المقالح وشعرية الرمزالطبيعي حيوية الطبيعة في التجربة الشعرية

المقالح وشعرية الرمز الطبيعي حيوية الطبيعة في التجربة الشعرية

استأنس الشاعر عبد العزيز المقالح بالرمز الطبيعي، في عدد من مضامين تجربته الشعرية. من خلال رمزيّة: الإنسان، الحيوان، النبات المكان، الزمن.

المقالح وشعرية الرمز الطبيعي حيوية الطبيعة في التجربة الشعرية

د. عبده منصور المحمودي

من عناصر الطبيعة وتنوعّها وثرائها، استلهم الرمز الشعري ما يتسق منها، مع مضامين التجربة الشعرية، التي يرد الرمز الطبيعي في سياقاتها. وهو الاستلهام الذي حظي بمساحة من اشتغالات الرمزية في النص الشعري اليمني الحديث. تلك الاشتغالات التي قامت بعضٌ من مساراتها، على استلهام الرمز الطبيعي في الشعر اليمني المعاصر، الذي كان واحدًا من الأبعاد الفنية، التي تشكّلت بها التجربة الشعرية اليمنية المعاصرة. ومن مسارات هذه التجربة، ما يتعلق منها بتجربة المقالح وشعرية الرمز الطبيعي، التي قامت بعضٌ من سياقاتها على الرمزية الطبيعية، كاستثماره لرمزية الإنسان، والحيوان، والنبات، والمكان، والزمن.

رمزية الإنسان في شعر المقالح

وظّف الشاعر عبد العزيز المقالح ــ في تجربته الشعريّة ــ الإنسانَ رمزًا إلى مضامين شعرية متعددة. من ذلك استثماره الفني لإيحاءات المرأة، في قوله:

“مذبوحةً على طريقِكم

مقطوعةَ اليدينِ

مفقوءةَ العينينْ

لا لَبَنًا أبقَتْ لها سُنُونُكم ..

لا ماءْ

فما الذي تفتِّشُونَ عنهُ

تمتَّصُّون في الثديينْ؟

حتى الدِّماءَ ترضعونْ

حتى الدُّموعَ تشربونْ ..

لا شبعَتْ بطونُكم ولا الأمعاءْ

ولا ارتوَتْ عيونُكم يا أنذلَ الأبناءْ”(1).

تكمن جماليات إيحاءات المرأة ــ هنا ــ في طاقتها الرمزية إلى (الوطن/ اليمن). وتُعد المرأة من الأبعاد الرمزية المهمة، التي استندت إليها الرمزية في القصيدة العربية المعاصرة؛ ففي “مرحلة الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين اتخذ الشعراء المعاصرون المرأة رمزًا للوطن وللأمة العربية في أزمتها التاريخية… لذلك بدت المرأة في هذا الطرح الشعري كيانًا إنسانيّا مستباحًا، منتهكًا، مستلبًا، يصور انتهاك هذه الأمة”(2). وارتبطت هذه الرؤية في المرأة بظاهرة الحزن التي تُميز معظم نتاج الشعر العربي المعاصر، إن لم تكن تميز نتاج العالم أجمع في الفكر والأدب(3).

وبهذه المعاني والمضامين المسكونة بمرارة الحزن والحسرة، اتسمت رمزية المرأة إلى (الوطن/ اليمن) في هذه السطور الشعرية؛ إذ أنهكها أبناؤها، واستنفدوا خيراتها، وبلغ بهم الأمر إلى استهلاكهم أبسط مقومات حياتها، فآلت إلى هذه الحال المجسِّدة لانتفاء قدرتها على الاستمرارية في منحهم ما استنفدوه؛ فهي مذبوحة، مقطوعة اليدين والنهدين ـــ رموز البذل والعطاء ـــ وما هذه الحال التي آلت إليها، إلا صورة للتناقض بينها وبنيها في قيم العطاء. بين إيجابية بذلها اللامحدود الذي تغمرهم به، وسلبيتهم في اتكائهم على خيراتها، وعدم تكليف أنفسهم امتلاك ما تستلزمه فيهم طبيعة الدورة الحياتية من قيم البذل والعطاء، تجاه أمهم، التي هرم الزمان فيها وشب فيهم.

