأتطرق في تناولي النقدي ــ لهذا العمل السردي ــ من هذه الزاوية الموضوعاتية، المتصلة بهذه الإشكالية الاجتماعية (الفقر)؛ إذ سأقف على ذاكرة الفقر والحيز السردي، وسياقات تسريد دوائر الفقر المتداخلة، والتحولات التي أسفرت عنها معايشتُه ومحاولات البحث عن سبل للخلاص منه. وبوجه خاص ما يتعلق من تلك المحاولات، بالإخلاص لقيمة العمل، التي انتقلت بالذات الفقيرة ــ في هذه الرواية ــ إلى مصاف الثراء.

أولًا: ذاكرة الفقر والحيز السردي

استمدت الرواية مادتها السردية، من تجربة الفقر وتداعياته القاسية، في حياة شخصية العمل الرئيسة، وفي حياة المجتمع الذي تعيش فيه هذه الشخصية؛ إذ استوعبت السياقات هذه التجربة، من زاويةِ تسريدها ذاكرةً للمعاناة والألم، وأرضيةً صلبةً لمحاولات النجاة، من هذه المعضلة الاجتماعية.

الفقر والشخصية الروائية

الشخصية المركزية الرئيسة ــ التي عالجت الرواية إشكالية الفقر من خلالها ــ هي شخصية “زيد بن عثمان شابٌّ نجديّ وسيم، قويّ ونحيل، أطول من المتوسط بعودٍ صلب ومتماسك ولا يكسوه أي جرام زائد من اللحم”(2). ذاك الشاب، الذي عُرف بكثير من الصفات الخلقية والقيم النبيلة، من مثل ما اشتُهر به من نقاء السمعة، والتفاني في العمل، والشغف في التعلُّم.

تفاقمت مشكلة الفقر في حياة زيد؛ فلم يجد سبيلًا إلى معالجتها، سوى الهجرة إلى الكويت مرتين؛ فعمل هناك في أشغال البناء، كما عمل في شركة مقاولاتٍ تابعة لشركة البترول، التي كانت تعمل في منطقة الأحمدي جنوب العاصمة الكويت.

سافر زيد، بعد أن تضاعفت ديونه، التي كانت سببًا مباشرًا في سفره في المرة الأولى. أما سفره في المرة الثانية، فقد كان السبب المباشر فيه، هو ابتلاء قريته ــ والقرى المجاورة لها ــ بسقوط أمطار غزيرة، لم تكن مألوفة، تدّفقت سيولها الجارفة، مُدمّرةً الحقول، هادمةً المنازل؛ فكان بيت زيد واحدًا من هذه المنازل المنكوبة؛ إذ “تداعى وانهار فأصبح كالصريم”(3).

لقد آل منزل زيد ــ بفعل هذه الكارثة الطبيعية ــ إلى هذا المصير المأساوي، الذي أشار إليه الاشتغال السرديّ بحال (الصريم). تلك الحال، التي تشكّلت بها العتبة الخارجية الأولى لهذا العمل، الذي عُنْوِن بها. كما اقترنت بها إحدى عتباته الداخلية، التي تجلت من خلالها عنوانًا لواحدٍ من فصوله: “زيد والصريم”(4).

وفي سياق تسريد هذه الحال الكارثية، وردت على لسان زيد إشاراتٌ إلى مصير مزرعته وبيته وحياته بعد أن حلّت به. منها قوله: “بعد أن بقينا في الخيام المؤقتة لمدة شهرين، ذهبتُ إلى مزرعتنا فوجدتُها كالصريم، كلُّ شيءٍ انهار وتدمر بالكامل… وجدتُ البيت متهدِّمًا، كأنه أثر بعد عين، والبئر تهدمت جدرانها وتكسرت السواني…”(5). كل ذلك، دفعه إلى السفر ثانيةً إلى الكويت، بعد أن تعثرت حياته، وضاقت به أحواله.

وصل إلى الكويت، التي سبق أن وجد فيها ملاذًا لحال البؤس التي انسحق بها. وهي الحال نفسها، التي عادت به إلى المكان نفسه. مرّت الشهور، واستمر تعافي حالِ فقر زيد، حتى تمكّن من جمع ما يكفي من المال للعودة إلى بلده، وإعادة بناء ما عصفت به كارثة السيول.

