حوارية القلب
حاورتُ قلبي وأطيافُ الهوى زُمَرُ:
ــ يا قلبُ، إنّي بذكرى الروض أحْتضِرُ
.
يا قلبُ، ذِكْراهُ: تدميني بفرقتهِ،
ذِكراهُ ريحٌ؛ فجمرُ البعدِ يستعرُ
.
يا قلبُ، رحماكَ!؛ فالذكرى تمزّقُني،
عساكَ تنساهُ، ريثَ الليلُ يندحرُ!
.
ــ أنْسَاهُ؟! بُعْدًا! أَضَوءَ الشمسِ أحجُبُهُ؟!
وفي سمائي أمحجوبٌ ــ تُرى ــ القمرُ؟!
.
إنِّي لمسلوبُ أمري، ثمَّ حُرِّيتي،
إنَّي لَعَبْدٌ مطيعٌ كلما خطروا!
.
أَمَا تلأْلَأْتَ باللُقيا وطلعتهم؟!
لِمَ تؤرقكَ الذكرى إذا ذُكروا؟!
.
ــ لأنَّ ذِكرى الندى والحبِّ مثخنةٌ
بُعْدًا مريرًا، عليه لستُ أصطبرُ
.
يضيقُ بي الكونُ حينَ البعدُ يشْطُرُنا،
وتضحكُ الأرضُ، في وجهي، إذا حضروا
.
ــ ألستُ أبعثُ بالذكرى وطَلَّتِهمْ
شوقَ اللقاءِ، عليهِ أنتَ تنتظرُ؟!
.
ــ لا، أيها القلبُ؛ أنتَ الشوقَ تضرمهُ
نارًا، وإنّي بتلكَ النار أنْصهِرُ
.
ــ عُذرًا، فلستُ مَلُومًا؛ دعْ معاتبتي،
وهبتَني همْ، وفيَّ اللّومَ تخْتَصِرُ؟!
.
ــ لقد وهبتُكَ: لمَّا عِشْتَهمْ شَغَفًا،
لمّا تَعَلَّقْتَ فيهمْ حينما سَحروا!
.
ــ مَشْغوفُ شَهْدٍ طغى في وردِ جنَّتهم؛
فَمَوْطِنُ النحلِ حيثُ الوردُ ينتشرُ
.
إنّي ـــ بِأُذْنَيكَ ـــ شَهْدَ الحُبِّ أَرْشِفُهُ،
إنّي ــ بعينيكَ ــ خمرَ الحُسْنِ أعتصرُ!
.
ــ يا قلبُ، نلتذّ لُقياهم بجنّتهم،
وحينَ تلتذُّ بالذكرى، أنا كَدِرُ
.
ــ لكنَّ لَحْني بها يشدو؛ فيطربني
شوقًا لذيذًا، بهِ الأحلامُ تزدهرُ
.
عِطرُ المحبةِ ذكراهم، يُهزّ بها
نخلُ الحنينِ، ورَطْبُ الطيفِ لي ثمرُ
.
ــ يَسْريْ اشْتِياقُكَ، يُدمي الروحَ، يسحقُها.
ــ كما يُجَرِّعُهمْ أطيافَكَ السهرُ!
.
ــ إنّي أسـيرُكَ ــ يا قلبي ــ أترفقُ بي؟!
ــ كلّا؛ فإنّي أسيرُ الغيدِ أعتذرُ
***