اقرأ أيضًا: عبد العزيز المقالح وشعرية الرمز التاريخي الحاضر في سياق الماضي

لقد أُفرغت رمزية المرأة من جوهرها الدال على الخصوبة والعطاء، بإحالتها على الوطن المفروغ من خيراته بفعل سلبية أبنائه. وفي ذلك مواجهة لِوَهم الركون السلبي، إلى جوهر الخير الملازم للوطن بعد أن أُفرغ منه؛ بغية الحد من تلك السلبية، والدأب على خلق العوامل المجسدة لإيجابية الإنسان تجاه وطنه. تلك الإيجابيّة، التي بها يستعيد الوطن معنى الخير والخصوبة فيه، فتكون المرأة ــ بطبيعة تاريخها الرمزي ــ هي التخلُّق الفني الموحي إليه إيجابًا لا سلبًا.

رمزية الحيوان في شعر المقالح

من نماذج التوظيف الرمزي للحيوان، في تجربة الشاعر عبد العزيز المقالح، قوله:

“وجدتُ نفسي طافيًا على الرِّمالِ

لا مؤنسَ لا دليلْ

سوى أنينيَ الطويلْ،

وكانتِ الذئابُ ترتدي وجوهَ أصحابي

وتبتليني بالبكاءِ

فوقَ الجُثَثِ الملقاةِ كالسَّرابْ”(4).

استدعى الشاعر “صورة الذئب بوصفها علامة رمزية دالة على توحش الإنسان المعاصر الذي ما انفك ينهش لحم أخيه”(5)؛ إذ اتخذ من وحشية الذئب مضمونًا إيحائيًّا، بما يتصف به بعض الأصدقاء من خيانةٍ لقيم الصداقة، يخادعون، ويراوغون، ويجعلون من الصداقة قناعًا، يمكِّنهم من إخفاء حقيقة وحشيتهم الحيوانية، وخواء ذواتهم من القيم الإنسانية. لكن تلك الوحشية، سرعان ما يسقط عنها قناع الصداقة، فيبدو مَنْ خلف الأقنعة على حقيقته، في انتهازيته لما يلم بصديقه من أحوال ضعفٍ، قد يكون بعضها انعكاسًا لما يلحق بالوطن من مصائب وأزمات، كمصيبة الصراع بين أبنائه. تلك المصيبة، التي تخلّقت بفاعليتها هذه الرمزية المحيلة بالذئب، على ذاك الصنف من الأصدقاء.

رمزية النبات في شعر المقالح

الطبيعة النباتية زاخرة بإمكاناتٍ وجودية، قادرة على استيعاب التعبير عن كثيرٍ مما أراد الشعراء اليمنيون المعاصرون الإيحاء به، والإحالة عليه. لذلك؛ استقوا منها عددًا من الرموز، التي منها ما قام على توظيف بعضٍ من النباتات، المتسمة بخصوصية الطبيعة المحلية. من مثل توظيفهم، لشجرة البنّ رمزًا شعريًّا، من خلال تعاطيهم مع ما لحق بها، من تدهورٍ؛ بفعل عوامل مختلفة. من ذلك، قول الشاعر عبد العزيز المقالح:

“أشجارُ (البُنِّ) تسيلُ دمًا

أشجارُ (دَم الأَخَوَين) تسيلُ دموعًا

يتخضَّبُ وجهُ الشمسِ سوادًا،

أشلاءُ نجومٍ خابيةٍ في الدَّرْبِ المهجورْ،

وبقايا أقمارٍ نفقَتْ في ساحاتِ الدَّهْشَةْ”(6).