في أيام استعداد زيد لمغادرة الكويت، تعرّف إلى رحّالة إنجليزي، يُدعى (وليم). كان مثله يستعد للسفر، إلى الوجهة نفسها (نجد). عبّر كلٌّ منهما للآخر عن سعادته في التعرّف إليه، واتفقا على الصحبة في هذا السفر الذي سيجمعهما. لا سيما بعد أن وضّح الرجل لزيد غرضه من السفر إلى نجد، بالقول: “أنا مُكلّفٌ من قبل الجمعية الجغرافية الملكية في لندن لأقوم بدراسة علمية عن منطقة نجد وتضاريسها ومناخها، ونظام حكامها وطريقة عيش سكانها”(6).

وعلى احتدام اللهفة في كيان زيد؛ شوقًا إلى معانقة أهله ودياره، إلّا أن خصوصية المهمة التي يضطلع بها رفيقه الرحّالة البريطاني، اقتضت أن يبقى معه، في جولاته وزياراته إلى أكثر من مكان، لا سيما زيارته التي قام بها إلى صحراء الربع الخالي.

في واحدة من تلك الزيارات، كان زيد على موعدٍ مع أسعد حظّ في حياته؛ إذ انفتح له بابُ خيرٍ واسع، تمثّل في معرفته بأحد رؤوس المال، واتِّفاقه معه على تأسيس شركةٍ مشتركةٍ بينهما في الرياض. ذلك، هو ما بدأ العمل عليه فورَ وصوله إلى الرياض؛ إذ اشترك في تأسيس تلك الشركة، التي تنامت سنة بعد أخرى، فتضاعفت أرباحه منها، واتّسع رزقه، وانتقلت بحياته من أحوال البؤس والمعاناة، إلى عالم الثراء، والسعة، الذي لم يكن يخطر له على بال.

الحيّز السرديّ المكانيّ

أحوال الشخصية الرئيسة زيد ــ والأحداث المتصلة بها ــ كانت فاعلةً، في إضفاء التنوع على الحيّز السرديّ المكاني، الذي جمع بين مناطق وأمكنةٍ في بلده المملكة العربية السعودية، وأخرى في بلد عمله الكويت. ومن أهم مناطق بلد زيد، التي تضمّنتْها السياقات السردية: الإحساء، وعاصمتها “الهفوف”(7)، وأحد جبالها شدقم(8)، وإحدى مناطقها تنوخ(9). بما في ذلك، الإشارة إلى بعضٍ من خصائص منطقة الإحساء، الأثرية والجغرافية(10). ومن تلك المناطق المنتمية ــ أيضًا ــ إلى جغرافيا بلد زيد: النعيرية(11)، وحفر الباطن، والرياض. وغيرها من الأمكنة السعودية، التي اتصلت بعددٍ من المضامين، والأحداث ذات العلاقة المباشرة، بهذه الشخصية الروائية.

أمّا الكويت (بلد عمل هذه الشخصية الرئيسة)، فمن أهم المناطق التي احتفت بها السياقات السردية: الكويت العاصمة، ومنفذ السالمي، ومنطقة الدبدبة. مع تخصيص منطقة الأحمدي جنوب الكويت العاصمة(12)، بنوعٍ من الاحتفاء الخاص بمكانتها الاقتصادية والتجارية؛ إذ أصبحت “بفضل اكتشاف البترول خلية نحلٍ تضم آلاف العمال والمهندسين من جنسيات مختلطة، من العرب والآسيويين والغربيين وخصوصًا البريطانيين وغيرهم”(13). ليتسع هذا الاحتفاء بهذه المنطقة، إلى فضاءٍ أشمل، من الشعور العام بفضل هذا البلد، على مَنْ يأتي إليه، باحثًا عن الخلاص؛ إذ “أضحت الكويت وقتئذٍ مقصدًا ومهجرًا لكل من ضاقت بهم الحال واختنقت بهم ديارهم وعضّهم الفقر وقلة الحيلة، إنهم الأجانب الغرباء الهاربون من أقدارهم إلى غربة اختاروها”(14).