لقد حضرت أشجار البن ــ هنا ــ رمزًا إلى اليمنيين، ومأساة الصراع فيما بينهم؛ إذ تضمن الرمز بُعدًا جديدًا، يتجاوز دلالته التاريخية على الحضارة والازدهار الاقتصادي إلى معنى أشمل. يتجسّد هذا المعنى الأشمل، في إيحاء الرمز بالإنسان، الذي ينتمي إلى هذا التاريخ، كما ينتمي إليه إهمال تاريخه وخسارته مقومات النهوض فيه؛ إذ تساوقت معطيات الحزن والحسرة، المتوالية من هذه التداعيات المتشابكة، مع لحظة التجسيد لألم الصراع بين الأخوة، في الإبداع الشعري، الذي أوحى إلى غايته تلك، من خلال رمزية النبات (أشجار البن)، بكل ما تختزنه من ثراء دلالي وتاريخي.

كما يبدو في ذلك ــ أيضًا ــ تنامي رمزية النبات، في اقتران (أشجار البن)  بـ(أشجار دم الأخوين). تلك الأشجار، التي يروى أنها نبتت في مكانٍ، التقى فيه اثنان من الإخوة، فقضى كل منهما على حياة أخيه. وهناك سالت دماؤهما، وامتزجت، فنبتت هذه الشجرة، التي من خصائصها أنها إذا خُدش لحاؤها يخرج منه سائلٌ أحمر، يشبه الدم. وهو السائل، الذي وَسمت المرويات به هذه الشجرة، وأحالت به على دماء الأخوين اللذين انتهى كلٌ منهما على يد الآخر(7).

وفي رمزية أشجار دم الأخوين تحويرٌ لمضمونها الرمزي، نحو إيحاء مغاير لإيحائها المتداول؛ إذ تجاوزت إيحاءها بدماء الأخوين الذين قضى كل منهما على حياة أخيه، من خلال عودتها إلى جوهرها الطبيعي (النبات)، ثم رمزيتها ــ بوصفها نباتًا ــ إلى الإنسان اليمني، غير المنساق وراء الجهل والصراع بين (الإخوة/ اليمنيين). ذلك الإنسان، الذي يمكن التماسه في ذوات الشعراء والمبدعين والمثقفين.

كما يتجلى التبادل في المضامين الإيحائية بين النباتين (البن/ دم الأخوين)، من خلال أخْذِ كُلٍّ منهما مضمون الآخر التاريخي؛ إيحاءً بشكلين متناقضين من المضامين اليمنية المعاصرة: أشجار البن موحية بمضامين صراع، وأشجار دم الأخوين موحية بمضامين سلمٍ وحزنٍ وألم.

رمزية الجدار في شعر المقالح

في نسقية الإيحاء الرمزي ــ لعناصر المكان بعذاب الاغتراب وأشجانه ــ ينتظم اتخاذ المقالح من الجدار رمزًا إلى الغربة. من مثل رمزية الجدار، التي مثّلت صياغتها بؤرةً دلاليةً كثيفة الإيحاء عنوانًا لقصيدة “البكاء فوق جدار الغربة”، التي منها قوله(8):

يا طائرَ الأحزانِ دعْ كبدي ** وانْهَشْ جدارَ شجونيَ الخشنا

الجدار في طبيعته ذو دلالة جوهرية على الفصل وسد المسار. والغربة متحوصلة في مأساة الفصل بين الغريب ووطنه وأهله. لذلك؛ كان الجدارــ  بجوهرية دلالته تلك ــ رمزًا للغربة؛ فمنذ عنوان القصيدة، تجلت خصوبة الشاعرية وجمالياتها، في إثراء الجدار بإيحاءاتٍ، إلى مضامين الغربة وأشجانها. تلك الأشجان، التي كان البكاء من أبرز تجليات حيويتها في خضم هذا الثراء. كما كان مكان حضور البكاء المتمثل في اعتلائه الجدار ـــ وهو اعتلاءٌ مبني على ماضوية زمنية لفاعلية التسلق الناجحة ـــ مجسدًا الإيحاءَ بنضال الذات الحثيث، ومحاولات انعتاقها من محنة الاغتراب. لكن هذه المحاولات تتوقف حينما تتراجع حيوية الذات، وهي في أعلى الجدار، تقف عاجزةً عن الإفلات منه، فتنتحب حزنًا وبكاءً مثخنًا باليأس والإحباط.