ويشير السياق السرديّ، إلى أن هذا البلد ــ الذي استقبل هؤلاء القادمين إليه ــ قد أكرمهم بقيم المعاملة الراقية، وشملهم بمعالجاتٍ مختلفة لأحوالهم البائسة، وخفّف من عذابات اغترابهم؛ فهو “بلد الأمن وواحة الاستقرار، زهرة متفتحة في بحر الرمال، رائدة الثقافة والتعليم في الخليج، الرفاه والتحديث والخدمات والفنون وجودة الحياة”(15).

الحيز السرديّ الزمني

تمحور الحيّز الزمني السردي ــ بشكل رئيس ــ في خمسينيات وستينيات القرن العشرين. ذلك هو ما أحالت عليه عددٌ من الإشارات التاريخية، التي وردت في مواضع مختلفة من هذا العمل. منها تاريخ عودة زيد، من سفره الأول إلى الكويت عام 1952م(16). وتاريخ سفره الثاني، إلى البلد نفسه عام 1957م(17). وتاريخ افتتاح مدرسة اليمامة الثانوية عام 1956 ــ في بلد زيد ــ ثم تدشين التدريس فيها عام 1957م(18). والإشارة إلى اعتدال الجو الخريفيّ، في السابع من أكتوبر عام 1960م(19).

اقرأ أيضًا: تجار العقيلات والتقنيات السردية في رواية فيلق الإبل

من ناحيةٍ أخرى، أُثْرِيَ الحيّز الزمنيّ، بإشاراتٍ تاريخيةٍ، إلى أزمنةٍ أسبق من الحيّز السردي الزمني الرئيس في هذه الرواية. تلك الأزمنة، التي استدعاها استحضارُ بعض القصص والحكايات والأحداث القديمة. من مثل تضمين الفضاء السردي إحدى الحكايات، التي رواها وليم لزيد، مُشيرًا إلى أنها تعود إلى عام 1109م(20). ومثلها الإشارة إلى ميلاد المستشرق فيلبي عام 1885م(21). والأمر نفسه، في حديث وليم لزيد، عن مضامين وأحداث، تعود إلى القرن الثامن عشر في أوروبا(22).

ثانيًا: سردية الفقر والتحوّلات

من أهم الروافع الثقافية والفكرية ــ التي تشكّلت بها الرؤية السردية في هذا العمل ــ تلك التي استندت فيها إلى مغزىً قيميٍّ، انطلق من واقع الثراء المعاصر، ثم اتّجه إلى الماضي، سابرًا تلك الفترة الزمنية، التي سبقت ظهور الطفرة النفطية في البلدان الخليجية. تلك الفترة، التي عاشها الآباء والأجداد، بتفاصيل بؤسها، وأنساق المعاناة فيها، فكان من حقّهم الإشارة إليهم، والاعتداد بمآثرهم. ذلك هو ما صدّر به الكاتب عمله السردي ــ هذا ــ مُهديًا إيّاه إليهم: “إلى أرواح الآباء والأجداد الطاهرة إلى الأسلاف الذين عاشوا تلك الفترة العصيبة من الكوارث والعَوز من تاريخ نجد والجزيرة العربية”(23).

ومن خلال مضمون هذا الإهداء ــ وكذلك من خلال مُجمل التسريد الذي استهدف استيعابَ حالِ واحدٍ من هؤلاء ــ اتّصل الحاضر بالماضي، وارتبط واقعُ الثراء المعاصر بماضي الفقر البائد. وهو ما يحيل على نوعٍ من تكامل الشخصية، بالنقيضين الفاعلين في صياغتها. شخصية زيد، بفضائها الرمزي المُتصل بكلتا الشخصيتين: شخصية إنسان العصر الحديث (الحفيد)، وشخصية إنسان الزمن القديم (الجد)، الذي تضطلع السياقات السردية ــ هنا ــ بالاشتغال على فاعلية هذه المعضلة في حياته؛ تخليدًا لتجربته، واستضاءةً بها، في إثراء حياة أحفاده، وتخصيبها بالعزيمة والسعي إلى مزيدٍ من العطاء، ومزيدٍ من الإنجاز المُسهم بدورٍ فاعلٍ، في الارتقاء بالحياة. سواء في سياقها المكاني الخاص بمجتمع الشخصيات الروائية، أو في سياقها الكوني، المتصل بالحياة الإنسانية على وجه العموم.

تسريد دوائر الفقر

يتميز تسريد هذه المشكلة الإنسانية ــ في هذا العمل ــ باشتغاله على دوائرها المتداخلة؛ بدءًا من أوسع دائرة فيها، وصولًا إلى أضيق دائرة منها. تلك الدائرة، المتعلقة بحياة شخصية العمل الرئيسة.

تسريد دائرة الفقر العامة

يتناول العمل الدائرة العامة لإشكالية الفقر، في سياقها المتصل بما اجتاح نجد والجزيرة العربية، من كارثة عَوز، أسفرت عن تسميةِ عددٍ من السنوات ــ التي توزعت عليها ــ بأسماء مُتّسقة دلاليًّا مع تنوّع أشكالها المأساوية. من مثل “سنة الرحمة”، التي أحالت على كثرة مَنْ انتزعت تلك الكارثة حياتهم، عام 1918م(24). ومثلها كلٌّ من(25): “سنة الجوع”، عام 1909، و”سنة سأحوت”، التي استشرى فيها مرض الالتهاب الرئوي عام 1908، و”سنة الجدري” عام 1939، و”سنة الدبا/ الجراد” عام 1907م.

وفي هذه الدائرة، يتجلّى تسريدُ صورٍ من مجتمع الشخصية الرئيسة (زيد)، على لسان الشخصية نفسها؛ إذ يشير زيد إلى قريته، فيقول: “قريبًا من وادي وثيلان وسط نجد حيث توجد قريتي، بحد ذاتها كئيبة ونمط الحياة فيها بسيط وبدائي، تتعاقب عليها السنوات السمان والعجاف، بعضها من المهلكات تجدب فيها الأرض وتهلك فيها الزروع والحيوانات والأنفس، وتصبح البيوت خاوية من سكّانها مع انتشار الأوبئة بقدوم أيّ فيروسٍ يأتي مع غريب مقبل أو حيوانٍ ناقل”(26). كما يضيف إلى ذلك، قوله: إن “الفقر مستفحلٌ في كل منحى من مناحي قريتي، نتعلم منذ الولادة التدبير والاقتصاد في كل شيء، كل ما يُكَلّفُ مالًا حتى لو كان قليلًا فهو غالٍ، لا شيء رخيص غير آلام الناس”(27).

تسريد دائرة  الفقر الخاصة

امتدادًا إلى السياق العام من مشكلة الفقر، يمضي الاشتغال السردي عليها، من سياقها الاجتماعي المتصل بقرية (زيد)، إلى سياقها المتعلّق بأسرة هذا الشاب الفقير، وما عانتْه من بؤس وحاجة وحرمان، بعد رحيل أبيه، وتولي عمّه رعايتهم.

ومن السياقات التي تحدّث فيها زيد، عن بعضٍ من المظاهر المتعلقة بحالهم المأساوية ــ تلك ــ إشارته إلى أنهم كانوا يحرصون على إخفاء حالهم عن الآخرين؛ إذ يقول: “نحن لا نرتدي الثياب لأنفسنا، ولا ننتعل الأحذية لذواتنا، إنما من أجل الناس، وغايتنا صونُ شرفنا والحفاظ على سمعتنا”(28).

لم يقف الاشتغال السرديّ على معضلة الفقر، عند استيعابه لتداعياتها في حياة أسرة زيد، بل ذهب إلى التعاطي مع بعضٍ من أشكالها في حياة زيد نفسه؛ بصفته الشخصية المركزية، التي يهدف هذا العمل إلى تسريد حال بؤسها.

من ذلك، ما تضمّنه سياقُ تسريد موقفٍ من مواقف حياة زيد اليومية؛ إذ يقول عن ذاك الموقف: “اغتسلتُ في حوض البئر، ونشرت سروالي على كُربة إحدى النخيل، لعدم توفر البديل من جهة، وكراية استسلامٍ للفقر ولتلكَ الظّروف القاهرة من جهة أخرى”(29).