وبهذه الحال المحبطة، كان الإيحاء في التماس الشاعر من الطير ـــ المجسِّد تشابكًا لمحاور الرمز الطبيعي ـــ الكفَّ عن فعله، المتمثل في جوهر ما هو مجبول عليه، من نهش لكبد الذات المغتربة، وتحويل فاعلية مهمته تلك نحو الجدار، الذي يحيل على أحزان الشاعر. على ما في ذلك من منافاةٍ لإمكانية هذا التحول، وهي التجسيد الإيحائي لإحباطات الذات وأحوالها اليائسة.

وقد برزت رمزية الجدار في شعرية الحزن لدى المقالح بشكل كبير. سواءٌ في رمزيته إلى العائق النفسي والروحي(9). أو في رمزيته إلى الحجاب، الذي يفصل بين الشاعر والعالم الآخر. بينه والمجهول. بينه والمستقبل(10).

وبهذا المستوى من رمزية الجدار وإمكاناته الإيحائية ــ أيضًا ــ إلى العوائق المادية، كان للجدار وظيفته الجمالية عند الشاعر رمزًا إلى العوائق المادية والنفسية، التي تحول دون تحقيق الغايات المنشودة. لاسيما ما يتصل ــ من ذلك ــ بغايات الوطن وآماله. كأن يكون الجدار رمزًا إلى عوائق مسارات الحرية(11). أو أن يكون رمزًا إلى التشطير، الحائل دون تحقيق غاية الوطن في اكتمال التحامه واتحاده(12).

وفي أثيرية هذه المكانة الرمزية ــ التي يحظى بها الجدار عند المقالح ــ إيحاءٌ بقوة الحزن وجبروته وصلابته. وهي الإيحاءات، التي تتنامى من رمزية الجدار، وتبلغ أقصى مدى في تعذيبها للإنسان اليمني والشاعر بوجه خاص، الذي لم يستسلم لقسوة هذا العذاب، بل استمر في نضاله، ومحاولاته إحداثَ ثغرة في هذا الجدار مهما كانت العواقب، مفضِّلًا ــ في ذلك ــ مفارقة الحياة، على الرضوخ لواقعية الصلابة، التي تتسم بها عوائق الغايات والآمال(13).

اقرأ أيضًا: الرمز الطبيعي في شعر البردوني إيحاءات المكان والزمن

كما أن في الحضور البارز ــ لرمزية الجدار في شعر المقالح ــ إمكاناتٍ فنية، أهَّلتْ هذه الرمزية، إلى أن تكون من مكونات الرمزية الخاصة في شعره. وعلى ذلك، فإن خصوصية رمزية الجدار ــ هذه ــ تندغم في سياق عمومية الرمز “الجدار”، الذي طرحه أحمد عبد المعطي حجازي، من خلال معاناته النفسية والروحية. وظهر بعده عند عددٍ من شعراء جيله(14)، فصار بذلك رمزًا عامًّا، جسّدَ عموميتَهُ تقاطعُ استثمار إيحاءاته الرمزية عند أكثر من شاعر. فنجده ــ على سبيل المثال ــ في بعضٍ من قصائد المعاناة لدى الشاعر عبد الله البردوني ــ رمزًا. لكن ليس إلى عوائق مادية أو نفسية، وإنما رمزًا إلى الشاعر نفسه(15).

رمزية مصادر الضوء في شعر المقالح

تمثل القناديل مصدرًا من مصادر الضوء، التي كان توظيف إيحاءاتها الرمزية ملمحًا من جماليات تجربة الشاعر عبد العزيز المقالح. من مثل قوله راثيًا الشاعر صلاح عبد الصبور:

“واحَرَّ قلباهُ:

كلُّ المصابيح ِ ترحلُ نازفةً

……………

يرحلُ الشَّاعرُ ـــ الكلماتُ

ويبقى البكاءُ ـــ الخديعة”(16).

القناديل ــ هنا ــ رمز إلى الشعراء والمثقفين، المنيرين بجماليات الخلق والإبداع فيما ينتجون. ومنهم الشاعر صلاح عبد الصبور، القنديل الذي مثَّل انطفاؤه انسيابًا لأحزان الشاعر في هذه القصيدة.

ويبدو التواؤم بين طبيعة القناديل ــ في إنارتها وهدايتها ــ وطبيعة ما توحي إليه، من إنارة الشعراء والمثقفين، بإبداعهم، دياجير الظلام الفكري والثقافي. ثم يبدو خفوت هذا التواؤم بين الرمز والمرموز إليه، في كيفية النهاية لكليهما؛ فالزيت ماءٌ لاستمرارية التوهج في ضوء القنديل، ونضوبه خفوتٌ ونهايةٌ متدرجة لنوره بتدرج النضوب. والأمر مختلف في المرموز إليه ـــ الشعراء ـــ فلا تكون نهايتهم بانتهاء ماء تنويرهم، وإنما باستمرارية نزيفهم إيّاه إبداعًا قانيةٌ أحزانُهُ، يخلد نورهم الذي يتركونه من دون أن يكون لهم اقتدارٌ على الاحتفاظ به لذواتهم. تلك الذوات، التي ستطيل بقاءهم فيما لو تشابهت نهاياتهم مع نهايات القناديل. وفي هذا التمايز بين الرمز ومرموزه إيحاءاتٌ بالخلود المتجدد، في نتاج المبدعين والمفكرين، وفاعليته في الاتصال بما سيأتي به فكر المستقبل وإبداعه، حتى يتكامل السياق، الموصل إلى المنشود من آمالٍ وتطلعات.

رمزية الزمن في شعر المقالح

التمس الشاعر عبد العزيز المقالح من الزمن ما يمكن توظيفه مع بعضٍ من مضامينه الشعرية. من ذلك استئناسه بالنهار رمزًا إلى آمال الوطن وتطلُّعاته، في مثل قوله:

“يا ليلَ الحزنِ الممتدِّ على وجهِ النِّيْلْ

لو تسألُني ماذا يبكيكْ؟

قُلتُ: الفَجْرُ يموتُ قُبَيْلَ الفَجْر!

الشمسُ تموتُ قُبَيْلَ طلوعِ الشمسِ!

الوردةُ يقطفُها،

ـــ قبل أوانِ القطفِ ـــ شتاءٌ مجنونْ!”(17).

تمثل هذه السطور الشعرية انسيابًا لأحزان الشاعر، في رحيل واحدٍ من المناضلين الأحرار؛ إذ قدم الشاعر قصيدته بالإشارة إليه، بقوله :”حسين عبيد واحد من جيل النجوم الصغيرة التي مهَّدت بالمظاهرات والسجون، طريق سبتمبر، وهو واحد من الأصوات، التي أضاءت الليالي الأولى للثورة .. انطفأ ذلك الضوء، وسكت الصوت فاحترق قلب الثورة حزنًا، وسالت دموع الشعر”(18).

اقرأ أيضًا: الرمز في ديوان الشاعر الإماراتي كريم معتوق “قصائد من وادي عبقر”

وفي مستهل هذا الانسياب الحزين، جاء (الفجر) رمزًا زمنيًّا مقرونًا برمزين زمنيين آخرين (الليل والشتاء). ويبدو ثراء الفجر في إيحاءاته، التي تدفقت في وجهتين إيحائيتين: الأولى صيرورةٌ للفجر رمزًا إلى هذا المناضل. والثانية رمزية الفجر إلى ما يُناضل من أجله الثائرون، ذلك المتجسد في الثورة. وهي التي تظل خالدةً، لا يمكن أن ينالها الفناء، الذي سرق روح هذا المناضل، قبل أن يرى فجر ما ناضل من أجله.

وفي فناء هذا (الفجر/ المناضل)، تنامت خصوبة هذه البنية الرمزية للزمن، من خلال توالدها أبعادًا إيحائية جديدة، باتخاذ فصل الشتاء ـــ المُتّسم بماهية انتفاء الحياة فيه ـــ رمزًا إلى الفناء، الذي لم يمنعه جنونُه من مصادرة حياة هذا الفجر، قبل بزوغه المأمول.