اكتنز تسريد هذا الموقف واقعيةً ومكاشفةً ذات ظلالٍ من الكوميديا السوداء؛ فعدم توافر البديل، هو الفاعل في التعاطي مع هذا التفصيل، والانتقال به إلى عالمٍ من الرمزية إلى الأفكار والتوجهات. ذلك، هو ما تجلّى من خلال إسقاط هذا الموقف، على مواقف مماثلة له في رفْعِ الرايات. تلك الرايات، التي تختلف المعاني التي تحيل عليها، باختلاف هيئتها والعبارات والرموز التي كُتبت عليها. فكم هو جميلٌ هذا التشبيه، لهذه القطعة من الثياب، بتلك الرايات، التي يحيل رفعها على المعاني المتصلة بها. أمّا راية زيد، فقد اتصلت بمعاني الفقر، التي يحترق في أتونها كل يوم.

فلسفة الفقر

حينما يُحكم الفقرُ قبضته على حياة الناس، فإنه عادةً ما يتحوّل إلى نسقٍ من المُحدّدات، التي تفلسف سطوته عليهم، وترسّخ سياقات جبروته في حياتهم. تلك المحدّدات، التي تتمادى في تكريس تفاصيل قسوة الفقر، في ذات كل فردٍ مُنكسِرٍ بوطأة الحاجة وعذاب الحرمان.

ولعلّ من أبرز تجليّات فلسفة الفقر، ما يحيل على تداعياته في ذوات أصحابه ذُلًّا وقهرًا. من مثل هذه السردية التفكيكية لتسمية الفقر، ولصيغة الوصف به؛ إذ تشير إلى أن “الفقير كأنه مكسورُ فقارِ الظهر من ذلّته، ليس الفقر هو الجوع إلى المأكل أو العري من الكسوة فقط، الفقر هو القهر، هو استخدام الفقر لإذلال النفس”(30).

وكذلك هو الأمر، في الإشارة إلى أنّ “ذلّ الدَّين وأهله، هَمٌّ في الليل وانكسارٌ في النهار”(31). بل الأقسى من ذلك كله أنّ الفقر يهيمن على تفكير الفقير، ويستحوذ على اهتماماته وأنشطته. تلك الاهتمامات والأنشطة، التي لا تتجاوز رغبته في توفير أبسط ما يمكن توفيره من مقومات حياته.

لذلك؛ تتراجع أولوياتُ كثيرٍ من حاجات الفقير، منها حاجته إلى التعليم والقراءة والتثقيف، التي يقذف بها الفقر، إلى دائرة الإهمال، ويضعها ضمن آخر ما يمكن أن تفكر فيه الذات، المنهكة بالبحث عن توفير حاجات البقاء؛ إذ إن “الفقر، وضعف الحال، ومشقة المسافة، تجعل الكتاب في آخر اهتماماتها”(32). وبذلك، يمضي الفقر في تجيير تفاصيل الحياة لماهيته التي تلتهم كل طاقة، وتقضي على كل حاجةٍ، وتصادر كل هدفٍ فكري أو معرفي. تلك الماهية نفسها، التي تسرف في إذلال كل نفسٍ منكوبةٍ بضيق حالها.

دينامو التحوّل: المال والعمل

من بين ركام البؤس التي يتسبب فيها الفقر، تفتح الرؤية السردية أبواب الحلول، التي لا تكاد تتجاوز قيمة العمل النبيلة، وحصيلة المال التي تأتي ثمرةً لاتخاذ هذه القيمة مسارَ نجاة وخلاص. ذلك هو فحوى خطاب هذه الإشارة السردية، الموجّهة إلى كل من يرغب في تجاوز مشكلة الفقر: “لكي تكسب المال وتعالج بعضًا مما أنت فيه، كان لا بد أن تؤخذ الحياة كشيء جدّي أكثر مما يتصورُ الناس في ديارهم، وعلى من يريد أن يحيا أن يمتلك الشجاعة، ويغامر كثيرًا”(33).

فإن كان المال ــ بلا شك ــ هو مفتاح النجاة من الفقر، فإن العمل هو الطريق الذي يمكن الوصول من خلاله إلى هذا المفتاح. وكلاهما (المال/ والعمل)، لا بد من أن تتوافر عوامل فاعلة في الوصول إليهما. تلك العوامل، التي ربطها السياق السرديّ، بعددٍ من السمات، التي لا بدّ أن تتوافر في الشخصية الباحثة عن حلّ لمعضلة فقرها. من أهم تلك الصفات: الجدية، والشجاعة، والمغامرة.