وبذلك تشكلت في هذه السطور الشعرية ــ من النهار والفجر والشمس ــ منظومةٌ إيحائية بدلالتين رمزيتين: الأولى دلالة الحزن الرمزية المتجسدة في أفول المناضل. والثانية دلالة الفرح والسعادة الرمزية، المتمثلة في ولادة الثورة والحرية والعدالة. لكن النصر في النهاية يؤول إلى الدلالة الرمزية الأولى دلالة الحزن، التي جسد انتصارَها الشتاءُ المجنون، الذي يرمز إلى عبثٍ مسيطرٍ على الواقع، بألمه وعقمه وصقيعه وجهله وعدم منطقيته.


  1. عبد العزيز المقالح، “الأعمال الشعرية الكاملة”. إصدارات وزارة الثقافة والسياحة، صنعاء، 2004، جـ3/ ص: (334). ↩︎
  2. كاميليا عبد الفتاح، “الدلالات الرمزية في القصيدة العربية المعاصرة”. مجلة عبقر، إصدارات النادي الأدبي الثقافي بجدة، العدد: (7)، رجب1430هـ ـــ يوليه2009م، ص: (328). ↩︎
  3. ينظر: محمد محمود رحومة، “دراسات في الشعر والمسرح اليمني”. ط1، دار الكلمة، ط1، صنعاء، 1406هـ ـــ 1985م، ص: (22). ↩︎
  4. عبد العزيز المقالح، “الأعمال الشعرية الكاملة”. مرجع سابق، جـ2/ ص: (235). ↩︎
  5. ملاس مختار، “دلالات الأشياء في الشعر العربي الحديث، البردوني نموذجًا”. ط1، دائرة الثقافة والإعلام، الشارقة، 2000م، ص: (105). ↩︎
  6. عبد العزيز المقالح، “الأعمال الشعرية الكاملة”. مرجع سابق، جـ2/ ص: (566).. ↩︎
  7. ينظر: مؤسسة العفيف الثقافية، “الموسوعة اليمنية”. ط2، صنعاء، 1423هـ ـــ 2003م، جـ2/ ص: (1309ـــ1311). ↩︎
  8. عبد العزيز المقالح، “الأعمال الشعرية الكاملة”. مرجع سابق، جـ3/ ص: (421). ↩︎
  9. ينظر: عبد السلام الكبسي، “تجربة القصيدة لدى الشاعر اليمني عبد العزيز المقالح”. إصدارات وزارة الثقافة والسياحة، صنعاء، 2004، ص: (123).  ↩︎
  10. ينظر: محمد مسعد العودي، “الصورة في شعر المقالح”. ط1، مركز عبادي للدراسات والنشر، صنعاء، 1425هـ ــ 2004م، ص: (112). ↩︎
  11. ينظر: عبد العزيز المقالح، “الأعمال الشعرية الكاملة”. مرجع سابق، جـ3/ ص: (240)، جـ2/ ص: (479). ↩︎
  12. نفسه، جـ2/ ص: (565). ↩︎
  13. نفسه، جـ3/ ص: (183). ↩︎
  14. ينظر: وعد الدين كليب، “وعي الحداثة (دراسات جمالية في الحداثة الشعرية)”. منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1997م، ص: (73). ↩︎
  15. يُنظر: عبد الله البردوني، “الأعمال الشعرية”. ط1، إصدارات الهيئة العامة للكتاب، صنعاء، 1423هـ ـ 2002م، جـ1/ ص: (887،885،793،787). ↩︎
  16. عبد العزيز المقالح، “الأعمال الشعرية الكاملة”. مرجع سابق، جـ2/ ص: (408).. ↩︎
  17. نفسه، جـ2/ ص: (589).
    نفسه.. ↩︎
  18. نفسه، جـ2/ ص: (589).
    نفسه. ↩︎

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top