اقرأ أيضًا: تسريد إشكالية المال والمصير في رواية رحلة مليون شلن خمسين دولارًا

وفي ضوء هذه السمات الجوهرية ــ الفاعلة في إحداث التحوّل في حياة الفقير ــ يظهر الاغتراب المكانيّ ملاذًا للفقراء. ذاك الاغتراب، الذي يفضي إليه ارتحالُهم، إلى حيث تتوافر إمكانياتُ الحصول على عملٍ، ومن ثم على مالٍ.

تلك العوامل، والسمات، هي ما استوفت الشخصية الرئيسة ــ في هذا العمل ــ سياقات الظفر به؛ إذ انفتح باب الغربة لزيد، فعبر منه إلى الكويت؛ باحثًا عن حلول لمأساة فقره(34)، ومثله كثيرٌ من الركاب، الذين جمعته بهم سيارة السفر؛ إذ أخبره كثيرٌ منهم أن السبب في مغادرة الأوطان هو الفقر لا سواه(35). ذاك السبب المباشر نفسه، هو الذي جعله رفيقًا لهم، مهاجرًا معهم، إلى المكان الذي سيبحثون فيه، عن خلاصٍ من أحوالهم البائسة.

عوالم الاغتراب

استكملت السياقات السردية بناء فضاء موضوعها، بتفاصيله، التي تفضي بالفقراء إلى عوالم الاغتراب. ثم تمضي هذه السياقات معهم، مستوعبةً ما تحتاج إلى استيعابه من عوالمهم الجديدة؛ إذ تقدّم عالم اغتراب زيد، بصيغته الجديدة، التي لم يعهدها. ذاك العالم الذي ينتظره بحياة لم يألفها، بعلاقات اجتماعية مختلفة، بمساحةٍ من مشاعر الوحدة والقطيعة، مع ما كان متناغمًا معه، من سياقات حياته العائلية الدافئة، أو ما كان مستأنسًا به من مواقف قراباته، وصداقاته، ومعارفه، التي اعتاد عليها.

اقرأ أيضًا: تيمة الهجرة في رواية عمار باطويل “طريق مولى مطر”

   في عالم زيد الجديد، لا مناص له من التماهي مع خصوصية هذا العالم، الذي تشارك فيه مشاعر الغربة، مع من يشبهونه في الهدف والغاية، ويختلفون عنه في انتمائهم إلى ثقافات وبلدان، بل ومناطق مختلفة عن مسقط رأسه الذي قَدِمَ منه.

وفي هذا السياق، تتجلّى حيوية الطاقة الإيجابية، التي يحرص الاشتغال السردي على المحافظة عليها؛ إذ يستخلص من مشاعر الاغتراب ــ المحتدمة في ذوات المهاجرين مختلفي الثقافات والجنسيات ــ قيمةً إنسانية، تجمع بينهم، وتعزّز من أواصر العلاقة التي يتماهون فيها. تلك القيمة، التي أوجز زيد الحديث عنها، قائلًا: “رأيتُ في معاشرة الغريب للغريب شيئًا من الرحمة يتنفس به الحزن على الحزن”(36).

غربة الانعتاق من الفقر

يرتقي السياق السردي بالغربة ــ التي يسعى فيها أصحابها إلى خلاصهم من بؤس أحوالهم المادية ــ من مسارها الشجيّ، إلى فاعليتها في صياغة المصير المأمول. ذلك المصير، المتعلق بالنجاح في التحرر من الفقر، وإحداث التغيير الإيجابي في حياة كلّ من يغامر، فيعود بما يكفي من المال؛ لإضفاء السعادة على حياته وحياة أسرته. تلك الأسرة، التي تحتسي مرارة غياب عائلها سنوات متطاولة، حتى تنفرج أساريرها، بعودته إليها، وفي حوزته ما يمكّنُه من محو سنوات بؤسها وحرمانها؛ إذ يشير زيد إلى هذا المصير البهي، الذي احتفى به بعد عودته من غربته، فيقول: “ابتسمت الدنيا في وجه أم زيد وأبنائها، فجبر المال كسري، وجلا همي، وقضى ديني، وطيّب خاطري، وودعْنا فقرَنا وطردْنا عَوَزَنا وفارقْنا هجر الأقارب وقلة احترامهم لنا… كثر أصدقائي وزاد عدد ضيوفي، بعد أن كان مجلسي شبه مهجور قبل سفري”(37).

أبعاد الرؤية السردية

لقد تمكّن هذا العمل من التعاطي مع معضلة الفقر من زاويتها الاجتماعية، المتصلة بنسقٍ تاريخيٍّ، ذي قطبين: بدايةٌ قديمة موسومة بالفقر والعوز، وحاضرٌ معاصرٌ مأهولٌ بتفاصيل الرخاء. ومن خلال الاشتغال السردي على سياقات هذين القطبين، تمكّنت الرواية من الربط بين رخاء الحاضر وشدة الماضي. كما تمكّنت من إنصاف مَن اعتركوا مع حياة الماضي الفقير، فأضاءت بهذا الإنصاف ذكراهم. تلك الذكرى الاستثنائية، التي تكتنز مقوماتٍ فاعلةٍ في تحفيزِ أبناء الحاضر، على الإخلاص لما يعمل على استمرار أحوالهم الميسورة.

اقرأ أيضًا: مريم الزرعوني وثروة التراب الأحمر في رواية سنوات المغر

هذا التحفيز ــ الكامن في ذكرى الأجداد الزاهية ــ لم يستند إلى خصوصية الحال المعاصرة، بقدر ما استند إلى دينامو التحول من الفقر إلى الثراء. ذاك الدينامو، الذي يتكامل في قيمة العمل، وما تفضي إليه من مالٍ نظير الإخلاص لها؛ إذ ربطت الرؤية السردية بين الحياة الجديدة ــ التي نالها زيد ــ وإخلاصه لقيمة العمل، الذي انشغل به في سياق الطفرة النفطية، لا في سياق الاكتفاء بها، أو التواكل عليها. وبذلك، كانت الرؤية السردية أكثر حرصًا، على ربط آفاق معالجة الفقر، بدينامو استدامتها، المتمثّل في قيمة العمل. تلك القيمة الجوهرية، الفاعلة في استدامة القضاء على الفقر، من خلال استدامة الرخاء والخير في كل زمان ومكان، على اختلاف الأحوال، وتناوب الظروف والتحوّلات، في شتى مجالات الحياة.


  1. أحمد بن عبد العزيز السماري، “الصريم”. دار أثر للنشر والتوزيع، الدمام، 2021م. ↩︎
  2. نفسه، ص10. ↩︎
  3. نفسه، ص20. ↩︎
  4. نفسه، ص80. ↩︎
  5. نفسه، ص120. ↩︎
  6. نفسه، ص38. ↩︎
  7. نفسه، ص29. ↩︎
  8. نفسه، ص56. ↩︎
  9. نفسه، ص38. ↩︎
  10. نفسه، ص35. ↩︎
  11. نفسه، ص56،49. ↩︎
  12. نفسه، ص8. ↩︎
  13. نفسه. ↩︎
  14. نفسه. ↩︎
  15. نفسه، ص33. ↩︎
  16. نفسه، ص102. ↩︎
  17. نفسه، ص123. ↩︎
  18. نفسه، ص117. ↩︎
  19. نفسه، ص33. ↩︎
  20. نفسه، ص26. ↩︎
  21. نفسه، ص129. ↩︎
  22. نفسه، ص41. ↩︎
  23. نفسه، ص4. ↩︎
  24. نفسه، ص108. ↩︎
  25. نفسه، ص109. ↩︎
  26. نفسه، ص81. ↩︎
  27. نفسه، ص19. ↩︎
  28. نفسه، ص86. ↩︎
  29. نفسه، ص95. ↩︎
  30. نفسه، ص87. ↩︎
  31. نفسه، ص93. ↩︎
  32. نفسه، ص24. ↩︎
  33. نفسه، ص9. ↩︎
  34. نفسه، ص10،9. ↩︎
  35. نفسه، ص100. ↩︎
  36. نفسه. ↩︎
  37. نفسه، ص104. ↩︎

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top